الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

على هامش الدروس, بعد الله، اعتمد على نفسك

Share

يسير الانسان فى معترك هذا العالم الواسع ليؤدى دوره فتصادفه صعوبات جمة واخطار مدلهمة ، منها ما يتغلب عليه ، ومنها ما يتغلب عليها . . والانسان ككائن حى مركب من لحم ودم يشعر بوطأة هذه الصعوبات وتلك الاخطار . . فاذا اوتى القوة الكافية والعقلية المراكزة استطاع ان يتخلص منها بمهارة فائقة ، اما اذا كان بعكس ذلك فانها ستصرمه لا محالة . .

وفي هذه الحالة فقد يهرع إلى طلب النجدة من اعوانه او ثقاته ، فمنهم من يلبى النداء مسرعا . ومنهم من يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، أى التردد بين الاحجام والاقدام ، وما هذا الا نتيجة لافكار واوهام تدور فى عقل ذلك الفرد ولا يعلمها غيره . .

وفي حالة تقديم العون الكافى للطالب والتغلب على الصعوبة العابرة يشعر هذا بارتياح عظيم ولكنه لا يستطيع ان يشعر بثقل الحمل والمزاج عن كاهله لانه لم يجند قوته الطبيعية ولم يستعمل فكره بل هرع لطلب

النجدة او العون السريع نتيجة لضعف قوته ومفكرته ، مثل هذا مثل صاحب الارض الذي يؤجرها لرجل فيحرثها ويزرعها له مناصفة او مرابعة فعندما يحين زمن الحصاد وتجمع الغلة يشعر كل من صاحب الارض وزارعها بسرور وارتياح عظيمين ، لكن سرور واتياح الزراع يكونان اعظم واعمق من سرور وارتياح صاحب الارض لانه جنى ثمار تعبه وعرقه . . فلقد زرع وحصد واستراح بعد كدوتعب . . أما صاحب الارض ففرحه وسروره يكونان ضحين لانه لم يشعر بالتعب ولم يزرع وهل يتذوق طعم الراحة الا المتعبون ؟ . . وهل يعرف لذة العيش الا الكادحون ؟

فأمثال صاحب هذه الارض وذلك سيبقون ضعيفي الارادة والقوة حتى امام الريح السجواء وارتعاشة الريشة فى مهب الريح ، لعدم ثقتهم بانفسهم واحترامهم اياها ، ومركب النقص هذا كما يدعوه علم النفس الحديث مرض عضال يقود صاحبه الى التدهور الجسمى والعقلي فتنحرف صحته ويصبح متشائما ، وبهذا يفقد لذة

الحياة الحلوة ويخسر تأدية دوره على الحياة فينقم على المجتمع وعلى الافراد

أما الشخص الذى أوتى القوة والمقدرة العظيمة ، والذي يركن الى نفسه بعد ان يتكل على الله فهذا الذى يستطيع ان يتخلص من جميع الصعوبات التى قد تعترض طريقه دون مشقة او اعمال جهد . . فالاتكال على النفس بعد الله جل وعلا يزيد المرء ثقة بنفسه وتعلقا بها . . وهذا الاتكال وتلك الثقة الآتية من ملكته الجسدية والعقلية هما حصنان له من الامراض ، وخير معلمين لتربيته . . ومدربين له على الفوز في معترك الحياة وقد صدق زعيم الفلاسفة ومعلمها الاول فليسوف اليونان ارسطوطاليس حين قال جملته المأثورة " اعرف نفسك بنفسك " لانه عرف ان الانسان يستطيع ان يفعل العجائب ان هو اعتمد على نفسه وعرف قدرها وتحقق مكانه وشأنه فى الوجود وهذا الاستقلال الذاتي هو الذي يقود الانسان الى تتبع درجات الكمال بالمثابرة والصبر ويجعله يسعى حثيثا الى اقصى منال حتى اذا وصله حاول ان يصل الى نقطة اقصى منها وهكذا فتظل حياته سباقا لذيذا مستمرا . . وفى هذا المعنى يقول عميد المدرسة الرمزية جبران خليل جبران : " ليست قيمة الانسان بما يبلغ اليه . بل بما يتوق للبلوغ اليه " . .

فالسعى المتواصل والعمل المستمر من ابلغ دلائل الحيوية والنشاط وهذا مظهر من مظاهر الحياة العظيمة فالفرد الذي يسعى بنشاط وحيوية دافقة يجد حياته ملأى بالمغامرات الحلوة ، والمفاجآت الشائقة فتدفعه قدما دون ان يدرى الى النهاية او النقطة التى يريد عندها خط عصا الترحال .

وضع امامي لا ورائى المنى

          وطول الدرب وزد في الصعاب

ما لذتي بالماء أروى به

          بل لذتي في العدو خلف السراب

فهو كالتائه فى الصحراء أودى به الجوع والعطش فرأى سرابا فظنه ماء فأخذ يعدو بأقصى سرعته ليدركه . . فيرى انه كلما اقترب من السراب هرب هذا منه ، فأخذ يوسع الخطو ليلحق به لارادة دائبة وشكيمة قوية تحثانه على الاسراع ، وهكذا يظل ضالا ثم لا بد ان تحدث معجزة أى ان يجد ما يسد به رمقه ، فيشعر براحة بعد تعب ودأب - والسبق لا ينال الا دأبا - ويشعر بلذة بعد مرارة . . ومرير الحياة فيه انتصار ! او ان يخر منهوكا يصارع الموت بعد كفاح وجهاد عظيمين فيكون قد سعى الى تحقيق هدفه فخانه الحظ ، وفي هذا المعنى يقول احد الشعراء الفلاسفة:

وعلى ان أسعى ولي

           س على ادراك النجاح

وكلنا يعلم ان رجل اليوم هو غير رجل الامس ، وسيكون غير رجل الغد فلكل زمن دولة ورجال كما يقولون : ونحن أدرى برجال الامس واليوم منا برجال المستقبل ، فرجالنا الاقدمون كانوا رجال غزوات كبيرة وجولات موفقة فى الفروسية والحب والحرب ، وما نجاحهم الانتيجة لمعنوياتهم الفائقة وثقتهم بانفسهم الغالية . . فكانوا يدركون ومنهم ابطال التاريخ المشرفون ان رجل الدنيا وواحدها من لا يعول فى الدنيا على احد . .

ونستطيع ان نستدل على ثقتهم بأنهم اذا مرض فرد منهم عالجوه بأنفسهم ، ففي كل عائلة او جماعة عميدها ومستشارها وفارسها وحكيمها . . فكانوا لا يعترفون بسلطة الطبيب على تشخيص المرض او الداء ووصف الدواء للمريض . فالمريض أدرى بعلته واشفق على حاله من أى شخص آخر . فكان كثيرا ما يتعهد نفسه بنفسه ويعمل على صلاحها واسعافها ، وقد قالوا :

ما حك جلدك مثل ظفرك

               فتول انت جميع امرك

بعد هذا ينصح المربون الافراد ان يكونوا مستقلين بذاتهم ، واثقين من قوتهم الجسدية والعقلية وان يتدبروا شئونهم بأنفسهم دون مساعدة - اذا امكن دائما - ليشعروا بلذة الحياة ، ونشوة تغلبهم على الصعوبات الطارئة فالصعوبات والحوادث المختلفة الاخرى هى التى تخلق الرجال ، فلو لم تكن فتوحات وغزوات لما عرفنا الملك عبد العزيز رحمه الله ولا صلاح الدين الايوبى ، واسكندر المقدوني . . . وخريستوفر كولومبس ، وابن بطوطة وماجلان ، ونابليون بونابرت ونلسن وغيرهم ، كثيرون فى مضامير الفروسية والاكتشاف والاختراع والطب الخ

ونتستنج مما تقدم ان الفرد لا يحقق وجوده ولا يقوم بتأدية دوره كاملا الا اذا كان مستقلا بذاته ، وكان ماضيه حافلا بجلائل الاعمال . . والمغامرات التى ستكون سجلا لحبانه كلما تقدمت به السن ، وسيتذوق منه لذة الحياة ونشوتها فيتعلق بها ويهفو لها .

الظهران ( القفص الذهبى )

اشترك في نشرتنا البريدية