فى الجزيرة العربية اليوم نهضة شعرية تبشر بالخبر . . وتنبئ باسترجاع مجدها الزاهر في غابر : لادهير . . الجزيرة التى افلت رمالها السمراء امرؤ القيس الشاعر الفحل الضليع . . وصناجة العرب ) اعشى قيس ( وعلقمة بن الفحل . . وعمرو بن كلثوم احد شعراء المعلقات السبع وصاحب النونية الشهيرة . . وحسب الجزيرة فخرا انها كانت المورد للشعر العربي منذ الجاهلية حتى العصر العباسي . . وهي التى انجبت الطائيين ايام تمام حبيب بن اوس وابا عبادة البحترى . . وابن الطثرية وجرير والفرزدق . . وهي المهد الذي هدهد عمر بن ابي ربيعة المخزومي الشاعر الغزلي الخالد . وخليفته الشاعر العرجي عبد الله بن عمرو . . وشاعر الدعوة الاسلامية حسان بن ثابت الانصاري . . وغيرهم من فحول الشعراء . . ثم ران عليها الخمود واستحوذ الخمول عليها بأغلاله وكادت تنطمس معالم ذلك المجد الزاهر لولا بوارق من امل . . كانت تومض بين الفينة والفينة حتى حل عصر النهضة الحديثة . . وهبت الامة العربية من رقدتها
الطويلة . . تطاول الزمن وتصاول الاهوال . . هبت تحطم الاغلال التى كبلت بها ردحا من الدهر . . فراينا الثورت الفكرية . . والانتفاضات التحررية . . تنهض الواحدة تلو الأخرى . . ففي الجزيرة العربية بزغ فجر الدعوة الوهابية بقيادة الامام السلفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ) ١١٥-١٢٠٦ ه ( وهي حركة اسلامية تحريرية هدفت الرجوع بالاسلام الى منبعه الصافي . . الى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة . . وتخليصه من الشوائب التى الصقها به اهل البدع عليه . . فهي حركة اسلامية سلفية . . ويعتبر حدوث هذه الحركة من اعظم الحركات الاسلامية في العصر الحديث . . وعلى اثرها اخذ الادب العربي الخامد يتململ ويبدى حراكا . . وجعل ينفض عن منكبيه غبار الركود . . ويمزق عن اهابه برود الخمول والكسل . . وراحت الجزيرة العربية تنفي عن نفسها القحط الشعري . . حيث قد طلع علينا ادباء كانوا الرواد الاول للادب العربى فيها . من امثال . . محمد سرور الصبان ، ومحمد سعيد العامودى . وابراهيم هاشم فلالى . وعبد القدوس الانصاري . وحمزة شحاتة وحمد الجاسر ) عضو المجامع العلمية العربية الثلاثة ( وحسن عبد الله القرشي ، ومحمد حسن عواد ، وابن عثيمين الكبير ، وعبد الله الفيصل وشاعرنا المبدع طاهر زمخشرى الذي صدر له مؤخرا ديوان شعري جميل عن مطابع دار الكتاب العربي بالقاهرة اسمه " على الضفاف " ويقع هذا الديون في ١٧٦ صفحة من القطع الكبير ومزين بلوحات فنية زاهية . . وعلى ورق صقيل ممتاز . . اظهره في بزة سابغة . . زادته رونقا وبهاء على جميل معانيه وجزالة ديباجته ، ورصانة عبارته . . وهو سادس ديوان اصدره الشاعر زمخشرى . . فقد
اصدر كتاب " المهرجان " وهو عن رحلة الامير عبد الله الفيصل إلى اميركا . . وهو باكورة نتاجه المطبوع . . ثم اردفه بديوان احلام الربيع " المطبوع فى القاهرة عام ١٣٦٥ ه ، وديوان همسات عام ١٣٧٢ ، وديوان " انفاس الربيع " وديوان " اصداء الرابية " عام ١٩٥٧ وديوان " اغاريد الصحراء ، عام ١٩٥٨ م ٠٠٠
ويضم هذا الديوان الجديد " على الضفاف " خمسا وخمسين قصيدة وقطعة شعرية وتسع عشرة رباعيا . . تتقدم الديوان كلمه للشاعر خاطب بها ابنه فؤادا . . ثم يطل عليها بهذه الترنيمة الصوفية الجميلة " لبيك " :
لبيك رب العالمين
لبيك جئنا طائعين
لبيك بالدمع الهتون يفيضه وجل ورعب
فالعين ترنو للسماء ودمعها الهدار سحب
والقنب يلهج بالدعاء وقد تلجلج فيه ذنب
ادعوك يارب العباد ، وليس لى الاك رب
وهداك للغفران درب
واليه بالآلام نحبو
فالشاعر غنائى النزعة ، كلاسيكى الشكل . . رومانسى التعبير . . فهو من مدرسة الشاعر الخالد على محمود طه المهندس . . واظنه من المتأثرين بموسيقاه الصاخبة . . وتعابيره الشعرية الرنانة . . ذات الجرس الموسيقى الصاخب . . ف " على الضفاف " عالم من الرؤى الرفافة والاطياف المحلقة . . فهو فى رايى يمثل الذروة لشاعرية طاهر زمخشرى . . وقمة فنه . . وميسم عبقريته . . والمتتبع لشعر طاهر زمخشرى . . يلمس التطور السريع الذي مر به الشاعر منذ اصدار أول ديوان له حتى ديوانه الاخير . . وفي هذه النقلة التى وصل لها زمخشرينا تكون هى المرفا الذى تلقي فيه امراسها شاعريته . . اسمعه يقول من قصيدة عنوانها ) انتظار (
على مرجل الالم الثائر
وفى صحوة القدر القاهر
ومن ثورة الشجن الهادر
واغفاءة الامل العاثر
وتهويمة الخافق الحائر
هواجس لاب بها خاطرى
ومن خلف ستر الدجى الغامر
سمعت صدى هاتف ساحر
يقول : انتظر سوف يأتي الصفاء
مع الصبح فى برد من ضياء . .
ويجلو الهموم ، ويطوى الشقاء
وتصدح في فيئه . . للبهاء
ويستمر شاعرنا فى ترنيمته هذه . . بهذا التعبير الجميل وهذه السلاسة المستعذبة . . حتى يقول
فلما تراءت أماني الغد
ملأت بيض رؤاها يدى
وقد صفقت في خميل ندى
ومذ شع حولى سنا فرقد
وصافحت طيف غدى المسعد
قذفت بيأسى الى الموقد
ومن خلف سر الدجى الاسود
سمعت صدى هاتف منشد
يقول : انتظر سوف يشدو السرور
ويغمر وجه الحياة . . البكور . .
مع الصبح فى وشوشات الزهور
وتصدح فى فيئه للطيور . . وبهده الروح الرومانسية الشفافه يطل علينا الشاعر بهذه الاغرودة الجميلة . . من وراء الضباب ، فى موكب الفتنة يرنو لموقعى فى العراء
شبح لا أراه الا متى اشتقت لدنيا الفنون حول حراء وأمامي روى على ضفه النهر تناغي هواجسى بالصفاء
وجوارى فى ضاحك الروض ورقاء تناغت اهدابها فى حياء تملا النفس فتنه ، وهى بالفتنة حسن ، منسق الاجزاء .
وعلى هذا النسق الجميل يستمر شاعرنا فى قصيدته هذه " عند الغروب " حتى يختتم قوله :
واذا في الضفاف اصدح بالحب لطيف
موشح بالضياء
وهو فى افقه يعانق احلامى . ويشدو
مرددا اصدائي
ويمتاز الاستاذ طاهر زمخشرى فى شعره بديباجه عربية سليمة قوية . . تذكرنا بديباجه الشعر العباسى الخالد . . فهناك قوله هذا . . واصفا فيه لنا راقصة راها تتلوى على حشبة احد المسارح على ضفاف النيل الساحر :
واستدارت بحلبة الرقص ترنو
فى احتلاج لقدها العربيد
لترى عطفها الا زال يلهو
كلما غازلته لفتة جيد
واستوت والعيون ترسل هدبا
راح يشدو علي اهتزار النهود
وتعيد القموب رجع صداه
فتجيد الايقاع بالتنهيد . .
ثم يصف لنا الموج النشوان . . بقوله :
فاذا بالعباب يرقص نشوا
نا . ويذكى بالرققص حر الكبود
والرداء المخمور يلثم ساقا
فى مجون يضل عقل الرشيد والفتون الممراح ينشر عطرا
من شفاء ندية بالورود . .
راجع ص ٦٤ ) راقصة على النيل ( ولو لم نخش مسخ روعة قصيدة ) صاهرنا ( لاستشهدنا بالكثير من لالئه الثمينه . .
فالديوان متداول . .يستطيع ان يتمتع بعبيره من يشاء . . وفي باب الرباعيات التى استغرقت خمسا وعشرين صفحة من صفحات الديوان نطوف مع شاعرنا . . رياضا به . . وجنات الفافا من الخيال الرفاف . . و لعبير الموسيقى الساحر . والمعاني المشرقة . . خذ هذه الرباعي . . لترى مصداق ما اقول :
غرق بالامس فى خصم الليالي
وانطوى ذكره الاليم ببالى
فخنقت الآلام في مذبح اليا س ، فلاحت بسامة آمالي
ومشت تنهب الخطى لاعتناقى وانا المتم المنى بالخيال . .
ثم قالت : حذار فالياس قتال
لمن لا يجيد فن القتال . .
) مقتل الالم ( ص ١٠٦ . . وكم كان جميلا من الاستاذ طاهر زمخشرى لو جمع هذه الرباعيات المبثوثة فى ديوانه " على الضفاف وفي ديوان " اغاريد الصحراء " وفي ديوان . اصداء الرابية " واصدرها فى مجموع مستقل . . كما فعل زميله من قبل الاديب الكبير الاستاذ ابراهيم هاشم فلالى فى ديوانه " صبابة الكاس . .
وفي الختام اهمس بأذن صديقى طاهر زمخشرى . فاقول : ان ربة الشعر قد وهبتك نفسها . . ونادتك من عليائها : ان يا طاهر : تابط قيثارتك وشدد من اوتارها وانتر على الدنيا الفنونا . . .
