نعت الينا ابناء مصر الاخيرة ، الدكتور محمد حسين هيكل احد اعلام النهضة الادبية فى هذا القرن ، فكان لهذا النعى اثره البالغ الذى حز فى النفوس . . فقد كان الفقيد علما بارزا من اعلام النهضة الفكرية فى بلاد العرب ، ولذلك كانت خسارة الامة العربية والادب العربى والفكر العربى ، جسيمة بوفاته . .
وكان الدكتور هيكل من أوائل من شق طريق القصة للادب العربى فى ( زينب ) وكان ذا اسلوب يجمع بين الطراوة والجمال ، وبين القوة والجزالة وبين العراقة والطرافة والعمق والوضوح . وكان من ميزاته البارزة انه رجل واضح الحياة لا زوايا فى حياته ولا خبايا ، يقول ما يعتقد . . ويعتقد ما يقول . . ولم توصم حياته السياسية العنيفة بما وصمت به حيوات كثير من زملائه الذين خاضوا معه معمعة السياسة ، فنالهم من رشاش أوحالها ما نالهم . . لقد كان تاريخ حياته السياسية قبلا وبعدا أبيض ناصعا لم تكدره الشوائب . وقد تولى رئاسة مجلس الشيوخ المصرى
وكما قلنا ان الفقيد كان احد اقطاب حركة التجديد فى الادب العربى
وكان فارسا مجليا فى هذا الميدان ، فأنشأ جريدة ( السياسة الاسبوعية ) الوحيدة التى لم ينشأ مثلها لا قبلها ولا بعدها ، وكانت ميدانا واسعا ناضرا لفرسان الادب العرب لا فى مصر وحدها ، ولكن فى سائر بلاد العرب تتلاقى فى حومتها الاقلام والافكار . . عارمة آنا ، وخفيفة هينة الوقع آنا آخر .
والف كتبا قيمة ستظل منارا للفكر ورائدا لرجال العلم والتاريخ فله من الكتب : ( فى منزل الوحى ) وهو الكتاب الذى حاز شهرة عالمية وله كتاب ( حياة محمد ) صلى الله عليه وسلم . . وكتاب ( الصديق ابو بكر ) . . وكتاب ( الفاروق عمر ) وله قصة ( زينب ) عدا عشرات المقالات التى كان ينفح بها الادب العربى ، والفكر العربى الى آخر ايامه رحمه الله
هذا وقد كانت لنا ذكريات طيبات مع الدكتور المأسوف عليه نجملها فيما يلى :
حينما زار المدينة المنورة بعد حجه فى عام ١٣٥٠ على ما اذكر اقيمت له دعوة خطب فيها خطابا مرتجلا بليغا
هز الاسماع والقلوب . . وكان مما قال انه بالنسبة لما تلقفه من دراسات الغرب التى اثرت على عقيدته الاسلامية . . كان بالنسبة لذلك كالصخر الصلد الذى تراكم عليه التراب والغبار ثم جاء وابل قوى عليه فازال كل ما تراكم على وجه الصخر الصلد وبقى كما كان . .
وفى ذلك الوقت زاملته لدلالته على صحيح الآثار بالمدينة حسب ماحققته فى كتاب ( آثار المدينة المنورة ) . . وكان قد طبع حديثا اذ ذاك . . وكنت اشرح له بعض الوقائع كوقعة احد فيخالفنى فى الرأى ويستحكم الخلاف
بيننا ، فلما ظهر كتابه ( فى منزل الوحى ) كنت اخاله يحمل على وجهات نظرى فاذا بها كلها تأييد لها وتقدير وقد روى فى كتابه الكثير عنى وعن آثار المدينة المنورة . . فدل ذلك على سعة عقله ونزاهته العلمية وامانة ضميره وصفائه . .
رحمه الله رحمة الابرار وعوض الادب العربى والفكر العربى عن فقده بالخير والهم زويه وعشاق أدبه والمستفيدين من بحر علومه الزاخر الصبر والسلوان .
