هذا المؤتمر الثقافي العربي المنعقد بمدينة جدة ، والذي احتفل بافتتاحه فى جمع حاشد ، اصيل يوم السبت الموافق ٢١ جمادي الاولى ١٣٧٤ هو أول مؤتمر من نوعه يعقد فى هذه البلاد في تاريخها الحديث . . وقد اغتبطنا بانعقاده أيما اغتباط وعددناه احدى نقط التطور الحثيث بركب المعرفة في هذه البلاد . .
ذلك ان المؤتمرات لا تزال كما كانت قديما إحدى الوسائل الناجحة في ترقية مستوى ما تتناول من بحوث وإصلاح ما تشمل من موضوعات بسبب احتكاك الأفكار ببعض ، مما يولد النور ويزيح الظلام ولأمر ما قيل " الحقيقة بنت البحث ".
وكانت المؤتمرات فى العصور الخوالى أمرا معروفا لدى أسلافنا . . فاذا ما أدلهم عليهم أمر خطير حلوا اعقده بوساطة عقد المؤتمرات التى تزيح عنهم غياهب الارتباك والحيرة وتهديهم سواء السبيل . . في عكاظ كان
يعقد مؤتمر عربي ، وكذلك فى ذى المجاز وغيرهما ، وكان الحج منذ أيام الجاهلية أعظم المؤتمرات ، ثم جاء الاسلام ونظم من أمر هذا المؤتمر العام وقومه ووسعه . . وبيوم السقيفة كان أحد المؤتمرات التاريخية المركزة ، وما زالت المؤتمرات تعقد تحت اسماء مختلفة فى تاريخ الإسلام والعروبة ، حتى خدر العملاق فتلقف الفكرة الغربيون وساروا بها إلى الامام . . وجاء العصر الحديث فنظم من أمر هذه المؤتمرات تنظيما حديثا وكان العرب في أول أمرهم لا يعبأون كثيراً بهذا الامر الجلل ، لإصلاح الشأن ورتق الفتوق وإزالة أسباب التأخر ، فلما انبثق فجر الوعى قبل خمسين عاما . . قرأنا أنباء المؤتمرات السرية والجهرية التى كانوا يعقدونها للم الشعث وإصلاح الحال . . في الاستانة ، فى دمشق ، فى مصر ، فى العراق ، في باريس وكان أول مؤتمر عقد في هذه البلاد مؤتمر العقير ، وكانت
مؤتمرات داخلية كثيرة تعقد بها منذ نشأة الدولة السعودية ، وتوحيد كيان البلاد على يديها . . فى الرياض . . فى مكة . . وكان أغلبها داخليا يهدف إما إلى إصلاح أمر ديني أو دنيوى ، وكان المؤتمر الاسلامي المنعقد فى مكة ثم كان هذا المؤتمر الثقافي العربي الذي تعقده اللجنة الثقافية المنبثقة عن مجلس جامعة الدول العربية ، فى دورتها التاسعة الحالية . . خاصا بالبحث في رفع مستوى الثقافة فى البلاد العربية ، ولاريب أن افادتنا -إن شاء الله - من نتائج بحوث هذا المؤتمر ستكون طيبة اذا ما عنينا بتحقيق ما يتصل بثقافتنا من نافع مقرراته ، ملاحظين ضرورة اختزالنا الطريق ، لنساير الركب المحلق من قبلنا بالنسبة إلينا.. .
وأن اجتماع هذا المؤتمر في بلادنا فيه معنى من معانى التقدير ، وفيه معنى من معاني التدبير . . فاما التقدير فلما خطوناه فى ظرف ثلث قرن ، مما مهد لنا أن يحسب لكتابنا حساب ، وأن نقضى على الفكرة التى بذرها شوقي- رحمه الله- فى المجتمعات العربية والأندية الثقافية الحديثة عنا حينما قال في مؤتمره الشعري :
افتقدنا الحجاز فيه فلم نعـــــ ثر على قسه ولا سحبانه وأما التدبير فلما نهدف اليه من نهوض ثقافى مجيد ينتظم شمله ، ويتسق كيانه فيرتفع بنيانه وتجود تماره وتزكو وتتركز ، ولا ريب فى أن فكرة انعقاد المؤتمر الثقافي في كل بلد عرب هو خطة محمودة العواقب بازغة المفعول . . فان انعقاد المؤتمر فى كل دورة من دوراته السنوية ببلد
عربى معين . . معناه نقل بضاعة وتجارب البلاد العربية الأخرى فى الحقول الثقافية إلى هذا البلد ، ومن البدهى أن تبادل الأراء في اجتماعات منظمة أجدى نفعا وأعمق أثراً ، وأسرع تأثيراً من الاجتزاء بالمراسلة أو الاجتزاء بعقد الاجتماعات فى بلد معين رتيب فالمؤتمرون الوافدون يسمعون ويشاهدون ويلاحظون ومن ثم يوجهون ويرشدون على ضوء ما لديهم قديما وما تمخض لهم حاليا ، والبلاد التى رحبت بعقد المؤتمر في اجوائها تستفيد ايما فائدة من هذا ، فقد انتقلت اليها خبرة زميلاتها وتجاربها ومعلوماتها وآراؤها فى الحقل الثقافي على أيدى النخبة الوافدة من رجال الثقافة بها
وقد كانت أنباء عقد هذا المؤتمر الدورى السنوى للجنة الثقافية تترامى إلى أسماعنا ونقرأها في الصحف فيأخذنا الإعجاب ، ونتمنى أن يجيء اليوم الذي يترامى فيه إلى أسماع العالم ويقرؤون في الصحف ويسمعون من محطة إذاعتنا أنباء هذا المؤتمر وقد عقد فى بلادنا وتنسم أعضاؤه أريحها وتحدثوا عما يشاهدونه فيها من توثب فحقق الله تلك الأمنية المعسولة ، فى هذا العام ، وكان من حسن الحظ ويمن الطالع أن يعقد هذا المؤتمر الثقافي العربى لدينا فى العهد الجديد السعيد الذي استضاءت آفاقه بتوجيهات جلالة الملك المصلح الموفق ( سعود ) بن عبد العزيز . .
وكان من آيات التوفيق أن يعقد هذا المؤتمر الثقافي فى بلادنا ، قد انشئت فيها أول وزارة معارف يرأسها أول وزير معارف سعودى هو
سمو الأمير ( فهد ) بن عبد العزيز . . الذي سمعناه يلقي كلمته القيمة التى افتتح بها المؤتمر في قصر الكندرة بجدة بين مئات رجال الثقافة وكبراء الدولة ورجالات العرب والإسلام ، وقد جاء فى تلك الكلمة : " إنه لمن دواعي سرورى أن افتتح هذه الدورة للجنة الثقافية في وقت اتشرف فيه بالقيام بأعمال وزارة المعرفة والعلم ، وإنه لفأل حسن أن تعقد هذه الدورة ولأول مرة في مدينة جدة ، ووزارة المعارف تمشى مع الركب الناهض الذي يرعاه جلالة الملك
ويوليه الشعب أكبر قسط من التشجيع ، وأملى وأمل كل مخلص أن يلقي هذا الاجتماع نجاحاً وتوفيقاً ، ومما يشعرنا بالغبطة أيضاً أن يكون على رأس هذا المؤتمر سيادة الدكتور طه حسين ، وهو الأديب العربى العالمي ، الذي طبقت شهرته الخافقين ، وسارت بذكره الركبان ، واعترف له الغرب والشرق بالتحليق والتفوق ، وترجمت آثاره الأدبية إلى مختلف اللغات الحية ، وكان أبرز القادة لركب الأدب العربي الحديث على الإطلاق
