الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

على هامش تاريخ الاسلام, السياسة المالية فى عهد عمر بن الخطاب

Share

٣

ويقول البلاذري ايضا : " وكان عمر يفرض للمنفوس مائة درهم فاذا ترعرع بلغ مائتى درهم فاذا بلغ زاده ، وكان إذا اتى باللقيط فرض له فى مائة ، وفرض له رزقا يأخذه وليه كل شهر بقدر ما يصلحه ، ثم ينفله من سنة الى سنة وكان يوصى بهم خيرا ويجعل رضاعهم ونفقتهم من بيت المال "

بل لقد ذهب عمر إلى ما هو أبعد من ذلك ذهب الى ان يفرض لأهل الذمة من هذا العطاء ايضا ، فلقد مر بشيخ من هؤلاء يسال على ابواب المساجد فقال : ) ما انصفناك ، اخذنا الجزية منك فى شبيبتك ، وضيعناك فى كبرك " ثم أجرى عليه من بيت المال ما يكفيه .

هذا هو نظام العطاء ، ونحن انما ذكرنا عنه الشئ القليل واضطررنا اضطرار الى تقديمه فى صورته المصغرة جدا ، لأن مجال هذه المجلة لا يتسع لأكثر من هذا ، والان فقل لى بربك أى نظام هذا النظام ؟

وهل تستطيع دولة من دول اوربا - على ما وصلت اليه من حضارة شامخة الذري وعلى ما بلغته من تراء عظيم - ان تفخر بمثل هذا النظام ؟ ! وهل " مشروع بيفردج " ذلك المشروع الاجتماعى المعروف ، ذلك المشروع الذي كان من مواليد هذه الحرب الأخيرة ، والذى يصح ان يقال عنه - اذا كان ولابد - إنه من ارقى مشاريع القرن العشرين ، من حيث ما يرمى اليه من عدالة اجتماعه ، وقضاء على الفاقة وتقريب بين الطبقات ، وعلى العموم مساواة فى

الحقوق الاقتصادية الاولية ، نقول هل مشروع بيفردج هذا يستطيع ان يصل فى تحقيق العدالة الاجتماعية الى مثل ما وصل اليه نظام العطاء فى عهد عمر بن الخطاب .

نترك الجواب عن هذا الان ، لأننا لسنا فى مثل هذا العدد ؛ ولعل من الظريف الشائق هنا ان نشير الى ما كان لرأي لحكيم بن حزام - وكان من اشراف المكيين ووجهائهم حينما شاور عمر المهاجرين والآنصار ومن اسلموا يوم فتح مكة ، فاشاروا عليه جميعا بفرض العطاء ، قال حكيم : " يا امير المؤمنين ان قريشا أهل تجارة ومتى فرضت لهم عطاءا تركوا تجارتهم فيأتي بعدك من يحبس عنهم العطاء فتكون التجارة قد خرجت من أيديهم .

إنه رأي حكيم... إنه رأي يبدو فى ظاهره ، ويبدو للوهلة الاولى ، أقرب ما يكون الى الصواب ولكنه هل هو كذلك يا تري ؟

الجواب : لا . ثم لا . لقد كان حكيم مخلصا فى رأيه هذا بلا شك ، لكن عمر رضى الله عنه ، كان ابعد منه نظرا ، واكثر صوابا ونحن نقول : متى كان أهل التجارة يتركون تجارتهم فى ظروف كهذه الظروف ؟ متى كان اهل التجارة يتركون تجارتهم لمجرد انهم اعطوا اعطاءا كهذا العطاء ؟ او لمجرد ان موردا جديدا أضيف إلى مواردهم الأولى ؟ لا . ثم لا . بل العكس هو الصواب هنا . . ان تقرير هذا العطاء ؛ وإضافة مورد جديد للمشتغلين بالتجارة من قريش احرى ان يزيد من نشاطهم التجارى ، ان المال يجذب المال . هذه حقيقة قد تستغني عن الأدلة النظرية بالأدلة الواقعية . ثم المال بعد - اذا نظرنا اليه على ضوء علم النفس - حافز من أكبر الحوافز على الاستزادة . . وعلى الاقدام ، وعلى مضاعفة الجهود ، وعلى اتساع افاق الطموح ، ومحال ان نقول - جريا مع بعض الباحثين المعاصرين - ان ما اصاب التجارة القرشية من كساد فيما بعد كان نتيجة لهذا العطاء !

ذلك الكساد الذى اصاب التجارة القرشية فيما بعد ، له اسبابه الخاصة ،

ولعلنا لا نبعد عن الصواب اذا قلنا ان فى مقدمة هذه الاسباب انهماك المسلمين فى الحروب ؛ ثم توالى الفتن بعد عهد عمر ، وانشغال قريش وغير قريش من القبائل العربية فيما نشا بين المسلمين من خلاف ونزاع . . ثم ماتلا ذلك من تتابع هجرات القرشيين من مكة والمدينة الى الشام والى العراق ؛ والى مصر ، والى غيرها من الامصار واستيطانهم هناك مما كان له اثره فيما بعد فى تاخر تجارة قريش ، بل فى تأخر كل شئ فى الحجاز !

ولابد لنا من أن نلاحظ شيئا آخر أيضا . وهو ما يعلمه عمر أكثر من سواه بطبيعة الحال ، هذا الشئ هو ما جبل عليه القرشيون من حب للتحارة صميم ، ومرانة عليها من القديم ، وتفوق فى ميادينها عظيم ، فهذه الغريزة التجارية المصقولة بالتجارب ، والمكللة بالنجاح ، يستحيل عليها ان " تتبخر " هكذا ، يستحيل عليها ان تتلاشى وتذهب فى خبر كان على الصورة التى توهم حكيم - ان شعبا مفطورا على التجارة تربى الا كثرون من بنيه فى مهاد النعمة والثراء ونشاوا اول ما نشاوا على الاباء وعزة النفس ، ليس بالهين عليه ان يركن الى الخمول وان يميل الى التبطل اعتمادا على عطاء رتيب مهما كان العيش فى ظلاله سهلا والطمأنينة موفورة

وصفوة القول فى نظام العطاء هذا انه من أروع ما سجله التاريخ من الانظمة العالمية التى افادت البشرية ، ورفعت من مستوى الحياة وسارت بالأمر والجماعات فى طريق التقدم والارتقاء

ومن ماثر عمر فى تاريخه الحافل الجليل : أنه أول من أحدث نظام التفتيش فى الاسلام واختار شخصا معينا هو ) محمد بن مسلمة ( لاقتصاص أخبار العمال وتحقيق الشكايات التى ترد عنهم ، وكان يبعث لكل عمل أناسا مخصوصين فمنهم من يتولى تقدير الخراج ومنهم من يقوم باحصاء الناس ومنهم من يوكل اليه مساحه الارض ومراقبة جباية الأموال ؛ يقول الجاحظ : ) إن علم عمر بمن ناى عنه من عماله كعلمه بمن بات معه فى مهاد واحد ، وعلى وساد واحد فلم

يكن فى قطر من الاقطار ، ولا فى ناحية من النواحى عامل إلا وعلية عين لا يفارقه فكانت الفاظ من بالمشرق والمغرب عنده فى كل ممسى ومصبح ، وانت ترى ذلك فى كتبه الى عماله ، حتى كان العامل منهم يتهم أقرب الخلق اليه وأخصهم به " ويصفه المغيرة بن شعبة - وهو من هو فى الدهاء ! - بانه - اى عمر - كان أفضل من أن يخدع ، وأعقل من أن يخدع

وكان عمر يتصرف في جميع اموره بحسب ما توحيه المصلحة العليا فلم يكن يتمسك عندما تقضى هذه المصلحة بحرفية النظام كما يقولون فى لغة هذا العصر - بل بروحه وغايته العملية المثلى ، وحاشا ان يكون عمر العبقرى الفذ كذلك وهو هو معلم السياسيين اصول السياسة ! وهل هو واضع النظم الادارية والتقاليد وكان له فى هذا الباب اجتهادات شتى

وليس من شك فى ان الخلفاء الاربعة الراشدين كانوا جميعا ينحون هذا النحو ، كانوا جميعا عمليين واقعيين ، وكانوا جميعا يتصرفون ويقدرون كل التقدير ضرورات المصلحة العليا ، وحاجات الزمن وتطورات الحياة فى حدود ماجاء فى كتاب الله ، وفى سنة رسول الله .

وكان لعمر فى هذا الباب اجتهادات شتى منها ما هو خاص بسياسته العامة ومنها ما هو خاص ببعض الاحكام ، ونحن هنا مضطرون ان نكتفى لكيلا نخرج عن منهج البحث بان نشير الى شىء من هذا القبيل مما يخص موضوعنا هذا

فمن ذلك حكمه فى عدم بقاء ما يوجب اعطاء المؤلفة قلوبهم ما يخصهم من الصدقات ، وكانت حجته فى ذلك ) ان الله اعز الاسلام ، واغنى عنهم ( بعكس ما كان عليه الحال فى عهد رسول الله - والاسلام فى نشاته الاولى - حينما كان يعطى بعض هؤلاء الذين يدخلون فى الاسلام حديثا لكى يتألف قلوبهم للاسلام .

ومن ذلك ايضا ان عمير بن سعد كتب اليه يعلمه ان بني تغلب - وهم من نصارى العرب - أبوا الأسلام ، وهموا باللحاق بارض الروم وسالوه ان يأذن

لهم بالجلاء ، وهم قوم أشداء ، وهم من الكتابيين الذين لا يمكن اكراههم على الدين الاسلامى ، وانما تفرض عليهم الجزية ، ثم هم عرب يانفون من دفع الجزية بطبيعتهم العربية ، فكتب عمر رضي الله عنه الى عمير بن سعد ان ياخذ منهم ضعف الصدقة التى تؤخذ من العرب المسلمين ويشترط عليهم أن لا ينصروا أولادهم فقبلوا ذلك وقالوا : اننا نقبلها ! إذ لم تكن جزية كجزية الاعلاج

فانت ترى ان عمر هنا قد شذ عن نظام الخراج فى معاملته لهذه القبيلة العربية ، لانه قدر المصلحة العليا قبل كل شئ ، ولأنه أدرك ان ) النفسية العربية ( بما طبعت عليه من الانفة وعدم تحمل الضيم لابد ان تختلف في معاملتها عن نفسيات الآخرين .

والآن ماذا بقى من عناصر هذا البحث ؟

بقى أن نقول شيئا عن استعمال التاريخ الهجرى ، وعن سك النقود فاما استعمال التاريخ الهجرى فقد كان العرب فى جاهليتهم لا يؤرخون إلا بالحوادث الشهيرة كحادث الفيل مثلا واستمر هذا الوضع فى عهد النبوة وفي عهد الصديق وأوائل عهد الفاروق ، فلما اتسعت المملكة الاسلامية وتشعبت الأعمال تبعا لذلك وتاسست الدواوين وتضاعفت الايرادات وتقرر العطاء ومست الحاجة الى تغيير هذا الوضع الساذج واحداث طريقة جديدة تكون أعظم دقة وأ كثر ضبطا رأى عمر بثاقب نظره ضرورة استعمال التاريخ فما كان منه إلا أن استشار فى ذلك كبار الصحابة وسألهم من أى يوم يكون ابتداء هذا التاريخ فأشار عليه على بن ابي طالب رضى الله عنه بان يجعل التاريخ من السنة التى هاجر فيها رسول الله الى المدينة ففعل وكان هذا فى ) سنة ١٦ ه (

ولم يكن للعرب نقود خاصة بهم قبل الاسلام ولم يكونوا يستعملون الا نقود فارس والروم من دراهم ودنانير ، وكانت الدراهم المتداولة فى عهد عمر دراهم فارس ففي السنة الثامنة عشرة من الهجرة ضرب عمر الدراهم على نقوش الدراهم الفارسية غير أنه زاد فى بعضها ) الحمد لله ( وفي بعضها ) محمد رسول الله ( .

وبعد فهذا هو ) عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه في تاريخه المالي العظيم وما تاريخ عمر كله إلا على هذا الغرار ، تاريخ عمر كله مملوء بطولة وعظمة ومجدا ومملوء إصلاحا وإنشاءا وتجديدا وفتوحا جاوزت الميادين الحربية الى الميادين السلمية ، تاريخ عمر كله مملوء بالاوليات التى اصبحت مضرب الامثال ، ونحن نعتذر هنا لأننا اوردنا الشئ القليل ، وتركنا الشئ الكثير ، لأن نطاق هذه المجلة ، وهو محدود الصفحات لا يتسع لأكثر من هذا .

أجل هذا هو عمر الذي قال عنه على بن أبى طالب رضي الله عنه يوم وفاته حينما كشف عن وجهه بعد ان اسلم الروح : " رحمة الله عليك يا ابا حفص فو الله ما على وجه الأرض رجل أحب أن ألقي الله بصحيفته مثلك

تم البحث

اشترك في نشرتنا البريدية