الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

علماؤنا المعاصرون الراحلون , ١-السيد محمد زكي البرزنجى، ١٢٩٦ ه - ١٣٦٥ ه

Share

فى موت العلماء خسارة فادحة ورزه مضاعف للأمة ، فالعلماء بمثابة المصابيح في الدجى بالنسبة للامة ، هم ورثة الانبياء ، ورثتهم في العلم الذي هو نور من الله يهدى به من يشاء ، وورثتهم في الحكم بموجب ما انزل الله من احكام فيها جماع صلاح البشرية فى معاشها ومعادها . . وقد عرف الاقدمون للعلماء فضلهم في حيواتهم ، وعرفوا مدى الرزء بمماتهم ، فقالوا كلمة رائعة فيها نفحة الحقيقة وروعة المجاز ، وتلك هي قولهم : " موت العالم موت العالم " . . وهم لا يعنون بهذه الكلمة جميع منطوقها ، وإنما يقصدون بها الأعراب عن عظم المصاب بوفاة العالم . . ذلك انه كالسراج ينشر نوراً مادام حياً فاذا مات إنطفأ هذا السراج الوضاء ...

وهذا عالم من طبقة العلماء الذين وهبوا حيواتهم للعلم ، وكرسوا جهودهم فى رفع مناره تعلماً فى صباهم وصدراً من شبابهم . وتعليماً وتلقيناً فى متوسط هذا الشباب ، ثم تطبيقاً فى كهولتهم وشيخوختهم ، وقد عرفناه فى اخريات حياته كما عرفناه فى اواسطها تلوح عليه سيما الوقار . الوقار الذي هو من اسمى مميزات العلماء ، وقد عرفناه فى آخريات حياته كما عرفناه فى اواسطها صموتاً منهمكا فى أعماله وورعه وصلاحه واخلاصه ، مكتفياً بهذه المتعة الروحية العظيمة عما بتهافت عليه الناس اليوم وقبل اليوم من أعراض هذه الحياة الدنيا الزائلة ، وعلى هذه الطريقة سار حتى النهاية ، لم تغيره المناصب العالية ، ولم تثنه عن السير في طريقه القويم الى آخر الشوط والى آخر نفس من الحياة.

مجمل حياته وأعماله

ولد فضيلة السيد محمد زكى البرزيجى بالمدينة المنورة ، فى بيت عرف بالعلم والفضل . وكانت ولادته فى عام ١٢٩٦ ه وعلى دأب اهل ذلك الجيل ادخل الى احد الكتاتيب بالمدينة فاستظهر به كتاب الله المجيد على احد الفقهاء ومن ثم انتظم طالباً فى حالة والده السيد أحمد برزيجى ، وكان والده هذا أحد أعلام المدرسين بالمسجد النبوى وقد تلقي عنه العلوم الدينية والعربية ونال منه الاجازة العالمية ودرس بالمسجد النبوى وفي اثناء دراسته عليه التحق بالمدرسة الاعدادية بالمدينة ، وفي هذه المدرسة تلقي مبادئ اللغة التركية والعلوم الرياضية . وحينما بلغ عمره السابعة عشر عين إماماً فخطيباً بالمسجد النبوى . وبعد ستة عشر عاماً وبعد ان بلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً وحينما نضج علمه ورأيه عينته الحكومة العثمانية في ٩ ذى القعدة ١٣٢٩ ه عضواً في مجلس التعزيرات الشرعية . وبعد اربع سنوات وفي عام ١٣٣٣ ه صدرت الارادة السلطانية بتعيينه مفتياً للشافعية وعضواً بمجلس الادارة وقد نال  كثيراً من الاوسمة العلمية فى ذلك العهد تقديراً لعلمه وفضله .

ثم فى عهد الحكومة الهاشمية صدر الأمر بتعيينه فى ١٧ رجب ١٣٣٨ ه قاضياً للحكمة المستعجلة بالمدينة وظل يشغل هذه الوظيفة حتى أخر عهد تلك الحكومة

وفى عهد الحكومة العربية السعودية عين فى ٢٩ رمضان سنة ١٣٤٤ ه نائباً لقاضي المدينة ومفتياً على مذهب الإمام الشافعي ، وفى سنة ١٣٤٦ عين قضياً للمدينة المنورة مع عضوية مجلس الادارة بها ومكث فى هذا المنصب حتى سنة ١٣٥٧ حيث صدر الامر العالي بنقله الى مكة المشرفة رئيساً للمحكم الكبرى ، وقد بقى وهذا المنصب العلمى إلى ان توفى فى المدينة بيوم الاثنين الموافق ٢٣ شعبان سنة ١٣٦٥ ه .

وكان الفقيد رحمه الله لعلمه ونبله وسمو اخلاقه محل ثقة ولاة الأمور فى جميع أدوار حياته العلمية والقضائية ، وقد انتدب فضياته خلال رئاسته للمحكمة الكبرى فى كثير من الهيئات واللجان فكان مثال العالم المخلص النزيه

أوصافه

وكان ربعة فى القوم ، أبيض اللون ، عظيم الهامة ، ادعج العينين ، اقني الأنف واسع الفم ، وكان إلى صمته بشوشاً ، هيناً ليناً متواضعاً  وذلك دأب من وقر العلم والعمل في قلوبهم ، وكان هادئاً رزيناً زفيقاً . وذلك شأن المخلصين الاوفياء .

اشترك في نشرتنا البريدية