الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

علم جمال الشعر, القسم الاول

Share

يقول بعض القياسيين ، ويناصرهم المتحذلقون : ان الفن لا يؤثر القيد . وان لا سبيل للعلم اليه . . وما أجد الفن وانا اخالفهم فى هذا اجمعين - الا ممزوجا بالعلم وقائما على قواعد . أفلا نجد كيف أن نتاج الفن فى النحت لا تقوم انصابه الا على قواعد . ان قاعدة التمثال هي التى تنهض به ، وتصون بهجة منظره ، وهى التى ترفعه الى مدار الانظار . كذلك أعد الفن قائما على قواعد العلم . ومن ههنا أدلف الى الكلام على عم جمال الشعر

كنت أشاهد ذات امسية على أضواء خلابة من ثريات معلقة فى بهو حافل وكانت تتكسر أشعة الكهرباء على زجاج لثريات ، فترمى أنوارها المتلاعبة على صبايا جائلات بين الجمع الهامس ، وقد اتخذت كل حسناء لبوسا ، لو بعثت ( حواء ) فشاهدته لعاينت ما صنعت المدنية فى القرن العشرين لبناتها الخوالب ، فتبسمت راضية . وأى أم لا تبتسم ضاحكة وملء قلبها البهجة لزينة ابنتها الجميلة . وقد كنت فى تلك السوانح التى منحتنى أياها أمسية زاهية . أقلب النظرات فى جمال المرأة ، فأرى الى تصفيف الشعر طبقا على طبق ، حتى خيل الي ، أنى أرد الطرف الى سنين خلت حين وقفت مع جم متقاطر على أبواب قصر ( ىبكنغهام ) فى لندن نرقب عند الظهيرة طلوع الفريق الحارس فى لبوسه الذى لم يستطع التاريخ أن يخلعه عن مناكبه ورؤوسه ، وكانت الرؤوس تحمل جمة من الشعر الفاحم ضخمة كبيرة ، تنزل حتى

اواخر الآذان ، وتجلل العيون والجب و يد تناول أرنبات الانوف ، فقلت : يالله حد شاهدت حسان السهرة - ما اشبههن بفريق الحرس الامبراذورى . وراء قضبان الحديد من قصر بكنغهام . . ولم أجد فارقا كبيرا ، فان ذلك الحرس يصون الفلعة وهذا الحرس بصون القلوب . وفيم تتخد المرأة ضروب الزينات للوجه والكتفين والرأس . لو لم تكن حريصة على قلب الرجل ؟ فلو خلت الأرض من الرجال . لما اقتنت الرأة على الارض كحلا . ولا عقدا ولام ثوبا زاهيا ، ولظلت كنساء الكهوف الأوليات ، منفوشة الشعر . خشنة البدن .

لست أبتعد عما اردت من مطارحة المفكر والشعر فى هذا الكلام . فان للشعر علم جمال ، تقوم مقاييسه ومعاييره على قواعد ماثورة مبتكرة ثم متبعة . يدعو بعضها بعضا الى استنباط جديد . ويحسبى أنه وقفت مرة متمنيا دقائق العلم فى جملة فنية قالها ، بول فاليرى :

((اننى اصنع الشعر كما يبنى المهندس  البناء )) . ولم ألبث أن نطلق خياء الى تمثل الأبنية الطينية ، فوجدتها نصب عينى فقد نشأ الكثير منا تحت سقوفها ، كان آباؤنا لا يتخذون نظاما هندسيا ، فمن هنا مسرب زقاق ، ومن هنالك مدخل يفضى الى بيت وترفع طرفك فترى بعض رواشن البيوت البارزة قد تصافحت من كل جانب . فاذا دخلت فناء الدار عاينت الحيطان قد نهض كل واحد منها بشكل مغاير ، وركبت قوفها المخادع والحجر بين صغير غير متناسب وكبير لا يخضع لنسق من الانساق . ولقد يستقبلك من خلف الباب مكان من حقه أن يكون فى معزل عن النظر والشيم . . فاذا

رددت النظرة الى الابنية التى خطت قواعدها الهندسية عرفت قيمة القول العلمى الفن الشعر الذى قاله ( بول فاليرى ) شاعر الرمزية الفاضلة فى عصر الادب الحديث .

ومن عند الله وحده ينبع الجمال ، وما آثار الشعر الا نتاج الشعور والفكر . وهما من أنعم الله على خلقه الانسان الذى أوجبت عليه رسالته فى الجمال ، أن يبنيه وأن يحييه ، وأن يسعى اليه فى كل مظهر من مظاهر الوجود . سرح نظراتك فى جمال الطبيعة تجده مترائيا على صفحة الينبوع ، وفى مياد الغصون ، وعند عبير الازاهير . ولدن أناشيد الطيور . وانظر اليه عند الانسان تجد اول مطالعة على الوجوه التى تحليها الأرواح . فاذا طلبت ما وراء المنظور فأقصد الى ثمرات القرائح فانها وحدها فى الكون ، هى التى تعطيك من نتاج الفكر والشعور قصائد الشعر ومقطوعات الفن الذى ينسج فيه الكلام قائما على قواعد ثابتة حين يدخلها الضيم يزلزل صرح الجمال ، ويهوى كالنجم الخابى .

وقد تسللت أذهان أوائلنا من العارفين والنظارين الى علم جمال الشعر ، والكلام العربى المبين ، فقدرت (( البيان والتبيين )) لأبى عثمان الجاحظ كاتب العربية منذ القرن الثالث للهجرة حتى اليوم أنموذجا لأهل عصره بعلم جمال التعبير . وهب من قبله جماعة صنعوا أهم نماذج الجمال ، فى آثارهم الادبية فى المنثور والمنظوم ولكنهم لم يقرروا القواعد العلمية لفن الشعر ، حتى جاء أئمة البلاغة العربية وسدنة هيكلها على العصور . . فأبان عبد القاهر الجرجانى فى دلائل الاعجاز ، وابو هلال العسكرى فى

كتاب الصناعتين وشاركهما قدامة بن جعفر وابن رشيق القيروانى وجمع غفير من أمثالهم كانوا المهندسين لبناء العربية بعد ان منحهم القرآن عزه فنها وصميم قدرتها على التعبير . وبعد أن أورثها الشعراء الجاهليون هذا الجمال الفنى الذى صنفوا هم قبل غيرهم ، قواعده فى الشعر . انهم ثم يصنفوا القواعد العلمية للشعر على نحو من صناعة زماننا وانما كان شعراؤهم منهمين فى العلم ، كما الهم الخلاق الطيور حين تبنى أعشاشها ، وكما أوحى للنحل فى آذانها الرهيفة كيف تصنع بيوتها الهندسية التى تنزل فيها سوائغ عسلها الساحر ،

اننى لا أعرف حتى هذه الساعة قصيدة فى تاريخ الشعر العربى صنعها شاعر جاءت أجمل نسقا وأطيب روحا وريحانا من قصيدة : (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ) . ولسوف يظل امرؤ القيس فتى الشعر العربى الذى لا يشيخ على الزمان . وسيظل الصدى يصرخ حول مصرعه ومرقده ، فى انقرة ، حيث يقال انه توسد الثرى هنالك ، وهو فاصل من عند جوستنيانوس ملك القسطنطينية ، اذ مات غريبا شريدا ، وحنت على رقدته الاخيرة امرأة كانت هناك فى الثرى من قبله غريبة ، فمن سفوح جبل (( عسيب )) الذى كان يطل على ضجعة الملك الضليل ومن جبل التوباد ، وقد أقام عند سفوحه مجنون ليلى يذرف دموعه على المحبوبة المقهورة ، تنطلق روح شعر عربى بناه أصحابه بناء هندسيا علميا واصطنعوا له حلاوات الفن التى حفظت جماله حتى اليوم ، وستظل حفيظة عليه ما دام لسان الانسان العربى وفكره يجودان بغرر الكلام وسحر البيان ورائع التفكير .

وبحسب معرفة الشاعر لعلم جمال الشعر

تكون جودة أثره ، وصحة بنائه وطيب نفحاته . لقد كان ( فيكتور هوغو ) أعرف شعراء عصره بقواعد الشعر حتى حير بها الباب نقاده ، كان يسمع طنين الكلمات فى خلده كما تطن آنية الذهب ، وكما تعطيك الصدى قصعة من الصينى النفيس ، وكم تستقى الذكريات رحماتها على ابى نواس حين مر بالسوق فى كرخ بغداد ، ولعله كان ساعتئذ ذاهبا فى النهار الى بعض الجد من شأنه ، تاركا الليل وراءه وأمامه لمطارح لهوه وغزله ، فقعد بدكان صاحبه الاديب (( أبى شعيب القلال )) وكان ابو شعيب فى تلك الآونة يدير بين يديه قلة من قلله يسويها باللون والحجم ، فقال للنواسى :

- سالتك الله ان تنشدنى بعض شعرك يا ابن هانئ ؟

ولست أشك فى أن ابا نواس كان ساعتئذ صاحيا حتى أجاد الشاهد ، وألقى بالشعر الأخاذ فقال منشدا من قصيدته التى مطلعها :

ودار ندامى عطلوها وأدلجوا

بها أثر منهم جديد ودارس

فلم تكد هذه الأبيات الوارفة الفواحة تدور في قصور ( أبى شعيب ) الذواقة الاديب المعروف بعلم جمال الشعر ، حتى تناول قلة صافية رهينة الطرائف فرفعها بين يديه وأخذ باصبعه يطرق جوانبها حتى رنت بين يديه ، ثم التفت الى أبى نواس وقال له :

- هذا شعر : لو نقر عليه لطن .

( دمشق - خاص لمجلة المنهل بجدة )

اشترك في نشرتنا البريدية