قبيل زحزحة الباب المهترئ المتثائب واجتياز عتبة (( تركة الموميائيين )) من اللائق أن نقدم (( للسائرين _ الناعسين )) على الدرب باقة من (( الزهور )) الشمعية المصطنعة ترضى سرعتهم _ البطيئة فى رحلة (( الفن )) التى طولها ألف خفقة جناح وجناح . . .
فى مؤملى منذ آونة بعيدة كتابة الأحلام الآتية : ( الواقع _ المستقبل ) و ( الانسان _ الأفق ) . . الصمت . التشريد . النسف . الجوع . الكذب الجماعى . رسم الأصداء . المجهول . تعقيل الهوس . كتابة الضحك بأنواعه . . . الضحك من الزمن . من الواقع . منى أنا . . الخ . . . الخ . . .
قل عن نقدهم إنه كما قال آخر : ضجة قرن الثور فى متحف الزجاج ، أما ترجمتى لكلامك هذا بخصوص نقدهم فهو : لهاث بدأ يتبخر كالحبر الذى تتبرأ منه ضمائر الصفحات البيضاء . . أما ألقابهم عندى فكثيرة : قائلو اللاشىء _ جلادو الفكر _ وكذلك لغوهم له عدة عناوين : (( نوستالجيا الفضوليين المتطفلين على مائدة الثقافة )) . (( غوغأة )) الراقصين حول ( قمقم ) صدئ حبسوا فيه (( روح )) الفن . ومعنى هذا (( القمقم )) فى قاموسى الخاص هو (( مقاييسهم )) التى صنعوها فكبلتهم . . . !
المجد ( للكلمة ) المتوجة بشهامة (( الرفض )) لأن الرفض عندى هو (( الاكسير )) السحرى الذى تستحيل به شيخوخة الكون الى شباب مئناف .
المجد ( للكلمة ) التى يمتزج فيها الحبر بدماء المعذبين ، والكادحين فى مناكب الأرض ، و (( بكيمياء )) الفن الذى مقياسه تجديد هندسة العالم ، وتبديل خارطة النواميس . . .
- من الرثاء ما يصبح فذلكة . . . !
مثل رثاء صديق لنا ، لا يهم (( الوفاء للحقيقة )) أن نكشف عن أوراقه . . . وهو من فصيلة هواة الطرائف الميتة ، ومتأبطى دفاتر الغابرين ، ومن الذين تدغدغهم القوافى ، ولا يترك لهم شيطان الشعر فضلة من لحم يلوكونها ، الا على عتبة المقابر ، أو فى موكب الجنازة الرهيب . . .
ذلك أن قريحة صديقنا لا تجود بالشعر ، الا متى هبت عليها نسمات الموت ، فاذا بقوافيه ترن مثل جرس يدقه عزرائيل . . .
_ ومن الفذلكة ما تصبح رثاء . . !
مثل ( فذلكة ) ماتت فيها روح النكتة لأنها جاءت من ((متأبط لدفاتر الموتى)) .
أما كيف حاءت ، أو جىء بها ، فهى عندما أراد هذا (( المتأبط لدفاتر الموتى )) والحافظ الأصم لأقوال شيوخه الرجعيين أن ينكر اسمه ، ووظيفته ، ويصبح (( متأبطا لدفاتر الأحياء )) . . .
_ وبالرغم من فشله فى الفذلكة وفى الرثاء معا ، فقد وضعنا فى يده ( زهرة شمعية ) لما اضحكنا باطلالته من احدى زوايا الورق ، بجسد ملآن بالقش ، وبقناع لا وجه وراءه ، وباتهامات صباحية شبيهة بكذبة (( نيسان )) سرعان ما نسيناها . . .
لئن كان الحكم الجزئى عليك أو عليها لدى تسكعنا فى البحث عن الأفق ، لا يتجاوز (( النسبية التاريخية )) ولا يحيد عن (( الشبهة )) والتخمين ، فلا أظننا الى شىء أفقر من فقرنا الى (( النقد الذاتى )) بشأن يقظتنا الفكرية والأدبية الراهنة على صعيدها ككل وفى خطوطها البيانية العامة ، وميزاتها الفارقة ، متخطين بهذه الرؤيا ، الشبيهة بالشاملة ، بعض فقاقيع التعبيرات النقدية الموتورة والمشحونة أحيانا بالحقد والبغضاء ، والتى سالت بها بعض الاقلام العصبية ، المسمرة بالسفح على هامش وثبة بقية تحركاتنا السياسية والفكرية . . .
والأكيد عل الأقل بالنسبة للمتفتحين أن وضعنا الثقافى الراهن بكافة البلاد العربية ، فى حاجة الى شىء آخر غير تكهنات (( المنظار )) الديماغوجى أو الدوغماتيكى أو الى الأقلام التى تكتب بغير مدادها ، وتفكر بمعدة أصحابها ومزاجهم القزحى الحالات . . .
- حذار يا هؤلاء فالتاريخ يسجل !
وقد حان (( الأوان )) الذى تحظى فيه (( يقظة )) الفكر الراهنة (( بالنقد الذاتى )) الذى يمارس على الصعيد العام وبمنتهى الصراحة ، والناتج عن رفعة النظرة
والفعل فى درجة واحدة من الايمان ، وتحت انارة حبيبة من القيم المشعة على شتى الابتكارات والمنشآت والاستنباطات . . .
التجربة احصاء ونوعا ، تشكو قلة القارىء العربى النزيه ، الطموح الى تقييم الحركة الفكرية فى بلاده ، المدرك للثقافة باعتبارها هذا (( التجرد والاحرام ، والخضوع والسعى الحثيث : تخلع فيه أوهام وأهواء ، ويحتقر الخوف ، وتحطم القيود )) كما يقول الأديب التونسى الاستاذ محمود المسعدى . وقليلة جدا هى نسبة (( القارى العربى )) ، الذى يكون (( جوهر الثقافة )) لديه وفاقا لما يعنيه ( المسعدى ) بقوله : (( كفاح مستمر يرمى الى التحرر والاستيلاء : التحرر من أوهام المحسوس وسحر المظاهر لادراك الحقائق والاستيلاء على القوات الخفية والاحتقار للعرض الزائل بغية الاحتفاظ بالجوهر الثابت والتسخير للنزعات الجامحة لخدمة ارادة لا ترضى بالمنزلة الدنيا الا على أنها درجة فى رقيها الى المنزلة العليا . فهى _ أى الثقافة _ كما ترى توثب دائم وتقدم لا يرضى أن تقف به فى سيره العراقيل أو أن ترده المادة الغاشمة الى الوراء أو أن تحجب عنه القوة العمياء غاياته )) . . .
والذى أقصد بالقارىء هو كل من يتلقى ثقافة مدونة ، أو مذاعة ، أو متلفزة ، ولا أستثنى من القراء حتى الذين ينتجون هذه الثقافة . اذن فــــــ (( القراء )) هم : أنت ، وأنا ، وهى ، ونحن ، فى آن واحد . . .
وإن كنت أنت ذاك القارىء (( النادر )) المنتسب الى هذا الاطار الشامل الذى لا حدود له ، فلا شك أنك ملتزم الصدق فى مواجهة واقعنا الانسانى ، ولعل صدقك يوقفك إزاء (( الحركة الفكرية والأدبية الجديدة )) وقفة التفاؤل بأقباس الوعى الراهن ، لا تفاؤل ( عير الرضا ) التى لا حاجة لنا بها ، بل تفاؤل التقييم المخلص الذى غايته تجديد هندسة المرحلة (( الراهنة )) وتلوينها بانعكاسات تعاطفنا الوجودى الحار . . . ومتى تهيأت أنت ، تم (( التفاعل )) الثقافى المنشود بين (( فاعل )) اسمه (( المنتج )) و (( منفعل )) هو أنت . . . ومن (( هذا التفاعل )) الذى أدعوه بــــ (( التحاضن الفكرى )) بين المثقفين ، يتولد (( الانسان - الأفق )) أى هذا الوجود المشرق المبدع لذاته ، والمكتسب مدلوله الانسانى وتبريره الحضارى من الثقافة . . .
واذذاك ، بفضل تقييمك النقدى المضىء لما يجد فى محيطك ، وبفضل صفاوة تحاورك مع الكون ، يصبح من السهل (( تعقيل )) الوضع الفكرى لازالة قشوره ، والقضاء على زيفه . . . ولفضح (( الأقنعة التى أضاعت وجوهها )) والتي تحصنت بالورق ، وبالجرائد والكتب ، لمهاجمة القائم والقاعد ، والغادى والرائح ، والحى والميت ، مستخدمة أحيانا ، فى بعض البلدان العربية الأخرى ، سلاح الارهاب اللفظى ، ابتداء من القذف بالشتائم الى استعداء المسؤولين على الصعيد الادارى لغاية طرد (( الأديب )) من أماكن رزقه أو لغاية طرده من وطنه الحبيب باستعداء السلطة ضده . . .
_ لا رسم عندكم ، بل زحمة فولكلور . . .
هكذا قال (( آخرون )) مشيرين بأصابع من نار الى أعلام لنا فى الرسم متربعين عن جدارة فوق اللون والخط ، والظل والازمة والنقطة . أعلام لنا آمنوا من زمان ، بأنهم قد انزلوا لنا مفاتيح الروعة من الغيب ، وتمخطوا فولدوا (( رسوما )) هى مثال الكمال ، ومنتهى المنتهى ، وبأن هذا الذى ولدوا ، هو زاد الرحيل لقوافل الأجيال ، وهو فى رأيهم زاد لا يجاع بعده . . .
_ لا رسم عندكم ، بل زحمة فولكور . . .
تلك هى الحقيقة القابعة فوق لوحات المنهمكين فى رسم (( الصوامع الحزينة )) والعكاكيز ، والقباقب والقباب والأقبية،وما شاء لهم (( خيالهم المبدع )) من ماشية، وقوافل ، وجمال ( بكسر الجيم ) . . . وبقية الزخارف التى من أجلها (( قشطت )) عضلات رسامينا ، كاسية بدمها ، وبفوارة أشواقها ، هذه اللوحات السياحية .
_ لا رسم عندكم ، بل زحمة فولكلور . . .
وظننت مع الظانين أن رسامينا (( الرسميين )) ( لا الشباب ) . رسامينا الذين احتكروا تاج الفن وصولجانه ، وانتصبوا على عرش الخط واللون ، والنقطة ، والازمة ، انبياء بلا معجزات ، وملوك بلا رعية ، ظننت أنهم سيحركون ساكنا ، أو سينبسون باحتجاج أو نقد أو تفنيد ، أو أنهم سيتأبطون الريشة لانتشاء الروائع التى تريع ، ولكن رحم الله الجاحظ ، وقاضى البصرة ، وهل يضر المسامير أن تنهال عليها المطرقة . . .
_ لا رسم عندكم ، بل زحمة فولكلور . . .
ومع الظانين ظننت أن (( الرسميين )) من رسامينا ( لا الشباب ) . رسامينا الذين يشار اليهم لا بالبنان فقط ، بل بكافة أصابع اليد ، ممن تاهوا فى أودية الفن حتى طالت اللحية ، وقصر النظر ، وزحفت عليهم البورجوازية . . ظننت اذن ، أنهم سيبرقون ويرعدون ويزبدون ، ولكن هيهات ، فهم قد تسربلوا بالضباب ، وأنى للأوثان العظيمة أن تقفقفها رياح العاصفة . . .
_ لا رسم عندكم ، بل زحمة فولكلور . . .
ظننت مع الظانين ، أن (( مصدرى التوقيعات )) ، وأصحاب الأنفة الرسمية ، سينفعلون ، لكن ظننت ، وبعض الظن اثم . . .
