الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

علم السكان أو العمران البشري، مالتوس أو ابن خلدون

Share

ان موضوع النمو السكانى يشكل اليوم اهتماما أساسيا من الاهتمامات التى تواجه البشرية ، وهو من حيث أبعاده وانعكاساته المتعددة والمتنوعة يطبع بطابعه الخاص كل المحاولات لطرح مشكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية خاصة اذا تعلق ذلك بدول العالم الثالث . والواقع أن هذا الموضوع ، وان اكتسى أهمية متزايدة خلال العشرية الفارطة ، ليس بالموضوع الجديد ، ذلك أن المجتمع البشرى طرق منذ أول عهده بالتفكير المسائل المتعلقة بتطور عدد سكانه وحاول البحث عن القوانين والقواعد التى تسوس هذا التطور وتتحكم فيه وتجد عند أغلب الثقافات نماذج لهذه المساعى الرامية الى معرفة اسرار العمران البشرى وهى محاولات كثيرا ما طغت عليها المسحة الماورائية أو الدينية . أن فكرة العمران البشرى تبلورت واتضحت مع تطور القرون وبروز عدة عوامل ثقافية وعلمية ساعدت على الزيادة فى اعطاء هذا المفهوم بعده العلمى التاريخى

مالتوس ونشأة العمران البشرى

ان الحديث عن العمران البشرى ومشاكل الزيادة فى عدد السكان لا يكاد يطرح اليوم دون أن يقع ذكر ما لتوس الذى يعتبر باعث هذا العلم الجديد . ان زيادة مالتوس لا تقبل منازعة فهو الذى وضع أسس علم السكان وألح فى  مؤلفاته على العلاقة بين زيادة عدد سكان الارض ونمو امكاناتها فى توفير حظوظ الحياة للانسان ولقد كانت مبادىء مالتوس فى حقيقة أمرها منتمية . لما يمكن ان نسميه اليوم : ثقافة مضادة . إذ أن جملة الافكار التى طرحتها كتبه كانت تعارض معارضة أساسية الجو العام السائد آنذاك فى بريطانيا وهو جو

ملؤه التفاؤل بفتوحات العهد الصناعى والافاق العريضة التى ستفتحها الثورة العلمية فى وجه الانسان من سيطرة مطلقة على الطبيعة وتنمية غير منتهية لثروات الارض لما فيه رخاء البشرية وسعادتها . فى هذا المناخ الفكرى والاجتماعى برزت أفكار مالتوس تنذر بالبؤس والخصاصة ونهاية الحلم الصناعى وتبعا لذلك كانت الحلول التى اقترحها مالتوس حلولا اخلاقية تدعو الى نوع من الزهد فى الحياة فى اطار مجتمع اخلاقى يميل الى التحجر . وكما كان منتظرا لقى مالتوس ردود فعل عنيفة لدى مجتمع سفهت احلامه وطعن فى أملة وقد نعت قولدوين نظرية مالتوس بأنها (( شيطان أسود مخيف ، مستعد دوما لخنق الامال البشرية )) ان أول محاولة جادة فى أوربا لوضع أسس علم السكان وتدعيم الوعى بمشكل زيادة عدد السكان لم تنشأ فى ظروف ثقافية مذهبية تؤهلها لمسايرة النزعة العامة للمجتمع بل إن هذه الفكرة الجديدة مذهبية تؤهلها لمسايرة النزعة العامة للمجتمع بل إن هذه الفكرة الجديدة قرنين .

ابن خلدون والعمران البشرى :

أما في الثقافة العربية الاسلامية فان ابن خلدون كان أول من طرق موضوع العمران البشرى وقد كان فى هذه المجال تماما كما كان شأنه فى كافة المسائل التى تناولها بالبحث والدراسة طريفا رائدا ، فهو دارس تاريخ الا ان هذا العلم كما يقول هو نفسه : (( انه فى ظاهره لا يزيد على أخبار عن الايام والدول . . . . وفى باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفات الوقائع واسبابها عميق . )) وهذه النظرة الجديدة للتاريخ أتت بمعطيات جديدة وبكثير من الاكتشافات فى مجال البحث وأساليبه ، ويقول الاستاذ احمد خالد فى هذا الصدد فى مقال نشرته له مجلة الفكر فى سنتها الثامنة : (( وأطرف ما فطن اليه ابن خلدون فى عصره ضبطه القوانين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الكبرى ولم يتعصب فى ضبطها لفكرة أو لعقيدة )) وقد كان لهذه الموضوعية أن دفعت الكثير من المفكرين ومؤرخى الفكر يتبنون ابن خلدون ويجعلونه وضعيا أو ماركسيا قبل ظهور هذين المذهبين . لقد نظر ابن خلدون فى العمران البشرى واسبابه وقواعده وبحث العلاقة القائمة بين العمران البشرى والحياة الاقتصادية فكتب : (( واعلم أنه اذا فقدت الاعمال او قلت بانتقاص العمران تأذن الله برفع الكسب الا ترى ان الامصار القليلة الساكن كيف يقل الرزق والكسب فيها او يفقد لقلة الاعمال الانسانية وكذلك الامصار التى يكون عمرانها أكثر يكون اهلها أوسع

احوالا وأشد رفاهية كما قدمناه قبل ومن هذا الباب تقول العامة فى البلاد اذا تناقص عمرانها انها قد ذهب رزقها . ))

ان هذا الموقف ليعود أساسا الى عدة أسباب تاريخية وحضارية توضح أبعاده وغاياته تماما كما كان الامر بالنسبة لمالتوس رد فعل أمام وضع معين فان موقف ابن خلدون جاء نتيجة لحالة سياسة ومذهبية خلقت نوعا من الشعور بالخوف ازاء انقراض الاستقرار وكساد الحياة الاقتصادية وانعدام الامن وتفشى الاوبئة والامراض . وفى مثل هذه الحالات غالبا ما ينشأ تعلق مفرط بالحياة وتواصل النسل وامتداده .

العمران البشرى اليوم :

نظرتان متبايتنان للمشكل السكانى وهما تجسمان بوضوح ما آل اليه هذا الموضوع اليوم من تنازع ونقاش وتطرف في طرحه والبحث عن حله ، ذلك ان المسألة السكانية انضاف اليها موضوع آخر ذو بال وهو مشكل التخلف الاقتصادى فلا يمكن التحدث عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهى أوكد واجبات القرن العشرين ، بدون بيان مالها من علاقة وثيقة ، جدلية حية بالعمران البشرى بل ان هنالك من لا يضع هذا المشكل الانمائى الا بالمقابلة بالتطور السكانى وتنوعت الاراء وتباينت فهنالك من يؤيد الحلول التى اقترحها مالتوس والداعية للحد من النسل للمحافظة على مستوى الحياة وتوفير حظوظ الرفاهية وهنالك من يرى ان الحل يكمن فى الاسراع فى عملية التنمية الاقتصادية ويعتقد ان العامل البشرى أساسى فى معركة النهوض الاقتصادى والاجتماعى . ان هذين الموقفيين يعبران فى واقع الامر عن نظرة تجزيئية للموضوع فلا يمكن طرق أحد المشكلين دون اعتبار الاخر اذ أن الترابط بينهما ترابط عضوى حيوى ولقد اظهرت التجارب والممارسات أن كل سياسة اعتمدت على تحديد النسل بدون النظر فى توفير امكانات التطور الاقتصادى وظروف التقدم الاجتماعى باءت بالفشل كما أن اغلب المحاولات الانمائية التى لم تجابه المشكل السكانى بحزم وجد تعطلت وتعثرت ولم تبلغ غاياتها .

ان المشكل الانمائى متعدد الاوجه والابعاد ولا يمكن تجزئته الى قطاعات اقتصادية واجتماعية وثقافية ، مستقلة عن بعضها والحال ان كل هذه المظاهر للجهد الشرى متكاملة متناسقة . فالموضوع السكانى هو أساسا موضوع

اشترك في نشرتنا البريدية