١ - ضرورة الاعتناء بالمواضع الاثرية
لقد اعتنى اكثر علماء المسلمين بجميع العلوم التى لها ارتباط بالقرأن من فقه وتفسير وقصص واخبار ونحو لغة وصرف وغيره ، والفوا المؤلفات العظيمة في تلك العلوم ، ولكنهم تركوا الناحية الاثرية التاريخية منه ، لكون القران - في نظرهم - كتاب هداية وأرشاد ، وعظة وذكري ، لا كتاب سرد أخبار وبيان آثار ولكنهم - ولهم العذر - ان قصروا في تلك الناحية فمنهم أفنذاذ أولوها عناية كبيرة ، لما لها من الارتباط الوثيق بتاريخ الامة لا من الوجهة الدينية فحسب . وهؤلاء ألفوا المؤلفات الخاصة بتلك الناحية ، وملؤها بما وصل اليه علمهم ، ولم يراعوا التحقيق والتمحيص فيما كتب القارئ شاعرا مطلية قصة من قصص احدى الامم البائدة ، أو البحث عن موضع من المواضيع المهمة ، فيجد من تضارب الاقوال وتباينها ما ينزع ثقته من أغلب تلك الكتب .
ولقد كنت في سنة ٥١٣٥٣ مدوسا في مدرسة ينبع فصادف أول مرت دخلت فيها غرفة الدراسة أن الدرس الذي كانت به هو شرح قطبة من قصيدة للوى ورد فيها ذكر جيلوى " فقلت في شرحها اعتمادا على احد شروح مقلعات الحريري : إن رضوى جيل كبير قريب من المدينة سبل المرتقى ، فقال أحد التلاميذ : - مشيرا إلى النافذة - ها هو جبل رضوى ليس قريبيا من المدينة ولا يستطيع أحد أن يصل إلى قمته ، فسكت ميهونا حائرا .
. وإذا كنا - ونحن كما يزعم الزاعمون فى عصر العلم والنور - نجد من بيننا جهابذة أجلاء إذا سلكوا تلك المهامه خبطوا فيها خبط عشواء ما بالنا نعتب على اسلافنا الحائزين لقصب السبق فى الفضائل :
ح
نطالب بالكمل الاولينا
فانا لم نوق النص حتى
" شوقي
٠٠ . ولا يعرف قرنا ولا تاريخا إيك لو سألت اعرابيا جلفا من يادية " العلا " لا يعرف قرآنا ولا تاريخا عن " ديار ثمود " لاخيرك بها خبر الصادق المحقق ، ولو رجعت إلى كتاب " قصص القرآن " الذي أصدره وألفه في العام الماضي علماء الاعلام - لارشك إلى موضع يبعد عن موضعهم الحقيق مسيرة سنين يوما أو أكثر
. ولو بحثت عن موضع " العشيرة التى لها ذكر في مغازى الرسول في " بني جهينة " لاوقف على أطلالها ، ولو أخذت بقول الاستاذ أمين سعيد فى كتابه " تاريخ الاسلام السياسي " ج ١ ص ٤٧ - " ولا يخفى ان العشيرة أقرب مكان إلى مكة بلغته سرايا المسلمين الخ أو قوله فى " الابواء " : " والابواء احدى محطات سكة حديد الحجاز وبينها وبين المدينة ٢٨ كيلومترا " - ص ٤٣ منه - لضلات عن الموضعين ضلالا مبينا
* ولو قرأت المقال المتسلسل الذي نشر في بعض أعداد جريدة " أم القرى " فى سنتها الاولى عن رحلة الملك عبد العزيز من يجد إلى الحجاز " او المقالات التى نشرت في أعداد السنة الاولى من جريدة " صوت الحجاز " بحث عنوان " ليالي وأيام في بعض بلاد الاسلام " لوجدت الكاتبين يجزمان بأن " مراة " هي بلد " امرئ القيس " الشاعر مع أن الحقيقة تنفي ذلك أشد النفي ، وتثبت ان امرا القيس الذي سميت القرية باسمه عدنانى وذاك قحطاني وشتان بين مشرق ومغرب " ولو قرأت في " تاريخ نجد الحديث " للاستاذ الريحانى لوجدته
يثبت ان " منفوحة " هي بلد زهير بن ابى سلبى الشاعر ، والحق ان بين بلد زهير و " منفوحه مسيرة خمسة عشر يوما او اكثر برسسيم الاينق الذلل وان ما هى بلدة " الاعشى
لم أسق ما تقدم منتقدا ولكن لا دلل على ان اكثر الكتب المؤلفة فى المواضع الاثرية لا تفيد فائدة تامة بحالتها الحاضرة حتى يقبض الله اناسا يحافظون على تاريخ ويقدرونه حق قدره ، فيمحضون تلك الكتب ويميزون مما احتوته بين الغث والسمين ، ويه رسولها دراسة بتحقيق وامعان ، ويطبقون ماجاء فيها على ما يشاهدونه وينقبون عن جميع آثار بلادهم ( ويدون معلوماتهم عنها .
ومع ؟ وانني في هذا المقال سأبلى دلوى في الدلاء وأبذل ما في وسعى لتحقيق . مواطن ثلاث امم لها شأن عظيم ، وارتباط وثيق في تاريخنا القديم ، بل تاريخ تلك الامم جزء يتجزأ من تاريخ امتنا وبلادنا ، ومتى سنحت الفرصة للكتابة من غيرها على ضوء المشاهدة والتحقيق فلن اضن بفعل أرى أداءه واجبا .
ب " المدينيون وموطنهم
- حر . : " مدين " امة عربية عظيمة سكنت شبه الجزيرة حقبة طويلة من الزمن وقد انقرضت وبادئ ، وكاد ان ينهحي ذكرها وينطوى خبرها من سجل الوجود لولا ما وردت ) فى القران الكريم عنها وكانت تلك الامة تسكن فى ساحل البحر الاحمر ، قريبا من خليج العقبة وقد اتفقت اقوال اكثر قدماء المؤرخين على ان مدينة " مدين " تبعد عن مصر مسيرة ثمانية ايام وانها بين الشام والحجاز ولكنهم لم يحددوا موضع تلك المدينة ولم يبنوا موقعها ، وانما المعوا الى ذلك الماعات يسيرة ، واليك اهم ما ذكروا :
قال البغوي في تفسيره ) ج ٦ ص ٣٢٩ ( : ومدين هو مدين بن ابراهيم سميت البلده باسمه . وكان مدين على مسيرة ثمانية ايام من مصر .
وقال النسفي في التفسير " ج ٥ ص ٣٤٥ " . ومدين قرية شعيب سميت بمدين ابن ابراهيم ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية ايام
وقال ياقوت فى " المعجم " ) ج ٢ ص ٣٦٥ ( : ومدين على بحر القلزم على ٢ ست مراحل من تبوك . وقال ) ج ٢ ص ٦٩ ( : في كلامه على بحر القلزم : فهو بمر بساحله الشرقي على بلاد الثمن وجده والجار وينبع ومدين مدينة شعيب وقال السمهور دى فى خلاصة الوناء ) ص ٢٩٧ ( مدين على بحر القلزم مجلزي تبوك بها البئر التى استفي منها موسى عليه السلام لسائمة شعيب . وعدها ابن سهل الاحول من اعراض المدينة . وقال الزبيدي في التاج ) ج ٩ ص ٣٤٣ ( . ومدين كجعفر اسم أعجمي وإن اشتقفه من العربية نالياء زائدة ، وقد يكون مفعلا وهو أظهر . ومدين قرية شعيب عليه السلام نسب الي مدين بن ابراهيم عليه السلام والنسبة اليها مديني اه وأكثر أقوال من تكلموا عنها لا يخرج عن هذا المعنى
أما ما استنتجته أنا من دراستى لتلك الاقوال ومن مشاهداني الخاصة ، وما وفقت الى تحقيقه - في رأيه اليك : -
٠٠ حينما تذهب من قرية ) ظيا ( قاصدا خليج العقبة ، وبعد ان تسير خمسة أيام تصل الى واد عظيم ينحدر من سلسلة جبال الحجاز ، ومن أرض الجلس ويصب فى البحر الاحمر ، في جزع ذلك الوادى الذى يبعد عن مصبه فى البحر مسافة خمس ساعات تقريبا تقريبا منبسط من الأرض سهل واسع يحيط به من اكثر جهاته جبال غير شاعخة ، ويفضل في ذلك السهل ماء عين عذب ، يسمى ذلك
الوادي البدع ١ ( وفي ضفافه المحفوفة بالجب مغارات عظيمة كثيرة منحوتة تحتا هندسيا متقنا ، ومفصلة تفصيلا جميلا رائعا ، يدخل اليها مع أبواب مربعة ثم تتسع المغارة اتساعا عظيما ، وتنقسم الى غرف متعددة ، بينهاد عليز واسع ، مربع الشكل ويحيط بنلك المغارات كثير من الاماكن التى أزيلت حجارتها وسوى ترابها ومهدت ارضها وكثير من القبور المحفورة في الأرض يزيد عمق بعضها على المتر . موضوع في نهاية تلك الحفر توابيت من خشب محتوى رفاتا ما ففوفة بخرق لعبت بها وبما احتوته يد البلى
تلك المغارات يسميها الاعراب القاطنون حولها " مغاير شعيب " وثم بئر يسمونها بئر موسي ، وقد مر بذلك الموضع الشيخ عبد الغني الناباسى فقال عنه في رحلته ما خلاصته :
) وسرنا إلى أن وصلنا قبيل المغرب الى مغاير شعيب وتسميه العرب البدع وفيه عيون ماء جارية على وجه الأرض مجتمع فتصير كالنهر في أماكن كثيرة ومؤها حلو لطيف وانما سميت مغاير شعيب لان نبي الله شبيب على ما يقال كان يتعبد فى تلك المغاير التى هناك إلى الآن . وله مغارة فيها بلاطة كبيرة مستوية كان يصلي عليها وذكر لنا أن رجلا كان مرة هناك فشم وانحه طيبة فتتبع تلك الرائحة إلى أن وصل الى تلك المغارة فوجد في داخلها رجلا في تابوت بكنن ابيض ووجد تلك الرائحة الطببه يخرج منه وهليه المهابة والنور والجلال فقال لعله نبى الله شعيب وظن غيره به ذلك ايضا فنزلنا هناك وبتنا تلك الليلة ( ا ه
? . وحم إن المشاهد لاثار ذلك الوادى وماحوله ليجزم بأنه قد حلته أمة عظيمة ان لم تكن أعظم شأنا من إمة ) مدين ( فليست بأقل منها وان المنبع لما ذكره قدماء المؤرخين ليستنتج من اقوالهم كون ذلك الوادي العظيم هو مقر ) المدين ( وفي القران الكريم
ما يشير الى ذلك حيث سمي ) مدين ( بأصحاب ) الايكة ( والإيكة في اللغة هي الشجر العظيم الملتف : ولا يبعد ان يكون ذلك الوادي العظيم في زمن من الازمان السالفة غاصا بالاشجار العظيمة الملتفة الكثيرة ، لكثرة مياهه وعذوبتها ؛ وطيب تربته وصلاحها لانبات كثير من الاشجار النافعة
ع - . " * - ٠١ صح وفي مصب ذلك الوادى في البحر قرية بها ذكر في سيرة الرسول تسمى ) مقنا ( ذكر بعض المؤرخين أن أهلها وهم فرقة من الاسرائيليين يقال لهم ) بنوا حبيبة ( بعثوا وفدا الى الرسول حيما قدم بلدة تبوك ، معلنين دخولهم في الطاعة وخضوعهم لاحكام الاسلام مع بقائهم على دينهم فكتب لهم الرسول كتابا وأمنهم
؟ أما القرية المذكورة فلم يبق سوى اسمها وأطلالها وقبورها ، وأما سكانها الاولون فقد ارتحلوا عنها ، وخلفهم - فى الزمن الحاضر اخلاط من الاعراب من بني عطية وبني عقبة وبلى والحويات ملكوا ذلك الوادي وأستولوا على نخيله الكثيرة ومياهه العذبة الجارية بلا مؤنة ولا كلفة
(يتبع)
مكه

