نظرة تاريخية الى ما تمخضت عنه الاختلافات الطائفية بين زعماء اليهود فى اواخر القرن التاسع عشر تنبئنا بجلاء ان تلك الخلافات التى انحصرت فى بضع آراء ، منها الانتقالية، والاتحادية ،والاندماجية و و . . . واخيرا المهاجرة - انما كانت وليدة تلمس متشردي يهود العالم ، كل منهم فى صقعه الخلاص مما قابلتهم به شعوب شرق اوربا ووسطها وجنوبها من عنف وازدراء واضطهاد ، مقاومة لأخطار تلك الشرزمة الضالة وشرورها التى احدقت بالسكان الاصليين فى عقر دارهم من شتى النواحى الاقتصادية والسياسية والاخلاقية والاجتماعية من حين الى حين حتى اواسط القرن العشرين .
انه ليس بمستنكر أن تعيش شرذمة من البشر أقلية ساحقة متشردة متشبثه نيفا وعشرين قرنا هذا شأنها والله جل شأنه قد كشف بعلمه سبحانه عما انطوت عليه نفسيتها الشريرة وما استبطنته سريرتها البغيضة من خبث وكيد الى جانب ما طبعت عليه من حقد وحسد لكل من والاها او آواها وجمعه واياها صعيد واحد من مختلف العناصر البشرية فكتب عليها الجلاء وضرب عليها الذل والهوان انى حلت ونزلت فى أية بقعة من بقاع الأرض
وانه ليس بمستبعد أن تتوقى شعوب الأرض بكل حذر ويقظة شرور هذه الشرذمة مهما كانت مظاهر عشرتها ورياء ألفتها . وانه ليس بمستغرب أن ينجم عن تلك الخلافات المبدئية تباعد فى النزعات وتباين فى الآراء بين مختلفى افراد
هذه الشرذمة وبين حاخاميهم وزعمائهم الروحيين والكتابيين ومن هم فى زمرة العبرية الاسرائيلية بخروج ( بانكر ) حوالى عام ١٨٨٢-١٨٨٣ ) م القائل بوجوب الهجرة اليهودية دون حصرها فى البلاد المقدسة وبخروج تيودور هرتل عام ١٨٩٣ القائل بانه لا هجرة إلا بعد تأسيس وطن قومى يهودى تشاد على قواعده الاقتصادية دولة يهودية مستقلة فى أية قطعة من الأرض تكفى لجمع شتاتهم وايواء متشرديهم من مختلف البقاع التى تلفظهم ويصر أهلها على هجرانهم وهجرتهم بحيث يستطاع مع انشاء هذا الوطن القومى اليهودى توجيه ثروته الى احتكار اقتصاديات العالم برؤوس أموال يهودية موحدة ( يعبر عنها فى العرف الاقتصادى بالرأسمالية المتطرفة ) تلك هى الصهيونية التى نجح هرتل فى وضع حجر زاويتها ورسم خططها على قوام تلك الأسس والاهداف الوضيعة الرهيبة .
ولكن كل ما هو مستنكر ومستبعد ومستغرب هو أن تلقى هذه الاوضاع الخداعة الهدامة عطفا من قادة الرأي فى العالم الغربي وباعا رحيبا من معظم ساسة الغرب الماليين والاقتصاديين المحتكين يتسع معه مجال التطور قدما نحو التطرف الى حد ما انتهى اليه أول حلم صهيونى اعلنه قرار أول اجتماع صهيونى عقد فى بال ( من اعمال سويسرا ) حوالى النيف والتسعين من القرن التاسع عشر الميلادى يقضى بتاسيس دولة يهودية تنعت باسطورة ( الدولة الاسرائيلية فى ارض المعاد بفلسطين ) ؟ ! يباركها الرب فتمتد الى ما بين النهرين . . الفرات - والنيل ( هكذا ) ، وعلى الرغم من أن هذا القرار جاء يتعارض تماما مع التعاليم التلمودية القائلة باستحالة انشاء دولة اسرائيلية فى ارض المعاد قبل نزول المسيح .
( ولا مملكة يرجى تأسيسها قبل ذلك وحينذاك يبارك الرب البقية الباقية . . . اهـ) وعلى الرغم من أن القرار موضوع البحث غدا عرضة لتهديد الرئيس الروحانى للطوائف الاسرائيلية اليهودية اييلى كوهين فى انذار له لاذع هذا ترجمته عن الانكليزية حرفيا : ( إن أساليب غلاة الصهيونية تحريدة سياسية هوجاء وحلم مريع يعود سعيهم لتحقيقه على الصهيونية وحدها بالوبال ، والرب يبارك الاسرائيلية اللدنية مع نزول عيسى المنتظر فى اليوم المنتظر الموعود ويعيننا على مناوأة دعاة السوء ومشعلى النار باخوانهم فى ارض السلام ا ه) .
على الرغم من كل ذلك تحفز غلاة الصهيونية على اختراق سحب الخبال الذى رسمه لهم ذلك القرار فحلقوا بالمادة فوق المادة وانطلقوا يعملون لتنفيذه منذ اوائل القرن العشرين فراحوا يؤسسون المنظمات الصهيونية والجمعيات التعاونية والشركات الاقتصادية كل يعمل فى نطاق متسع فسيح بانواع الدعاية الخلابة تحت تأثير الرأسمالية الصهيونية التى استولت على معظم قادة الفكر فى مختلف طبقات الدول الكبرى من ذلك انها نجحت فى بريطانيا إثر حرب البوير فقررت الحكومة البريطانية فى عهد يوسف شبرلين وزير المستعمرات فى ذلك الحين أن تفتح أبواب الهجرة فى واحات اوغندا بافريقيا الشرقية واتفقت فعلا مع زعيم الصهيونية هرتل لولا أن عاجله موت فجائى فمات ومات المشروع معه . ثم تزلفت الدعاية الصهيونية للالمان يوم شعروا باستعدادهم وبجهدهم فى سعيهم نحو جعل مقاليد الشرق فى قبضتهم ؛ ولما لم يحصل دعاة الصهيونية على مأربهم انحازوا لجانب الانكليز اعتقادا منهم بان السياسة الاقتصادية البريطانية لا تجيز الاستعمار لغيرها ولا تترك اقتصاديات الشرق ومقاليده لسواها فوشت الصهيونية وشايتها واعدت الحكومة البريطانية عدتها لغريمها بعد وقوفها على استكماله عدته ومنافسة اسطوله الأسطول البريطانى آنذاك ، ولقد جاء تقارب المفاهيم بين الصهيونية والانكلوسكسونية عاملا على اتجاه الفكر فى تبادل المنافع بينهما وتأمين كل من الفريقين غايته من الثانى فمدت الصهيونية الخزانة البريطانية بما استطاعت معه اشعال الحرب العالمية الأولى وانتهت بما انتهت اليه من تخريب وتدمير فى الاموال والارواح وبتصريح ( بلفور ) الذى حصلت عليه الصهيونية فى أول عام ١٩١٧ م بوساطة ادموند دى ريتشلد البارون المعروف من عائلة دى رتشلد الثرية اليهودية احد انصار فئة الاندماج فى برطانيا تلك التى تعول بريطانيا على ثرائها فى معظم قروضها الداخلية بارباح مغرية فى معظم حروبها الاقتصادية والعسكرية منذ قرون وعلى الرغم من عدم استكمال ذلك التصريح أوضاعه الحقوقية وصبغته الفقهية من الناحية الدولية فقد جاء متعارضا مع الوعود البراقة والعهود الجذابة الصريحة التى قطعتها بريطانيا على نفسها للعرب قصد اجتذاب العالم العربى الى صفوفها فى تلك الحرب الضروس فى حين أن اليهود تعود عليهم تلك القروض التى
فتحوا اعتماداتها لبريطانيا بارباح والى جانبها تصريح بلفور اذا بالعرب يخفقون وقد شهد المنصفون من ساسة بريطانيا وقادتها ورجالاتها العسكريين ما تكبده العرب فى تلك الحرب الشعواء من ضحايا مادية وأدبية الى جانب قتالهم المستميت فى صفوف الحلفاء تحقيقا للدعاية الاستقلالية المشتركة المنشودة واستدامة لصداقة أمة تعتبر نفسها أنبل امة حرة ديمقراطية .
وما ان وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها حتى فاجأتنا مبادئ ولسن الاربعة عشر وكان للعرب فى تلك المبادئ الانسانية نصيب غير منقوص الى جانب تلك الوعود التى طفقت السياسة البريطانية تعمل من جديد على إذكاء بارق الامل فى انجازها تخديرا لاعصاب العرب فى جملة الشعوب المستكينة للوئام ، وتوطيد السلام . ولقد غلب على العرب نبلهم وكرم خلقهم فى ثقة احسنوا محضها تلك الامة الحرة النبيلة فخانهم الجهد اذ خدعوا واعوزهم الصبر اذ غلبوا على امرهم ينتظرون على أنه لم يمضى زمن حتى نشطت الصهيونية من جديد تطالب بوعد ( بلفور ) وتعمل ضد الأشتراكية الوطنية الالمانية التى اضطهدت اليهود فى سائر انحاء المانيا حتى تسنى لها نفيهم من طول البلاد وعرضها نتيجة تحققها افسادهم واشعالهم نار الثورة التى كانت فى جملة عوامل خسران المانيا الحرب فى ذلك الحين فولت الصهيونية فى هذه المرة دعايتها شطر أميركا رغم افلاسها فى عهد ما من فتح باب الهجرة فى المقاطعات الغير مسكونة من القارة الامريكيه وطفقت تنظم طرق الدعاية الاشعية على المبدأ الرأسمالى الموهوم فى سائر أنحاء أمريكا وبالخاصة فى الولايات المتحدة الاميريكية وساعد الدعاية الصهيونية الظرف فى استيقاظ الشعور البريطانى واقتناع الرأى العام - الانكليزى بالخطوات العملية التى خطتها الاشتراكية الوطنية الالمانيه من أقصر الطرق لمحو الصهيونية العالمية من جهة وللاخذ بالثار من حلفاء الصهيونية ونصرائها الى جانب تأمين ما يحتاج اليه الشعب - الالمانى من أسواق اقتصادية وارض يتوسع فيها من جهة أخرى . وما هى الا هنيهة حتى أعاد التاريخ نفسه فى أقل من ربع قرن وعملت الصهيونية بجد فى تعجيل اشعال اوان تلك النار التى اتتت على الاخضر واليابس .
وما ان التقت السياستان الصهيونية والبريطانية فى المحافل الكبرى الاميركية
عند هدف واحد حتى توحدت مساعيهما ضد الطغيان النازى عدوهما المشترك وضد عدو ثالث هو اليابان عدو اميركا الاقتصادى فى المحيط الهادى ومنافسها اللدود فى الاسواق التجارية العالمية . وحتى تحول الرأى العام الاميركى عن الخروج من عزلته ومن العدول عن قانون التأمين الى قانون الاجارة والتأجير الذي يعد فى تاريخ البشرية من مبدعات ما تصدره امة اقتصادية فى القرن العشرين . فزجت اميركا ببنيها واموالها ومصانعها المدنية والحربية فى تلك الحرب الطاحنة وكذلك خاضت اميركا اروع حرب دموية تدميرية إلى جانب حليفتها بريطانيا ، بل حربين عالميين وقودها الراسمالية الصهيونية وهدفها الانتصار للديمقراطية.
واستئصال شأفه الطغيان وكذلك فازت بريطانيا واميركا بنصر لم يشهد التاريخ نشوة كنشوته وعدلا كعدل مبادئه التى اذيعت فى ميثاق الاطلانطيق وشدت على اسسها منظمة الامم المتحدة والتقى القادة لتوطيد اركان السلم الدائم وهنئ بعضهم بعضا وهنأت الانسانية نفسها على سن أول دستور عالمى قوامه الديمقراطية العالمية واهدافه نشر الوية العدل والسلام على ربوع الارض .
فما ان توشحت تلك المنظمة العالمية شعار الحرية والعدالة الانسانية حتى علا صوت الضعيف وانين المظلوم من كل فج . فتقدمت الشقيقة مصر بقضيتهما وتقدمت فلسطين الشقيقة بقضيتها واخواننا الاندونيسيون بقضيتهم و و . . .
ووقفت مصر موقف الند بالند لحليفتها بريطانيا فى مجلس الامن واصغى العالم الى ادق مرافعة دولية مستكملة اوصافها الفقهية واوضاعها النظامية وما ان دقت ساعة التصويت الرهيبة حتى لعبت المساومة لعبتها ودارت السياسة دورتها فانصب اول قرار هازل سجل لاول مرة فى صفحات هذه المنظمة بمداد الخيبة والخذلان
ثم جاءت قضية فلسطين وجاءت قضية العروبة والاسلام وما ان تناولت هيئة الامم المتحدة بحثها وتمحيصها حتى اشرأبت الاعناق تتطلع بفارغ الصبر صنيع العدالة بقضية ضلت السياسة عن المنهاج السوى فى حلها نيفا وثلاثين سنة ووقف العالم العربى وقفة رجل واحد موحد الكلمة والفكر والغاية منظم الصفوف كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضا ينصت فى ثقة وطمانية الى ضمير العدل الانسانى يجهر بالحق فى تقرير حياة أمة تتبعها امم ( مثلهم فى توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .
وفى تعيين مصير بلد عربى مقدس تحوطه بلدان عربية واسلامية موصولة العرى متحدة المصير ان حياة وان موتا او نشورا ، واذا برعاد يرمى بشرر كالقصر يحمل قرار تقسيم فلسطين العربية ، فرج دويه الارض رجا وزعزع وقعة دعامة احصن معقل انسانى نيط به حفظ سلام العالم وحل مشاكله بنزاهة وجدان وحرية ضمير .
افلم يان للساسة الغربيين ان يشاركوا شعوب الارض تذمرهم ومرير شكواهم مما يعانونه فى عقر دارهم من اخطار الصهيونية منذ قرون خلت والصهيونية فى مهدها تعمل للشرور وشتى الويلات والثبور عليهم وعلى البشرية جمعاء ، او لم يعقلوا سوء مغبة ما صنعوا حينما سعوا لتأسيس دولة يهودية فى فلسطين ابتغاء فسح مجال للصهيونية العالمية تغزو اقتصاديات العالم وتعمل لاحتكار موارد الثروة العالمية فى رأسمالية متطرفة يهوديه وكفى بذلك خطرا لا تقرهم عليه شعوب العالم واعظم به من خطر يهدد سلام العالم ويخل بتوازنه الاقتصادي .

