ها أنا ذا ، وقد تكالب على الحر ، وتضاعف مفعوله بطارىء زكام افقدني البقية الباقية من هذه المواهب الذهنية الضئيلة ، لاسيما وقد آزره صداع مرهق ارغمني على لزوم البيت ... ها انا ذا لا أجد من سلوى غير هذه الدواوين الشعرية المرفهة عني بعض الشئ بحلاوة ايقاعها ورقة نغمها . لا أجد في فقري هذا البلقع سوى كتبي و دفاتري هذه المحدقة بي ، وان عابثني احيانا بعض من هويت والفت منها ، فيعمد الى التواري عن انظاري ، والتمنع عن لمسي ومصافحتي . كأن يريد هو أيضا لذعي بالصدود والهجران - مثلما عوملت قبل ذلك كثيرا ممن قد خطبت ودهم من عترة بني الانسان .
ولقد الممت بهذا المعنى في طائفة من أشعاري السالفة لقد قلت سنة 1944 في قصيد لي :
أجوب حزون العيش أنشد زهرة
تجلى بها طل المحبة لامعا
وليست هي طبعا زهرة مبتذلة من هذا " الحب " المتعارف في عالم الاغاني والافلام . انما هو حب من صنف متسام هو ترب لجمال النفس ونقاوة الضمير وعلو الهمة وقوة العتاد الخلقي ... تلك هي الزهرة النادرة التي قصدتها في شعري ونشدتها على مدى الايام ، ووجدتها لدى افذاذ معلومين ، هم خلاصة ما قد حواه العصر والزمان . ولله در ابن دريد اذ يقول :
والناس الف منهم كواحد
وواحد كالالف اذ امر عنا
وليس بالعجيب أن نكون في عداد تلك النخبة الانسانية أو أن نلتحق بها يوما ما ، أو ما قال الشاعر :
ليس على الله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد
ومما ينسب الى رسولنا الكريم " لو تعلقت همة بني آدم بما وراء العرش لناله "
وبعد فالشاعر الولهان ما ينفك باحثا عن مثله العليا . ولو أنه ظفر ببغيته وضالته المنشودة تماما ، وأمسى حلمه المجنح حقيقة يلمسها وشيئا متناولا مبتذلا مشاهدا في كل لمح طرف والتفات جيد ، اذن والله لقضي الامر ، ولمات الوجد والهيام ، ولنضب معين الشعر المتدفق الفياض . وتلك هي الغربة العظمى التي يشكوها الشاعر على مدى الايام . ولذاك ما عنيت اذ أقول :
وكذاك حظى ما فتئت متيما
أرنو الى النور البعيد وألهف
وان اردت العجب يا سيدي فاعجب لامر هذين القصيدين اللذين استشهدت ببيت من كليهما بقي عالقا بذهني فانا الساعة لا أجد لهما أثرا في ذلك الركام من اوراق وكنانيش وملفات . ولقد فوضت امري الى الله والى بعض هذه الصدف الرحيمة ذوات العطف والحنان فلعلها تسعفني بواحدة أو اثنتين أو ما شاء ربك من هذه الكرائم الخرائد التي قد اهملت من طرف منجبها وخيم عليها العنكبوت بنسيج محكم كثيف ، بل اوشكت الحشرات المتنوعة ان تتخذها غذاء طيبا مريئا .
فلله ما هذه السجية الشاذة ؟ وهذه الحيرة الغريبة في بابها ؟ ولماذا لا اعترف على رؤوس الاشهاد أنها من صنف وأد الجاهلية الجهلاء فلذة أكبادها ؟ فهل هكذا تجازى ربة الالهام عن مزيد عطفها وبرها وفائق كرمها بما قد أغدقت به علي من خرائد البيان وعرائس الالهام ؟ أم أي شيء هذا الصنف من جنون وتهاون وعدم اكتراث ؟
وكيف العمل أيها الشاعر الغر الابله ، أو الآثم المستهتر ( لا أدري بالضبط أى وصمة الصقها بك ) - كيف العمل وهذه الشركة القومية للنشر تطالبك بان تجمع لها أشتات ديوانك الضخم المتلاشية ، وان تنسق لها في أقرب الآجال مآ تبدد من هذه الاشلاء ، وتناثر من ذلك الحطام ؟ -
.... - ذلك هو الطيف الحنق المغضب الناقم الثائر الذى أخذ يخاطبني منذ برهة بلهجة التعنيف ، وأنا أصانعه واداريه والاطفه ، واعتذر اليه بقساوة الازمان وتناوب الاوصاب والآفات - فضلا عن خطوب أخرى ترجع الى قساوة بني الانسان وابتعادهم عن الفضيلة والخير ولقد قال فيهم من خبرهم ودرسهم :
وكأنا لم يرض فينا بريب الدهر حتى أعانه من أعانا
كلما انبت الزمان قناة ركب المرء في القناة سنانا
ولكن طيفي العبقري ما يلبث أن يخاطبني على هذا المنوال " الا دعك من ترديد مثل هذه الحكم المرة المتجهمة القاتمة التي ما أظنها الا معبرة عن سقم عارض ، وخلل طفيف طارىء ما يلبث ان يتلاشى ويبيد تحت ضوء الفكر المتغلب على عوامل الفناء ، ونوازع التفسخ والانحلال . ان لهجة التشاؤم لدى شاعري المفضل لهي في الحقيقة قرينة الشجاعة وانها الحافزة على الاقدام ، والدافعة تجاوز الماساة والتغلب بقوة الشكيمة على صروف الدهر ... او ليس الامل والحب هو المعنى الايجابي القار ؟ ... او ليس العمل والخلق والتخطيط والتصميم والاصلاح والترميم ، هو الحل الاول والآخر للغز هذه الحياة ؟
" أو ليس النور والوجود والضياء هو المنبع الدفاق المتجدد معينه بلا انتهاء ؟ ... الا فاستجب اذن لدعوة الحياة والضياء يا هذا ... الا لب سنة الوجود بدلا من العدم . اما إذا انتابك السقم . او ادركك الملال . أو أضجرك السأم فاعلم أن ذاك فتنة عارضة ومحنة زائلة ، وقل مع الكتاب الازلي " واذا مرضت فهو يشفيني " ثم ردد قوله الحكيم : " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم .."
وكذلك كان الطيف النوراني يخاطبني ، ولطالما خاطبني فيما مضى ، واستلهمت من نجواه صفوة ما خطه اليراع من منثور ومنظوم . ولقد ايقنت الآن أنه من دون ريب عين الطيف الملهم دعاة الحب والتآخي والوئام . وتذكرت الكلمات الذهبية التي تفوه بها رئيسنا الحبيب في كم موطن وموقف من هذه المواقف السعيدة الميمونة التي اتيح فيها لبيانه أن يبني الحياة ويكيف المصير ، ويمهد سبيل الخير والفلاح لبني الانسان ، مستنيرا حفظه الله بهدى الاسلام دين العدل والاخاء البشري الصادق المتين .
فقد قال مثلا فيما قال بخطابه الصفاقسي اذ نوه بالاشتراكية الاسلامية في روحها وأهدافها .
" هذه هي الروح التي أسعى الى بعثها فى أنفسكم ، وهذا هو الوازع الذي أريد أن تسيروا على هديه كي تتقدم هذه الامة . ولا مجال لذلك الا اذا كانت القلوب عامرة بهذه الاخلاق العظيمة . وهي أخلاق ليست ببعيدة المنال ... او ليست هي عين الاخلاق الاسلامية التي سادت في صدر الاسلام ، وعمرت صدور الصحابة وكافة المسلمين الذين كانوا اشتراكيين يشارك بعضهم بعضا في السراء والضراء ويعدون أنفسهم أسرة واحدة ... "
ويقول حفظه الله " اننا نعتقد ان البشر إنما يتناحر بسبب غشاوة تطمس بصيرته فاذا هو أشبه بالاعمى واذا هو لا يرى مصلحته الحقيقية ... "
وكذلك آمن حبيبنا ومجاهدنا الأكبر بأن الحب بمعناه الاسمى هو الينبوع الازلي للسعادة والخير والرفاه والسلام .
يا لها من كلمة نورانية وحكمة انسانية خالدة باقية كالازل تردد اصداءها عاصمة الجنوب
" ... ان البشر انما يتناحر بسبب غشاوة على بصيرته . فاذا هو اشبه بالاعمى واذا هو ظالم لنفسه وجنسه مبين ... "
وترجع بي الذاكرة الى عهود لي غابرة قضيتها بعاصمتنا الجنوبية الفيحاء ، وكنت حوالي سنة 1945 ، وأنا مقيم بها إذ اقبلت على نظم الشعر وفق منهجي المعلوم ، متأثرا بأحداث حربنا الكونية الاخيرة ، وكوارثها الدامية فقلت يومئذ فيما قلت :
إن كان للظلماء نسل في الدنى
فابن الظلام ضلالة عمياء
او فتشوا في الارض اخت ضلالة
قال المجرب اختها البغضاء
تلك التي تقضى بتفرقة الورى
وتموج تحت بنودها الشحناء
في حين ضوء الحب يسطع فجره
وبنوره تتوحد الاشياء
الحب ينسج وحدة قدسية تنهار في طياتها الاهواء
والنور يشرق واحدا مهللا تزهو به الخضراء والغبراء
والخلق ينبع من قرارة منهل تنهل عن ينبوعه الاحياء
ومآبهم نور سينظم شملهم وتموت في أحضانه الارزاء
دفقت بك الاكوان يا بنت السنا وتأرجت بعبيرك الارجاء
وتواترت امواج خلق طامح متجددات شاقها اللألاء
متهامسات بالحياة ، معيدة لحن البقاء ترده الاصداء
وكذاك تنطق بالخلود عوالم
تترى ويخفق حسنك الوضاء
حقا ان الشاعر لهائم في كل واد على حد تعبير القرآن ، فلربما اذن عبر أحيانا ، ومن باب الصدفة ، بوادي الحكمة الخصيب ، ولربما اهتدى من غير ما تعمد ولا ارادة ، الى معين الحق والصواب . وانني لاحمد الله الساعة أن أيدت تجربة المفكر والسياسي والمجتهد الاسلامي العبقرى الفذ تلكم الكلمة الشعرية الخاطفة واللمحة الفنية العابرة التي كنت اتناساها وأهملها على تلك العادة المؤسفة حقا لولا أن قرعت مسامعي وحركت مشاعري ، وألهمت خواطري روائع بيان متغلغل الى اعماق القلب والضمير .
وكذلك ، وبمفعول ذلك التلقين والتوجيه ، تعاودني الذاكرة فاعيد النظر في طائفة مما خطه اليراع ، وعمل على اماطة نسيج العنكبوت عن آثار ربما تلاشت وآكلها النسيان - لولا ان حدا بي ذاك الحادي ، ودعاني ذاك الداعي المصلح الامين ، وأهاب بي أن أعمل للخير والمحبة والسلم والرفاه .
لقد آمنت في النهاية بالشعر ، وانه على الحقيقة قرين الفكر ، ونجي الروح وسمير العقل والشعور ، ووسيلة من الوسائل التي تحقق حياة ارغد واسعد ، وعيشا اكرم وافضل . وليس هو بمجرد تسلية ، وليس هو محض لعب ولهو ، وتفكه ولغو ، كما يذهب اليه الكثيرون من قصار النظر وأغيباء اللب . إن الشعر لاسمى وأجل مما يتوهمه سطحيو التفكير . لا عجب اذن ان يكون حبي المتأصل القديم للشعر والشعراء هو الذى حدا بي الى معاناة النظم ... والله يعلم أن قراءة آثار اخواني الشعراء هي عندي امتع وأجدى من تحمل أعباء العمل الانشائي الخلاق . انني لاعتقد ان للشعر دورا هاما يقوم به في التعبير عن مجالات الفكر ونوازع الشعور الانساني . وهو الى ذلك السجل التاريخي الحافظ لنا فى دقة عجيبة مراحل التطور الخلاق لحياة هذه الارواح والقلوب .
الشاعر هو الضمير الحي الخالد لعصره وبيئته . وهو الشاهد العدل على جيله ورهطه ، والعارض لنا في مرآة لوحاته ، ومن خلال اهازيجه ونغماته نماذج فصيحة ناطقة بما يختلج في صدر ذلك الزمان الحاضر او الغابر .
ولئن نظرنا نظرة شاملة الى نتاجنا الشعري العربي في مجموعه من ابتداء هذا القرن العشرين فاننا نجده على تباين الوانه ونبراته ، متسما بطابع خاص يميزه عن سلفه القريب والبعيد وذلك الطابع قد يمكننا أن نلخصه في كلمات مثل هذه : الحيرة : الثورة : السخط عن الواقع ، فالياس والتشاؤم القاتم من ناحية ثم من ناحية مقابلة تشوف مضطرم الى آفاق النور ، ومسارح الكرامة والعزة والازدهار .
وكذلك تمثلت هذه الفترة الحاسمة الانتقالية باروع صورها واعمق انطباعاتها في آثار شعراء العرب بشتى الاقطار ، لا فرق في ذلك بين عراقيهم وشاميهم ومشرقيهم ومغربيهم ، ولا بين مستقرهم ومهريهجم ..
إن الحيرة وان شئت الثورة لهي في اعتقادى الروح المشتركة الجامعة ما بين ذلك النتاج ، وان تعددت مناحيه . وتباينت ألوانه الشخصية ، وحتى مذاهبه الفنية في الشكل والتعبير .
الحق أن الشعراء ، وهم أرهف الناس حساسية ، قد رددوا أصداء ذاك الانقلاب الفكري والسياسي والاجتماعي الذي عشناه ، والذي ما نفتأ نعيشه الى حد الآن
لقد انصهرت الامم العربية انصهارا لا مثيل له في قسوة التجربة وعظم البلية بهول الاستعمار . و لكنها الى ذلك ما لبثت أن استيقظت من غفوة القرون متفتحة لمثل ما الفتها قط في مناهج حياتها وطرق تفكيرها وحتى لاسس تقييم الأشياء .
لم يكن اذن مفر من جحيم الحيرة والشك ، ولم يكن مهرب من ثورة جامحة صاخبة عربية أحيانا على أوضاع مجتمع بال وقيود ماض متحجر قد فقد مرونة الحياة وتدهور الى الفناء والزوال .
تلك هي الثورة او الحيرة التي تجلت بمقادير متفاوتة طفيفة هنا عنيفة هناك في نتاج شعراء العربية طوال هذه الفترة المتاخرة الممتدة من انبثاق فجر القرن العشرين .
ونحن نلحظ ان تلك الحيرة قد تسربت أولا وبالذات الى اولائك الذين كرعوا راسا من مناهل آداب الغرب ، وهي تلك الآداب التي بلغت اوج الابتكار والتقدم خلال القرن التاسع عشر بين فرنسية وانجلوسكسونية وروسية
ونحن لا يسعنا هنا الا الاعتراف بجزيل الفضل لادباء وشعراء سوريا ولبنان العرب المسيحيين ، وبالخصوص المهجريين منهم ممن نزحوا الى اقطار
القارة الاميريكية ، فهؤلاء هم الذين سمحت لهم ثقافتهم العربية الاصيلة بما تفاعل بها راسا من لغات الغربيين وآدابهم ، هؤلاء هم الذين سمح لهم ذلك التمازج الحي الخلاق بانتاج اول ادب عربي مستجيب لرغائب التطور الحديث
والحق أنه لا حياة ممكنة لامة او ادب او مجتمع دون ذلك التلاقح وذلك التفتح لصور جديدة من الحياة والتفكير والشعور .
وحيث بقى العرب طوال الاعصر منكمشين على أنفسهم منعزلين عن تيارات الفكر الانساني ، فلا مفر من أن تتعاظم الحيرة وتتفاقم الثورة الجامحة لديهم . بمقدار تلكم المباغتة التى قد نقلتهم فجأة وفي غير ما تريث أو مهل الى احضان عالم للفكر متحرر من المبادىء الروحية التي قد لقنوا تقديسها ونشئ على اجلالها .
ان ذلك الانتقال الفجائي لثري بمعنى الحيرة والثورة . وليس من باب الصدفة ان يكون شاعر الابداعية الثائرة هو أبو القاسم الشابي وهو خريج الزيتونة التقليدية . ومن لم تبلغه آثار الغربيين الا من خلال اصوات المهجريين أو عن طريق ما عرب من اثار الرومنطيقيين ، لا سيما الفرنسيين من بينهم
ونحن لا نشك في أن حيرة الشابي الرومنطيقية وثورته الابداعية قد آتت أكلها في أدبنا التونسي المعاصر . ففضلا عن مقلدي أبي القاسم ممن لم ياتوا بجديد سوى ترديد بعض المصطلحات المسلوخة سلخا ، فهنالك اتجاهات أخرى طرأت فيما بعد على الادب والشعر ، وتجاوزت فيما نعتقد مدى المدرسة الرومنطيقية ولقد تجلت منذ ذاك العهد اي عهد الشابي رحمه الله في نتاج طائفة نزرة من أدبائنا وشعراثنا ، ممن قد تأثروا بتيارات الفكر والادب السائدة في عالمنا .
فمن واقعية موضوعية تناهض الرومنطيقية على طول الخط في انسياقها الى العواطف الهوجاء ، ومن رمزية تتخذ من الصور والمشاهد الطبيعية اداة للتعبير عن خوالج الوجدان بطريقة غير مباشرة ومن مناهج للقول متنوعا واساليب متعددة متجددة للايحاء من ميدان الفكر والخيال ، والايقاع في مجال اللفظ والموسيقى - هذا فضلا عن تفشى النزعات والمذاهب السياسية والاجتماعية والفلسفية الثورية ذات الاتجاه الانساني او الالحادي ، مما هو مفض بطبيعته الى حيرة متزايدة وعزلة نفسية قاتمة ، والى ثورة عميقة شاملة على وضعية الانسان عامة في الكون
و ليس بالضروري طبعا أن ينتمي الشاعر علنا الى الثورة أو ينتسب الى الحيرة بواضح التعبير وصريح اللفظ .
هذا ليس من باب الصدفة ان يحتل البحر برموزه المتناقضة ومعانيه المتعارضة ابرز مكانة في شعري بينما للغاب المنزلة الاولى في ادب الشابي المتسم بطابع الابداع الرومنطيقي .
وكذلك يتسع مدى الحيرة الى مفهوم افسح مجالا ، وكذلك يزداد عمقا وغموضا وايغالا في الظلام ، ريثما يتجه الى الضياء المطلق الفسيح البحر والليل هما المعنيان او الرمزان السائدان على قصيدي " دار البحر " ، وهو الذي تمثلت فيه ، باسلوب موضوعي ، وتصوير متزن رمزي ، حيرة وجودية عامة ، وقلق مضطرب الاشواق متضاعف الحنين .
وكذلك تجلى للعيان ذلك الخروج من الرومنطيقية الباكية المتهيجة العاطفة الى الرمزية الوجودية الموضوعية التي تناولت صميم المعظلة الانسانية وجعلت من الشعر مسبارا للغوص فى أعماقها .
وهذا ديوان " النغم الحائر " قد عبر بصورة رمزية شيقة عن نفس ذاك القلق وذلك الهيام والحنين وانه على الحقيقة (1) لقلق مبارك فيما أعتقد لانه التشوف الى نقاوة الضياء وطهارة الاعماق .
وكفاني هنا ان اورد هذه التحفة السنية العذراء من صوغ ذاك الشاعر الشاب المنتمى الى مدرسة جديدة فى شعرنا ، وان لم تمعن في مظاهر التجديد المقتل ، ولم تخرج عن بحور شعرنا القديم ذات القوة والحسن و الصفاء وأنا أختارها لكم مفعمة لا بالقلق وحيرة الوجود بل بالغبطة وفرحة الحياة بعنوان " إلهام "
سجد الكون للأناشيد في الليـ ـل وقد رقرق النشيد الضياء
وافاض الجلال في هيبة الصمـ ـت سناء ما جت به الاضواء
سلسل الخمر في شعاع لطيف ذلك البدر أين منه ذكاء
وتغنى الوجود انشودة الاحـ ـلام وانساب في صداها السناء
والجمال الجمال قد اسكر الليـ ـل وقد افعم المدى والفضاء
وتجلى الجلال في هيبة الاقـ ــدار سحرا تغار منه السماء
والامانى عرائس تتهادى والاغاني فواتن ورخاء
والصابات بين هذين موج عبقرى يحدو بهن الهناء
رقص النجم فى السماء للـ ـيلاه وغنته موجة خرساء
هو ذا الشاطئ الجميل ايامو ج ترفق فقد سجت أهواء
وازيح الستار عن هيكل الحسـ ـن وقد هام بالضياء الضياء
وترامى النشيد يستأصل الحز ن وهل ثم كالنشيد دواء
واستفز الوجود لحن من الشو ق ففاض الهوى وفاض الغناء
ان وحيا يجئ في سكرة الرو ح لوحى ما مثله ايحاء
وكذا الحسن ان طغى فهو أقوى دونه الموت والدجى والداء
واصيل الجمال ان فاض عفوا ظهرت في سمائه الشعراء

