سنتحدث اليوم عن السياسة المالية فى عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، والسياسة المالية فى ذلك العهد العظيم تعتبر من مفاخر الأسلام الخالدة ، قد كان عمر رضى الله عنه أول من أسس للمالية العامة ديوانا ، وأول من سن لحساباتها وقيودها نظاما ، وأول من عين أبواب الآيرادات ، وقرر بنود الرواتب والاعطيات ، وأول من سك النقود فى الاسلام ، وأول من استعمل التاريخ الهجرى ، وعلاقة هذا بالسياسة المالية غنية عن البيان .
ويكفى ان نقول ان سياسة عمر المالية هي التى ظلت - فى أصولها الأساسية - نافذة المفعول فى جميع الدول الأسلامية التى اعقبت الخلفاء الراشدين ، ويكفى ان نقول ان هذه السياسة الحكيمة العادلة ما زالت في جوهرها ولبابها - حتى يومنا هذا : النبراس الذي يستضاء به ، والمبدأ الذي يجري عليه علماء المالية فى معظم ما يبحثون ويقررون . . نظرة بسيطة الى المؤلفات العربية القليلة فى علم المالية ترينا الى أى حد والى أى مدى تتوافق اصول السياسة العمرية مع احدث الأنظمة والنظريات التى تسير عليها الدول فى هذا القرن العشرين
يقول " فارس بك الخوري " فى كتابه القيم " موجز فى علم المالية " : وهو - اي عمر - الذي وضع اكثر القواعد المالية فلم يجرؤ من جاء بعده
على مخالفتها فبقى جانب عظيم منها نافذا في عهد الأمويين والعباسيين ، واستمر بعضها حتى الزمن الحاضر
كان اتساع الفتوح فى عهد عمر ، وتكاثر ورود الغنائم والأموال الى عاصمة الخلافة فى مقدمة الأسباب التى الهمت الخليفة الثاني ان يضع سياسة المالية ، ولعل أول ما حدث فى هذا الشان هو ما يذكره المؤرخون من قدوم ابى هريرة رضي الله عنه اليه من البحرين ؛ وكان عاملا له هناك ، قدم اليه أبو هريرة ومعه مال كثير . فقال له عمر : بم جئت ؟ قال : بخمسمائة الف درهم ! فاستكثر عمر ذلك ؛ وقال له : أتدري ما تقول ؟ قال نعم ! مائة الف خمس مرات ! فصعد عمر المنبر وقال : أيها الناس قد جاءنا مال كثير ، فان شئتم كلنا لكم كيلا ، وان شئتم عددنا لكم عدا ، فقام اليه رجل فقال يا امير المؤمنين قد رأيت هؤلاء الاعاجم يعنى الفرس والروم - يدونون لهم ديوانا ، فقال عمر : " دونوا الدواوين " .
كان هذا باعث تدوين الدواوين ، ومن ثم كان تأسيسها على المثال الذي كانت عليه لدى دولتى فارس والروم . ومن ثم كانت في بادىء الأمر تكتب بالرومية فى الشام ، وبالفارسية فى العراق ، وبالقطبية فى مصر ، الى ان جاء الخليفة الأموي " عبد الملك بن مروان " فحول كتابتها الى اللغة العربية .
كانت الأيرادات تجمع من الصدقات ، ومن أخماس الغنائم ، ومن الفيء وهو جزية أهل الذمة والخراج ، ومن العشور ، ومن مواريث من ليس لهم وارث من موتى المسلمين
وكانت الصدقات تؤخذ كما قرره الدين - من أغنياء المسلمين على المؤاشى والذهب والفضة والأثمار والزروع ، إذا بلغ كل منها نصابا معينا ، ثم ترد هذه الصدقات الى فقرائهم على النحو الذين بينه القرآن الكريم ( انما الصدقات
للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل ) .
وكانت اخمس الغنام تقسم فى عهد عمر على ثلاثة اسهم : سهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابناء السبيل ، وهم المسافرون الذين لا يجدون ما ينفقون وإعيد في عهده السهمان الاخران . سهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربي الى بيت المال .
وكانت الجزية تؤخذ من غير المسلمين فى البلدان الرومية والفارسية التى فتحها المسلمون . فى اوقات معينة من السنة ، وكانت تختلف مقاديرها باختلاف درجات الأفراد واخر ما استقرت عليه فى عهد عمر هو ) ٤٨ ( درهما . من الرجل الغني و ) ٢٤ ( من المتوسط الثروة و ) ١٢ ( من الفقير ، وكان يعفى من ذلك النساء والصبيان وأهل العاهات والرهبان ، إلا البلاد التى عقدت شروط الجزية معها باتفاق خاص كمصر التى كان يؤخذ على غير المسلمين فيها . ديناران عن كل من بلغ الحلم شريفهم ووضيعهم على السواء ما عدى النساء .
وكان الخراج يؤخذ على الأراضى فى البلدان التى فتحها المسلمون وتركوها فى ايدى اهلها ملكا لهم ، فكانوا كما جاء فى كتاب موجز علم المالية الذي اشرنا اليه - يجعلونه احيانا خراجا موظفا ثابتا كما جرى فى سواد العراق . واحيانا خراج مقاسمة ، وبقيت ضياع البطارقة والأمراء المنهزمين ملكا لبيت المال يقبلها العمال ويستثمرونها لحساب الخزينة العامة ، والعشر هو الحصة الشائعة المضروبة على حاصلات الارض التى اسلم أهلها عليها من أرض العرب او العجم ، او ملكها المسلمون عنوة من قوم لا تقبل منهم الحزية كعبدة الاوثان والمجوس ومثلها الأرض التى احتازها المسلمون وقسموها بين الغانمين
وكان راي فريق كبير من اقطاب المسلمين إذ ذاك أن تقسيم هذه الأراضى على المجاهدين فتكون غنيمة بينهم ويكون لكل منهم نصيبه منها ، ولكن سياسة عمر البعيدة النظر ابت هذا التقسيم ، اجل وقف عمر وقفته الخالدة
هذا الرأى . وتحدى من قال بهذا فى صرامة وسداد وقال لهم قولته المشهورة : " فكيف بمن يأتي بعدكم من المسلمين فيجدون الأرض قد اقتسمت فمن عليها وحيزت ارثا عن الاباء ، ما هذا براي " فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : فما الرأي ؟ ما الارض وعلوجها إلا مما : افاء الله عليهم ) أى الفاتحين ( فقال عمر : ما هو إلا كما تقول ولست أرى ذلك فاذا قسمت أرض العراق بعلوجها ، وأرض الشام بعلوجها فبماذا تسد الثغور ؟ وما يكون للذرية والارامل ؟ فلما اكثر هؤلاء علية ، واختلف المهاجرون فى هذا ، رأى أن يستشير عشرة من الانصار ، من كبرائهم واشرافهم فلما اجتمعوا قال لهم : قد سمعتهم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا اني اظلمهم حقوقهم
واني أعوذ بالله أن اركب ظلما ، لئن كنت ظلمتهم شيئا فهو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت ولكن رأيت انه لم يبق شئ يفتح بعد ارض كسرى وقد غنمنا أموالهم وأرضهم وعلوجهم ، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله ، واخرجت الخمس فوجهته على وجهة وانا فى توجيهه ؛ وقد رايت ان احبس الأرض بعلوجها ، واضع عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئا للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم . أرأيتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلزمونها ؟ أرايتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وادرار العطاء عليهم فمن أين يعطى هؤلاء اذا قسمت الأرضون والعلوج ؟ فقالوا جميعا : الرأي رأيك ؛ فنعم ما قلت وما رأيت ) ١ ( . .
ما أعظم من موقف رائع سجله التاريخ لعمر رضي الله عنه في هذا المجال ، وما احكمها من سياسة ، وما ابعده من نظر ، كان عمر فى موقفه هذا يرمي الى هدف من أجل الأهداف . . كان يرمي الى أن يكون لدولة الأسلام
الناشئة إذ ذاك باب مضمون من أبواب الايرادات الثابتة ؛ لا تقتصر على الحاضر ، بل تتعداه الى المستقبل ، وأي خطة يا ترى فى ذلك . الذي اضطربت فيه الآراء تكفل هاتين المنفعتين إلا هذه الخطة العم الرشيدة ؟ انها تكفل المنفعة الحاضرة بما تؤديه من الايراد السنوى الثابت .
حيث يصرف هذا الإيراد في توطيد الأمن ، وفي المحافظة على الثغور ، وفي غير هذين من مصالح المسلمين ، ثم هى خطة تكفل المنفعة المستقبلة بلا مراء لأن هذه الاراضى سوف تبقى للذرارى ، سوف تبقى للجيل الذي سياتى ، وسوف تبقى موردا ثابتا ايضا لدولة الاسلام ما بقي هذا النظام ، وما بقيت سيادة الاسلام .
وشيء آخر ايضا :
شيء اخر فطن له عمر العظيم ، شئ آخر ادركته عبقريته الفذة باتباعه هذا الإجراء . ذلك هو أن يبقى المسلمون كما كانوا من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم متفرغين للمهمة الكبرى التى جاء الإسلام من أجلها ، متفرغين لعبادة الله وللدعوة والإرشاد وللجهاد في سبيل الله وأن تكون كلمته هى العليا ، ثم المحافظة على ما افتتحوه من بلدان ، وما اقاموه من كيان ؛ وما أسسوه من نظام ، ثم هم بعد ، لهم من الغنام ، ولهم من العطاء الدائم ، الذى يقرره لهم
الخليفة ما يكفيهم . فأما ما عدى هذا . . أما اقتسام الأرضين وامتلاكها كما شاء القسم الأكبر منهم - فليس من السياسة فى شئ ، وليس من الانصاف في شئ ، وليس من الحكمة فى شئ ، لأن فى ذلك اححافا محققا على خزينة الدولة او بيت المال ، وهو احوج ما يكون على الدوام الى الموارد الغنيه الثابته ، لكي يمون منها الجميع ، ويصرف منها للجميع ، ثم لأن فى ذلك ظلما للذرية وللجيل الذي سيأتي ، ثم فيه - وهو الأخطر والأهم مشغلة للمسلمين عن مهمتهم الاسلامية الكبرى مهمة الدعوة والارشاد والعبادة والجهاد فى سبيل الله
وأخيرا ماذا بعد كل هذه الاهداف السامية ؟ ! أهي وحدها ما أراده عمر ؟ اهي وحدها ما تنبه اليه نظره البعيد ؟ اهي وحدها ما شاء ان يقتصر عليه ؟ كلا لم تكن هذه الاهداف وحدها ما رمي اليه عمر وكفى . بل كان غيرها هناك . كان لعمر رحمه الله بالاضافة الى ما ذكر ، هدف مرموق ادى به لان يقف هذا الموقف الحازم ، ويصمد هذا الصمود امام جبهة المعارضين وهم من جلة الصحابة وعظمائهم ، كان هدفه المرموق هو أن يراعي سكان البلاد الاصليين ، الى جانب مراعاته للفاتحين من المسلمين ، فيدع للأولين أراضيهم يملكونها ويشغلونها على خير الوجوه . . يدعهم أحرار وشأنهم ، من جهة تحقيقا لفكرة الاسلام فى الرآفة والرحمة والعدالة الاجتماعية ، ومن جهة اخرى لكي يمكن أن يستفاد من هذه الاراضى على أوسع نطاق ؛ ولكي يمكن أن يستخدم هؤلاء السكان كل ما أتوا من خبرة ونشاط في استغلال هذه الأراضى بإخلاص ، فيكون من ذلك ابقاء لمصلحتهم ويكون من ذلك خير ضمان على ثبات ونمو الانتاج ، ومن ثم خير ضمان على ثبات ايرادات الخراج ، بل على اطرادها فى النماء !
وكان من توابع هذه السياسية فى ترك اراضى البلدانى المحتلة لأصحابها الاصليين ان حظر عمر ايضا بيع هذه الاراضى ، كما حظر على العرب شراءها
وما احسن ما قاله فى هذا الموضوع " سيد امير على " مؤلف كتاب " مختصر تاريخ العرب " فى عبارته التالية :
" وقد استطاع - أي عمر - بثاقت فكره وبعد نظره ، وهي ميزة كانت تنقص خلفاء العصور المتأخرة أن يدرك ان توطيد دعائم الامبراطورية وترقيتها ماديا انما يتوقفان على رفاهية طبقة الفلاحين من سكان البلاد الاصليين وتحقيقا لهذه الغاية منع بيع العقار والاراضى الزراعية فى الامصار المحتلة . كما سن قانونا يحظر فيه على العرب امتلاك الاراضى والضياع "
ويقول نيكلسون فى كتابه " تاريخ العرب الأدبي " ما يأتى : " وفى ظل النظام الذي سنه عمر انتظمت الأمور فى بلاد العرب بعد أن
طهرت من ادران الشرك وأصبحت موردا خصبا ، وقاعدة ثابتة لتموين الجيوش الاسلامية الدائمة ، وصار العرب المقيمون فى المقاطعات المفتوحة أساسا لتموين القوات . الحربية على الاقامة فى معسكرات كبيرة ؛ والانفاق عليهم مما يجبي من غير المسلمين ، وكان من نتائج هذه المعسكرات ان قامت مدينتان ذواتا اثر بارز فى التاريخ الآدبي هما " البصرة " عند ملتقي دجلة بالفرات و الكوفة " التى ظهرت ابان ذلك الحين ايضا على الفرع الغربي للفرات وعلى مقربة من الحيرة " .
هذا وقد كان للخراج فائدته الكبرى فى تدعيم المالية العامة ، وكان من اثره ان احدث عمر نظام العطاء ، فوسع بذلك على المسلمين ، ورفع من مستوى المعيشة ، وقرر الرواتب للعمال والقضاة ، بلغ ايراد سواد العراق وحده ) سنة ٢٠ ه ( مائة وعشرين مليون درهم ، فقس على ذلك مع الفارق القليل سائر الامصار
البقية فى العدد القادم

