يستعد الشعب التونسى مع كافة الشعوب الاسلامية ، للاحتفال باحياء ليلة المولد النبوى الشريف .
وعملا بالسنة الحميدة سوف يستمع المواطنون الى المجاهد الاكبر وهو يستخلص العبرة من الذكرى المباركة " متصديا الى تصفية العقلية الدينية من كل الشوائب التى داخلتها طوال عصور الانحطاط قصد ارجاع الحيوية اليها والقدرة على ايجاد الحلول الملائمة للاوضاع المتجددة "
وليست خطب المجاهد الاكبر ومواقفه فى هذا الشأن سوى امتداد للحركات المباركة التى نشأت على اثر الحركة الفكرية التى كان من روادها الاولين : جمال الدين الافغانى ومحمد عبده واضرابهما فى القرن الماضى والتى ما زالت متواصلة الى يومنا هذا على ايدى عدد من المصلحين والقادة
والملاحظ ان المقصود بالاصلاح هو فهم الدين فهما صحيحا على حقيقته والملاءمة بينه وبين مقتضيات الحياة حتى يكون صالحا فعلا لكل زمان ومكان ومتماشيا مع متطلبات العصر
كما ان المقصود من الاسلام ليس الدين فى حد ذاته بل العالم الاسلامي وشؤونه باعتبار ان الدين دين الدنيا قبل ان يكون دين الآخرة وباعتبار انه لا فاصل بين الدولة والدين كما ترى ذلك الدول التى تسمى نفسها " لائكية "
وانه من المفيد بهاته المناسبة محاولة استعراض اهم اسباب الركود والانحلال والتقهقر الذى اصاب العالم الاسلامي طيلة قرون عديدة ( ففي اكتشاف اسباب الداء ادراك لوسائل الدواء ) ثم استعراض خلاصة اهم حركات الاصلاح وما امتازت به من اتجاهات وما خلفتها من اثار
اسباب الانحطاط
فما هى حينئذ عوامل الركود والانحلال والتقهقر فى الاسلام؟ لا فائدة من ذكر ما ادعاه البعض من ان اسباب تخلف الامم الاسلامية عن
مسايرة ركب الامم المتقدمة ترجع الى عدم تلائم الدين الاسلامى مع تقدم العلم. فتاريخ الاسلام فى عصوره الاولى يكفى لدحض هذا الادعاء وللدلالة على ما قدمه علماؤه من كبير المساهمة فى تقدم الحضارة البشرية بفضل ما حققوه من اكتشافات واختراعات فى مختلف العلوم والفنون . كما ان الراى القائل بان تعويض العرب بالعجم على رأس الامبراطورية الاسلامية هو المتسبب فى الانحلال والوهن اللذين اصابا الامة الاسلامية ، ان كان فيه شىء من الصحة فلأن هؤلاء الاقوام انحرفوا بالاسلام عن مبادئه الاصلية ونظمه القويمة وعوضوا نظام " الجمهورية الدينية " بنظام " الملوكية المطلقة " ففتح المجال لشيوع البدع والتفسخ الخلقى والانحلال الاجتماعى
فكان حينئذ من أول اسباب تقهقر المسلمين واهمها " كبت الحركات وطمس مواهب البشر وتعطيل ادمغتهم عن التفكير فيما ينفعهم والى استبداد الملوك. ولهذه المساوي والهنات ارتباط ببعضها بعض . فالكبت يطفئ شعلة الكرامة التى تتقد في النفوس ويطفئ ايضا حب الحرية . واذا انطفات الحرية فى الناحية الدينية انطفأ نورها في البشر بصفة عامة . عند ذلك يجد المستبد الجو خاليا امامه . ويلقي المجال فسيحا لتسليط جوره والامعان فى بغيه ويجد امامه قوما راضين بالاسبتداد . لا يثأرون ولا يثورون لضيم يراد بهم فيصبحون كالانعام بل هم اضل سبيلا . بحيث ان هناك اسبابا تراكمية كالظلمات التى بعضها فوق بعض يحدث بواسطتها ما يشبه الدور والتسلسل . فالاستبداد نتيجة الكبت و الكبت نتيجة الاستبداد . ونتيجة الاثنين التاخر والانحطاط ونتيجة الانحطاط الضعف المادى الذى يجعل الامة نهبا لكل طامع ولقمة سائغة فى فم كل مفترس " ) 1 (
ومن هنا يتضح ان السبب الثاني الذي اضعف حال المسلمين هو بالإضافة إلى كبت الحريات تاخرهم في العلم والتكنيك وفى نظرتهم للدنيا وللطبيعة وقعودهم عن العلم والاكتشافات
ومن هنا يتضح ايضا ان حرمانهم من العلم والثروة والسلاح هو الذى مهد الى حرمانهم من الحرية والمكانة السياسية
ومعلوم ان النهضة العلمية فى الشرق قد طمست على اثر غارات التتر والمغول وكذلك على اثر الحروب الصليبية فانقطع ما بين المسلمين وعلومهم الاولى وما بينهم وبين العلوم العصرية . وقد كان فقهاؤهم ينظرون الى العلوم كالجغرافيا والطبيعة والكيميا كانها الكفر ، وكانها السحر . وانغمسوا فى الجهالة والخرافات والشعوذة ، التى اصبغت على فهمهم الدين فهما ما انزل الله به من سلطان
فكانوا مثلا يكفرون القائلين بدوران الكرة الارضية ولا يترددون فى تكفير من يسميها بالكرة . .
كما كانوا يحرمون صناديق التوفير والادخار ومعاملات التجارة عن طريق المصارف والشركات تاركين لليهود الاستئثار بها والتصرف فيها . .
وكانوا مكتفين باللياذ باضرحة الاولياء والصالحين وتوابيتهم وبترتيل الاوراد والعزائم ، مستغنين عن السعى والتدبير وعن الجهاد والاجتهاد
ونتج عن ذلك كله ان انقسم العالم فى بداية القرن التاسع عشر الى حضارة حديثة فى الغرب وحضارات قديمة فى الشرق الذى ينتسب اليه المسلمون . فتخلفوا عن ركب الحضارة في العلوم والاختراعات والصناعة والتجارة الحديثة . وتخلفوا بالتالى فى وسائل التنظيم والادارة . واصبحوا فى مقدمة الاهداف التى اتجهت اليها حملة الغرب الاستغلالية والاستعمارية.
الدين أول عامل لليقظة والاصلاح :
وكان لصدمة الاستعمار ان ايقظت العالم الاسلامى من غفلته وإشعرته بالنقص الذي جعله عرضة لكل طامع جبار . ومن حسن حظ الامم الاسلامية فى المحنة التى مرت بها فى عصر الاستعمار ان كانت لها عصمة واى عصمة وهي " عصمة الدين " كما يقول عباس محمود العقاد : ) 2 ( " عصمها لانها لم تهلك هلاك الامم التى حرمت مقومات الحياة . . فاستسلمت ويئست وايقنت انها اقل من سائر الامم فى جميع الصفات وانها محتاجة من تلك الامم الى كل شىء .
وعصمها لانها لم تهلك هلاك الامم التى تجهل حاجتها وتغفل عن نقصها لان نزولها منزلة العبودية كاف وحده لتعريفها بتبديل حالها وقبولها ما ليس ينبغى ان تقبله وتستقر عليه " .
ويضيف عباس محمود العقاد قوله :
" بقى لها شىء يوحى اليها انها ليست ضائعة محرومة من كل شىء بعد حرمانها العلم والثروة والسلاح والحرية والمكانة السياسية .
ولم يكن هذا الشيء كبرياء الجنس العمياء او كبرياء الحيوانية فى الانسان بل كان شيئا يليق بالانسان لانه منوط باشرف مزاياه وهى مزية الضمير والوجدان . بقى لها الايمان بدينها . . . "
هكذا يقول العقاد . وهكذا تظهر مزية الاسلام على معتنقيه ، وهكذا يتبين
اختلاف الفتوحات الاسلامية عن غيرها من الفتوحات الاخرى التى مر بها ما يسمى العالم العربى والاسلامى اليوم
وليس اعمق مما ذكره المجاهد الاكبر فى هذا الشان ، مبينا النظرة الحقيقية التى يجب ان ينظر بها الى الاسلام ، حيث قال : ) 3 (
" اننا عندما ننظر للتاريخ نجد ان هذه البلاد واى بلاد العالم العربى والاسلامى شهدت مرور كثير من الفاتحين والشعوب والاديان . فلم تندمج مع شعب او دين او دولة الا عندما حل بها المسلمون . اذ لما قدم اليها العرب ناشرين الاسلام المعلن مساواة المسلمين بعضهم مع بعض بمجرد اعتناق الاسلام وتمتعهم جميعا بنفس الحقوق وتحملهم لنفس الواجبات سواء بسواء مع المسلم الاول الفاتح والصحابي ومن معه اندمجت البلاد واهلها فى الاسلام ، والعروبة . هذا الامر العظيم الذي لم يحصل الا فى الاسلام والذى لم تحققه رومة من قبل رغم انها حكمت البلاد طيلة قرون قد استطاع العرب بواسطته ان يدمجوا البلاد في الاسلام خلال بضع سنوات لانهم لم يأتوا حبا للمتعة او سعيا للقهر ، بل قدموا لبث عقيدة ونشر دين واعتبروا ان كل من اعتنق تلك العقيدة اصبح اخا لهم واحد افراد الاسرة الكبرى . وهذا الحدث العظيم الذي حقق التحول الكامل والاندماج الكامل هو الذي جعلنا اليوم لا نعرف على وجه التحديد هل ان اصلنا بربرى او قرطاجنى او غيره . لكن الامر الثابت هو اننا جميعا نعتز بعروبتنا وبالاسلام فالدين الاسلامى والعقيدة الاسلامية هى العامل الاساسي لرد الفعل بعد الصدمة وللنهضة بعد الركود والتقدم بعد التقهقر . "
وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز " وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم " فكان فى كره العرب والمسلمين للاستعمار ما حفزهم على مقاومته وابدال شره بخيرهم
ويقول ايضا : " لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم " فهب المسلمون من ركودهم وسباتهم وغفلتهم وسعوا لاصلاح ما بانفسهم حتى يصلحوا حالهم
وهكذا يقول ايضا الرسول صلى الله عليه وسلم " اعمل لدنياك كانك تعيش ابدا واعمل لاخرتك كانك تموت غدا " فسبق الدنيا على الاخرة وحرض على العمل للدنيا كما للاخرة على اساس الوجود الابدى
وهكذا يجد المسلمون اسباب نهضتهم فى الايمان بدينهم وفى فهمهم اياه الفهم الصحيح
حركات الاصلاح :
على ان حركات الاصلاح فى الاسلام كانت متنوعة
فمنها الديني البحت كالدعوة الوهابية التى ظهرت بشبه جزيرة العرب والدعوة السنوسية التى ظهرت بالجزائر ثم بليبيا وكلتاهما تنبذ البدع والخرافات والمغالاة في تعظيم الاحبار والاولياء . مع الملاحظة ان الشيخ السنوسى ، بخلاف الغالب على مشائخ الطرق ، كان خبيرا بأحوال السياسة العالمية . فكان يتوقع احتلال الايطاليين فى يوم من الايام فاوغل بمقامه فى واحة الكفرة على طريق السودان ليشرف من ثم على تعليم اهل الصحراء جنوبا وشمالا وشرقا وغربا ويهىء فى جوف الصحراء ملاذا لمن تقصيهم غارات المستعمرين على السواحل والمدن
ومن دعوات الاصلاح ايضا الدعوات الفكرية التى كان من روادها الاولين جمال الدين الافغانى وتلميذه محمد عبده
فقد كان هذان الرائدان يدعون الى تخليص الدين من البدع والخرافات والخروج به من مرحلة الكهانة والانعزال عن الحياة فى الجوامع والمدارس الدين وذلك بتجديد الاسلام وربطه بالحياة العصرية والدعوة الى الايمان بالعلم الحديث . وكان جمال الدين الافغاني يدعو الى " الجامعة الاسلامية " وذلك لا يعنى توحيد الحكومات وضمها جميعا الى حكومة واحدة وانما مراجعة احوال الامم وحملها على الكف عن التناحر وعلى التوفيق بينها حتى تتقى شر الدسائس على بلادها والمطامع فيها . كما كان يدعو الى الثورة على الحكم المطلق والى تعويضه بالحرية والديموقراطية وتمكين الشعب من المشاركة فى الحكم ومراقبة الحاكمين .
واما محمد عبده فقد كان يرى امام فساد الجو السياسى من حوله انه لا امل لاصلاح حال المسلمين بالوسائل السياسية وخاصة بعدما وقع اضطهاده وتشريده لمشاركته في الثورة العربية . وكان يؤمن كل الايمان برسالته العلمية الدينية وقد حدد اهدافه فى فكرتين رئيسيتين:
الفكرة الاولى : هى محاربة الخرافات التى انتشرت فى حياة جماهير المسلمين العقلية والواقعية .
واما الفكرة الثانية فهى الاهتمام باقامة العقيدة على اساس النزعة العقلية لا النزعة الغيبية .
وكانت هذه الفكرة الاخيرة تهدف الى القضاء على العداء التقليدى الموروث التى تراكم خلال اجيال طويلة بين العقل والدين وبالتالى بين الحضارة الحديثة وبين العقلية الاسلامية فى عهد انحلالها وانحطاطها
ولقد كانت هذه الفكرة الثورية تهدف الى اعادة الايمان بالعقل وافساح المجال امامه الى الابتكار والعمل بعد ان كانت الروح المسيطرة على الحياة هي روح التسليم بالواقع وعدم القدرة على تغيير هذا الواقع باعتباره صورة من ارادة عليا لا تقبل المناقشة او التمرد .
وهكذا انصرف محمد عبده بكل ايمان وعزيمة الى رفع التحجر عن العقل ، وذلك باجازة الاجتهاد وتغليب العقل على التقاليد وتفسير المسائل الدينية تفسيرا يطابق العلم الحديث واصدر عدة فتاو منها مثلا الاجازة فى امر صناديق التوفير . .
وبالرغم من ان حركة جمال الدين الافغانى ومحمد عبده لم تأت أكلها كاملا ولم تقو شوكة المسلمين وتقهم شر الاستعمار فانها كانت بذرة طيبة لتخليص الاسلام مما لحقه من تشويه وللرجوع بالمسلمين الى الايمان الاصلي الصحيح وللعمل حسب ما يمليه الفكر الثاقب وما تقتضيه المصلحة وما يستحقه العلم .
وقد اكتست الدعوات السياسية فى القرن العشرين صبغة اشمل وكان لها اثر اعمق من الدعوات التى سبقتها فى القرن التاسع عشر
وكان ايمان الامم الاسلامية بذاتيتها هو الحافز على النضال من اجل حريتها وسيادتها واستقلالها .
كما اقتنعت أنه لا سبيل لها دون العلم لبلوغ اهدافها
وكان محمد على الكبير سلطان مصر اول من تفطن الى سر قوة الافرنج الذين غزوا بلاده على يد نابليون
ففكر في القيام بحركة اصلاحية واسعة النطاق وجلب اساتذة ومهندسين من الخارج وارسال بعثات طالبية الى اوربا حتى يقع تلافى اسباب التاخر والانحطاط وتلتحق بلاده بالبلاد الاوربية
وفي تونس حاول خير الدين تلافى الخطر المحدق بالبلاد التونسية على اثر احتلال فرنسا للجزائر وظهور نواياها التوسعية الاستعمارية فاسس مدرسة عصرية وهي المدرسة الصادقية فى عام 1875 ايمانا منه بان الدراسة على ايدى الشيوخ على النحو التقليدى لن تفضى الى نتيجة . وان تفوق الفرنسيين ناتج عن تفوقهم فى العلم والتكنيك وبعبارة اخرى عن العلوم العصرية وعن نظرة جديدة الى الحياة .
وبعد التحرر السياسى اخذ العالم العربى والاسلامى يتوق الى التحرر الاقتصادى والاجتماعى والثقافى ، وهكذا دخل فى طور الثورة الحق الثورة الشاملة .
ففى عام 1927 تأسست جمعية " الاخوان المسلمين " فى مصر وانتشرت فى كافة بلدان المشرق العربى حتى بلغ انصارها فى عام 1948 بما قدر بمليون عضو
الا ان هذه الجمعية سريعا ما انهارت فى عام 1954 وقد كان الاخوان المسلمون متغالين ومتعصبين فى دعوتهم التى لم تكن بالمعنى الصحيح . وهم يطالبون بخلافة اسلامية وبنظام جمهورى دينى وبالرجوع الى نص القرآن دون روحه . وشعارها هو " الله رائدنا والرسول قائدنا والقرآن دستورنا " . وقد حملها تطرفها الى عدم التأخر عن القيام بالعنف والارهاب لبلوغ اهدافها، مما ادى الحكومة المصرية وقد استهدف رئيسها جمال عبد الناصر رصاص عصاباتها الى حلها وتشتيت انصارها
وفى تركيا قامت ثورة مصطفى كمال على التقاليد الدينية والاجتماعية بانقلاب متطرف تطرفا من نوع اخر ولم يتغلغل قط هذا الانقلاب الى ضمير الامة التركية . وقد ادى هذا التطرف الى تمسك الاتراك بالدين تمسكا قويا يكاد يكون غريزيا وهذا ما يدل على ان الاعتدال بين ثورة مصطفى كمال وتقاليد الجامدين اصلح لتركيا من ايام الخلافة ، المتداعية وايام الثورة الكمالية الاولى
وفى تونس لما استرجعت البلاد سيادتها واستقلالها ، انكبت الامة على مقاومة التخلف فى شتى مظاهره بقيادة رئيسها وتحت لواء حزبها
وكانت للخطوات الجريئة التى اتخذها المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة فى خصوص تحرير المرأة وحل الاحباس وغيرها من العوائد الاجتماعية والأوضاع الفقهية مما حمل بعضهم على المقارنة بين الثورة الكمالية والثورة البورقيبية . الا انه شتان ما بين الثورتين . فثورة مصطفى كمال محاولة لطى صفحة الماضى بأكملها . وكانت بمثابة رد الفعل على كل ما هو عربى وذلك نتيجة لثورة العرب على تركيا العثمانية ابان الحرب العالمية الاولى . بينما يرى المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة " ان العبرة ليست فى ان ناخذ عن غيرنا منتوجات الحضارة او الوسائل الفنية لانتاج منتوجات الحضارة بل العبرة فى ان نبعث فينا من جديد اداة خلق الحضارة نفسها ، واصل انتاج منتوجاتها الذى هو العقل " ) 4 (
ويرى المجاهد الاكبر ان التخلف الذى تعانيه تونس اليوم كبقية البلدان العربية والاسلامية هو قبل كل شىء تخلف فى العقول وتخلف فى القيم كما يرى انه لا سبيل الى الخروج من ذلك التخلف الا اذا اصلحت اداة التفكير وانتقلت
من الجمود الى الحركة وقضى على الانحلال فى القيم والاخلاق . ومن حسن الحظ ان الدين ليس عرقلة فى سبيل الرقى اذ هو دين دنيا واخرة على حد السواء
فهو يقول " وينبغى ان يكون الدين فى نطاق العقل المفضى للحق والضمير الهادى الى الخير ، قوة دافعة للبشر نحو تحسين اوضاعهم وتوسيع معلوماتهم وتعزيز طاقاتهم "
كما يقول ايضا " وتصدينا الى تصفية العقلية الدينية من كل الشوائب التى داخلتها طوال عصور الانحطاط قصد ارجاع الحيوية اليها والقدرة على ايجاد الحلول الملائمة للاوضاع المتجددة
وما كان هدفنا من ذلك سوى النهوض بمفهوم الدين والملائمة بينه وبين مقتضيات الحياة "
على ان المجاهد الاكبر يرفع كل التباس قد يحوم حول هذه الفكرة الثورية فيقول " واننا نحذر كل التحذير من ان يقع الالتباس بين الدين وما اتصل به من البدع والجمود ومختلف الريب كما ننبه الى ان مقاومة العوائد الفاسدة والتخلص من رواسب الانحطاط يجب ان لا يفتح الطريق الى التنكر للدين او يكون ذريعة للتحلل من مقتضيات الايمان "
فماذا كانت نتيجة هذه النظرة الجديدة للدين وفهمه الفهم الصحيح ؟ قد اجاب المجاهد الاكبر نفسه على هذا السؤال فقال : " اننا اقبلنا على جملة من عوائدنا الاجتماعية ومن اوضاعنا الفقهية فسلطنا عليها العقل ، والنظرة التاريخية الحركية ولم نتردد في مقاومتها او ادخال التطويرات اللازمة عليها . وهذا ما هدانا إلى العمل على تحرير المرأة من ربقة العوائد الفاسدة التى ابقتها طوال قرون تحت الححاب ، معزولة عن الحياة ، رئة معطلة فى صدر المجتمع وأدانا إلى مراحعة تشريع الاحوال الشخصية بما اكمل حقوق المرأة فى ميادين الزواج والطلاق والميراث . كما ادانا الى مراجعة التشريع المتعلق بالاحباس التى صارت بحكم وضعها اراضى مواتا ، تعطل فيها استثمار قسم كبير من مواردنا الطبيعية وكانت من اسباب اصابة امكانياتنا الزراعية بالتخلف والتلاشي ) 5 ( وهكذا امتاز الاصلاح الذى نادى به المجاهد الاكبر باعتباره رئيس دولة اسلامية لا محل فيه لما يسمى " باللائكية " عند مفكرى الغرب . . امتاز بتأكيد النزعة التطورية الاصيلة فى الاسلام
فالاسلام فى نظر المجاهد الاكبر يرتكز على اساسين اولهما الوحى الذى لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وثانيهما العقل الذى مكن المجتهدين من التصرف فى أحكامه مراعاة لمصالحهم الحيوية
وعلى الاساس الثاني ازدهر الاسلام فى عصوره الاولى ثم اصابه الركود والانحلال لما ظهرت البدع والتفسخ الاخلاقى والانحلال الاجتماعى ، حتى عزلت الحياة المدنية عن الحياة الدينية ، واتخذت الدول الاسلامية فى نظمها واحكامها شرائع اجنبية ما انزل الله بها من سلطان ، فعم الجور وسادت الفوضى الا انه ما ان طلع فجر النهضة الحديثة فى اواخر القرن الماضى حتى انبعث الدعوة الى العودة الى المبادئ الاسلامية ، بمقاومة البدع الضالة ، وتحرير الفكر وفتح باب الاجتهاد من جديد .
على ان تحرير الفكر وفتح باب الاجتهاد لا يعنى الاعراض عن مبادئ الاسلام بل تفهمها حق التفهم وفك جوهرها مما اتصل بها من اثار الاعتبارات العرضية التى لا تتلاءم مع مقتضيات العصور وتطورها .
فالاسلام دين العقل ودين الحياة . وهو ليس بعرقلة فى وجه الرقى . وهو بما فيه من روحانيات ، ومن عقائد مرجعها القلب بمعناه العاطفي لا يهمل امور السلوك والحياة اذ فيه من الشرائع ومن القوانين الاجتماعية ما ينظم الغرائز ويحفظ التوازن بين الخير والشر . وهو أمر موكول الى عقل الانسان وعمله وملاءمته مع مصالحه وتقدمه المستمر
ولكل تلك الاسباب لا يشذ القرآن عن الانطلاق فى التفكير والفلسفة ، ولا يقيد البحث والسؤال عما فيه خير المجتمع بل انه على العكس من ذلك يحرض على العلم . وقد قال سبحانه وتعالى " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون "
كما تحرض السنة على العمل بالدنيا والاخرة على حد السواء بل انها تقدم الاولى على الثانية . وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم " اعمل لدنياك كانك تعيش ابدا ، واعمل لاخرتك كأنك تموت غدا "
الاسلام والاشتراكية :
وعلى ضوء هذا المفهوم الصحيح للاسلام الذى يجمع بين الايمان والعقل والذى لا يفصل بين الدنيا والاخرة يمكن تبرير اختيار للاشتراكية كمذهب في الحياة . فالاشتراكية يمكن اعتبار عدة نواح منها استمرارا للتعاليم الدينية .
واهم هذه النواحى هى ناحية التكافل الاجتماعى
وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم " مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " .
ويعتبر مبدأ التكافل هذا من الوسائل الفعالة فى تحقيق السعادة للانسان سواء من ناحيتها المادية او الروحية
كما انه يعنى ان كلا من الفرد والمجتمع ضرورى ويستحق الاهتمام . فالفرد يكفل المجتمع والمجتمع يكفل الفرد وفى ذلك سعادة الفرد وسعادة المجتمع فى آن واحد .
ولهذه الوسيلة الاخلاقية المتمثلة فى التكافل الاجتماعى نتيجة منطقية وحتمية وهي تحقيق العدالة الاجتماعية . وبما ان العدالة الاجتماعية هى غاية الاشتراكية لان الدين يمكن اعتباره منبع الاشتراكية المثالية
على ان الدين لم يكتف بالمبادئ والتحريض بل هو يسن تشريعات ملزمة كما يتبين ذلك من موقف الاسلام من الملكية مثلا التى يعتبرها وظيفة اجتماعية . فالملكية ، كحق ممنوح للفرد ، يقيدها الاسلام بمصلحة الجماعة وهي ان اضرت بهذه المصلحة او تعارضت معها ، اصبحت ملكية غير مشروعة . ومن ثم يتحتم انتزاعها او الحجز عليها .
وقد قال الله فى كتابه العزيز : " ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التى جعل الله لكم قياما "
ومن هنا فالملكية المشوهة فى نظر الاسلام هى غير المستغلة ، والتى لا تخدم الصالح العام . والى جانب ذلك فان الدين لا يرضى بترك الارض مواتا ويقر مبدأ " الارض لمن يخدمها" ، وقد قال عمر رضى الله عنه : " من عطل ارضا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهى له " ومن جهة اخرى يقر الدين الملكية العامة للموارد الطبيعية . وقد جاء فى الحديث الشريف " الناس شركاء في ثلاثة : الماء والكلاء والنار " .
والمهم في الايات او الاحاديث السابقة لا حرفية النص التى هى وليد عصرها بل المبدأ . فاذا كانت الملكية تحبس الموارد الطبيعية عن الناس او تتحول إلى وسيلة للتحكم فيهم فانها تكون ملكية باطلة غير مشروعة . ومن هنا اجاز الاسلام انتزاعها او تحديد شروط استغلالها . فللحاكم أو للقاضى ان يتصرف في هذه الملكية بما يحقق الصالح العام . وهذه هى وظيفة الدولة فى النظام الاشتراكى
والمبدأ هو الذي يجب القياس عليه بالاجتهاد . ففى ذلك وفى ذلك فقط اصلاح حال المسلمين ووسائل تقدمهم المستمر حتى يلتحقوا بركب الحضارة ويساهموا فيها كما ساهموا من قبل
ولهم في ماضيهم الزاهر احسن اسوة وفى دينهم الحنيف اعظم ثروة

