( شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم ) عمر ابن الفارض
أطلقت في نهر النبيذ شراعي ومضيت خلف موانع الأصقاع
وأنرت من فلق الصباح سفينتى فتلالأت درية الإشعاع
هاروت حولي خادم متطوع في موكبي وجنوده أشياعي
أبدو كذي القرنين بين عساكرى والشمس تسطع من خيوط شعاعي
هيهات أرهب ثورة الإعصار أو أخشى لدى اليم البعيد ضياعي
وأنا الذي صهر الجمال عواطفي فقطعت كل مفاوز وتلاع
وقبست من نور السماء ملاحما تدوي دوي الرعد في الأسماع
ورقمت موسيقى الوجود على صدى لحن الخلود بريشتي ويراعي
ونسجت من شفق الأصيل غلائلا حمراء في لهب الدم النصاع
فكأنني في الشعر ( هوميروس ) والـــ غاوون في ( إلياذتي ) أتباعي
طافوا علي بكل أنواع الطلا فاخترت منها جيد الأنواع
وسبرت أغوار الحياة وكنهها وقطعت للأوهام كل دواع
لكنني رغم ارتوائي لت أزل في غلتي لم يشفني استطلاعي
يا من جعلت هواي إثما في الوردى ماذ أقول وأنت لست بواع ؟
الإثم إثمك لو علمت فما أنا إلا هزار خميلة ومراع
دع عنك هذا الظن إنك واهم لن تستطيع بحجة إقناعي
لو كنت مثلي في الهوى متصوفا ما أن طلبت خصومتي وجداعي
دعني وشأني إنني لا أرعوي عن مأثمي حتى يحين نزاعي
مازلت في الصهباء أول مدمن وإلى الهوى مازلت أول ساع
أنى دعيت إلى مجالس أنسها في سرعة لبيت صوت الداعي
حسبي وأني مؤمن وعقيدتي ستكون عن وزري لسان دفاعي
أطلقت للقصف العنان وعشت في دنيا الهوى للخلق والإبداع
وتركت دين الناس مشغولا بمن قد كان فوق الدين خير مطاع
لو لا المآثم والخطايا لم يسع غفرانه في الأرض أي بقاع
قارفت كل خطيئة متعمدا وغنمت في اللذات حسن متاع
وطرحت عن نفسي الطقوس وعبأها لكأنني طفل بعهد رضاع
وخلعت عن بنت الكروم نقابها فتنفست في ظلها أوجاعي
وبلهفة صوفية أحرقتها وغسلت فحمة رجسها الخداع
فرأيت عرس الشمس في جنح الدجى ورأيت في الظلماء ألف شعاع
وتفتحت لي جنة فدخلتها بخطى - من النور البهي - سراع
ولعنت لما أن رأيت نعيمها أشقى فتى لسبيلها مناع
خمر الحقيقة في سناء جلالها سجدت لها الأشواق في أضلاعي
خلقت لذاتي فهي عذرائي التي صقلت بأنوار الجمال طباعي
خمر من الأزل القديم أعبها أيجوز عنها يا ترى إقلاعي ؟
لو ذاقها مثلي المعري مرة لغدا لها في الناس أول داع
خمر تنير العقل لولا شمسها ما أينعت في الأرض خضر بقاع
نارية الأ لوان لا يرتادها في حوضها العربيد غير شجاع
هيهات أجزع من صراخ مدامة في ثورة مجنونة وصراع
كالنار تأكل بعضها كيما تعيش أسيرة في خاطري الملتاع
وتشدني كأس إلى أخرى على رقصات حلم عذبة الإيقاع
أنى تثاءبت المدامة فاجأتـــــ ها صفعة من عاصف زعزاع
وإذا الجفون تثاقلت من نشوة وتمايلت بين الرياح قلاعي
أشتف من كل المناهل جرعة بتلهف لنعيمها نزاع
وأفر من جسدي إلى دنيا بها روحي ترف كزفرة بوداع
وهناك في لجج من الأحلام ألـــ ــقى عالم الإيناس والإمتاع
صبغ البنفسج أفقه فتمازجت ألوانه قزحية الإشعاع
وعلى بساط لازوردي ناعم يتساجل الندمان بالأسجاع
وكواعب من غانيات الزنج يقــ رعن الدفوف بموكب صداع
يرقصن حول النار في ثوب الجنو ن كهاجس في خاطر مرتاع
ولدى البطاح مجامر من عنبر في كف جن مارد مطواع
قد هيأتها في الغروب أميرة بيد تشع من البهاء صناع
ثقلت موازين الهوى فتصاعدت أنفاسهن لشدة الإيلاع
وعرائس الشعر الجميل من الخدو ريلحن كالأحلام في تهجاعي
يتكسر القمر الوديع على شذا أقدامهن مبعثر الإشعاع
يصبو شعاع الخمر في رعشاته لشفاههن بلاعج لذاع
ويتود لو ير شفنه فيذوب في وجنات حسن غضة الإيناع
يهفو فأحسبه عصا سحر تلــ قف في الفضاء الرحب سود أفاع
فأرى الزجاج على الثرى متمرغا متناثرا من شدة الإفزاع
والليل في كأسي جريح لاهث يستصرخ الأشباح خلف شراعي
والنجم كسر في الثرى مصباحه متعثرا وهوى ببطن القاع
والفجر يحبو نحو ظل سفينتي ويود لو عانقته بذراعي
والورد يهفو للكؤوس تعطشا ويعب من بلورها اللماع
يلغو فيصفعه النسيم مؤدبا فيدر لؤلؤ جفنه الدماع
والنشوة العذراء خلف ستارها تغرى بحلم موهم مضياع
في أعين الندمان يرقص طيفها لرؤى على جنح الخيال ضياع
وأنا هنا بين الدنان كقائد بطل لأنجدة الوغى طلاع
إني لأصدع بالحقائق جهرة في الشعر لا أخشى سيوف قراع
يا أيها الشعراء لا تتكلموا فالشعر يسجد خاشعا ليراعي
والشعر يكشف لي لدى سبحاته عن سر ناموس الورى الخداع
وتلوح لي وثنية لما تنزل تغزو عقولا من وراء قناع
والشعر أين الشعر ؟ أين هزاره ؟ صدئت مجاري نبعه الدفاع
الشعر أضحى مكرعا لضفادع أزرت بشدو الببل السجاع
يا رب شعر أنشدوه عشية ونعاه من قبل الغروب الناعي
فترى القصائد في غموض طلاسم تتلى بلا طرب ولا استمتاع
جعلوا القريظ جزاف قول مرسل واستهزأوا بترنم الإيقاع
وتسلقوا جدران فن زائف لا يرتضيه سوى قصير الباع
عبثوا بمأساة الوجود جهالة وتنكروا للخلق والإبداع
نصبوا إلى المعقول ( لاما ) واكتفوا في فنهم بمجرد الإلماع
واضعتا الأشعار بين - معاشر - عن أصلها وفروعها - نزاع
إني لأكره ما رأيت وما أرى من باطل بين الأنام مشاع
إبليس فر اليوم من دنياهمو خوفا من القرصان والقطاع
قد شتت شتى المذاهب شملهم فتفرقوا فيها إلى أوزاع
وفميص عثمان على أبوابهم قد علقوه لفتنة ونزاع
والسامري عن الشمال حيالهم يغري بمال ساحر ورقاع
( وبنو يهوذا ) في المشارق سجد للعجل خلف الحائط المتداعي
صعدت على ( مبكاهمو ) خنزيرة تدعو إلى أمن بعين خداع
وبجيدها نقشت صليبا أحمرا بدم كرام شرد وجياع
قد حملت خنوصها حطبا لإيـــــ قاد اللظى وتقنعت بقناع
وأعود للمرآة أنظر صورتي فأخالني ملكا على الأصقاع
والناس في واد الضلالة جلهم كالعير ينساقون في الأنساع
إني لأحسبهم سكارى ليتهم سكروا بخمري وانتشوا بسماعي
إن كان ذنبي أن بقيت بمعزل عنهم فلست بخائف مجزاع
هم في الكرى وأنا هنا مستيقظ كالدهر أرقب ما أرى وأرعي
وأقول للقوم الذين استسلموا في القيد بين ثعالب وضباع :
إني أنا المنشق عن طاعاتكم إذ ليس أمري بينكم بمطاع
أأموت ظمآنا وهذا كوثري ينساب في فردوسي الممراع ؟
هيهات أصغي يا كؤوس لراهب عن موقفي يدعو إلى إرجاعي
هيهات أخضع يا رؤوس لقوة موتي أجل لدي من إخضاعي
لا .. لن أعود إلى الضلالة تائها من بعد ما مزقت كل صقاع
وخرقت قانون الحساب معربدا وعبثت بالأوتار والأشفاع
وجهلت كم جاوزت من عمري ولم أرغب لدى دنياي في أطماع !
أنا لا أود العيش في الذكرى على أنقاض ماض كالسراب مضاع
أو أسبق المجهول أسأل عن غدي متعثر الخطوات في إسراعي
قف يا زمان فأنت أنت مقيد في قبضتي واقبع بظل شراعي
إني أعيش لحاضري في وحدتي الأفق طرسي والخيال يراعي .
