قرأت في " تاريخ الطبري " وغيره . . حديث " نمرود " الذي دعاه ابراهيم عليه السلام الى عبادة الله وحده فاستكبر " وحلف بانه يطلب اله ابراهيم . فأخذ اربعة افرخ من فراخ النسور فرباهن باللحم ، والخمر ، حتى اذا كبرن وغلظن واستعلجن ، قرنهن بتابوت ، وقعد في ذلك التابوت ، ثم رفع رجلا من لحم لهن ، فطرن به ، حتى إذا ذهبن فى السماء اشرف ينظر الى الارض ، فرأى الجبال تدب كدبيب النمل ، ثم رفع لهن اللحم ، ثم نظر ، فرأى الأرض محيطا بها بحر ، كانها فلكة من ماء . ثم رفع طويلا ، فوقع فى ظلمة ، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ، ففزع ، فالقى اللحم ، فاتبعته منقضات ، فلما نظر الجبار اليهن . وقد اقبلن منقضات وسمعن حفيفهن ، فزعت الجبال ، وكادت ان تزول من امكنتها .
وفي " قصص الأنبياء " لاحمد بن محمد بن ابراهيم النيسابورى الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ ه وردت هذه القصة وفيها بعض تعديل أو تحريف . . لا محل لتفصيله هنا ، ولكنه قال عن " افرخ النسور " : ان النمرود . علفها اللحم والخبز " فوضع كلمة ) الخبز ( بدلا من كلمة : ) الخمر ( الواردة في تاريخ الطبرى ولعله من تحريف النساخ أو الطابعين
فاذا صح ما رواه اولئك المؤرخون عن النمرود فان ما قام به يعتبر من المحاولات الاولى للصعود الى الاعالي . . ولما كانت هذه المحاولة - التى قام بها المذكور - تحمل تحديا والحادا . . تحديا لخالق السموات والأرض والحادا في الايمان به فقد أخفقت التجربة ونال القائم بها العقاب الذي يستحقه حسب ما رواه التاريخ لنا . . وفي ذلك عبرة للمعتبرين
واليوم ، ونحن نقرأ في الكتب والصحف . ونسمع فى الاذاعات ، ونشاهد في المرناء ) التلفزيون ( انباء الرحلات الفضائية الرامية الى بلوغ الانسان ، القمر وما بعده من الكواكب ، تذكرنا ما كنا قرأناه فى كتبنا القديمة التى تكاد لا تترك شاذة ولا فاذة في ميادين العلم والعمل الا طرقتها على طريقتها الخاصة او العلمة
وقد لفت نظرنا ورود الخبر عن " النسر " فى رحلة النمرود الى الفضاء ابتغاء ادراك السماء . . واسترعى انتباهنا ، خاصة ما ورد في الانباء ايضا فى الآونة الاخيرة عن الرحلات القمرية الحديثة التى قام بها بنجاح الرواد الامرييكيون وغيرهم وخاصة منها ما تم فى العام المنصرم - ١٣٨٩ ه - ١٩٦٩ م فقد ورد في الكتيب المصور المطبوع باللغة العربية الذي اصدرته " وكالة الاعلام
الامريكية " ووزع على مشاهدى قطعة الصخور القمرية فى الحفل المتحدث عنه فيما بعد بالجامعة الاهلية للملك عبد العزيز بجدة ، ورد في ذلك الكتيب ما نصه : " واذ دخل ارمسترونج ، والدرين ، مركبة الهبوط على القمر التى دعيت باسم ) النسر ( قاد كولينز " كولومبيا " متباعدا بها ، لتجيء اللحظة الشائكة الدقيقة لحظة انفصال المركبة ) النسر ( وطيرانها لوحدها - وحدها -
وقد اضاف الكتيب الى ما ذكر ، قوله : ) واصغي العالم كله باهتمام الى ارمسترونج وهو يعلن بعد دقائق قليلة : " ان للنسر اجنحة ، .
ثم في مكان آخر من الكتيب نفسه وردت هذه العبارة ايضا عن النسر ) النسر يغادر القمر الى الامام ( ٥،٦،٧،٨ - مرحلة انفصال الطبقة العليا من المركبة .
كما لفت نظرنا ما ورد فى كتاب الطبرى من أن نمرود بعد ما أمعن فى الارتفاع فى الفضاء ) وقع في ظلمة فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ( . . وهذا نفس ما حدثنا به رجال الفضاء اذ ذكروا انهم حينما اعتلوا الى مكان عينوه وقعوا في جو مظلم كالذى يصفه تاريخ الطبرى قبل عدة قرون
فهل هناك علاقة ما ، بين المبادئ الخبرية والعلمية التى قامت على أسسها رحلات الفضاء الحديثة الى القمر ، فالكواكب الاخرى ، وبين رحلة نمرود القديمة اذا ثبتت علميا - صوب السماء ؟ هذا بحث عميق يحتاج إلى دراسات عميقة ومتشعبة لجذور رحلات التاريخ الفضائي في العالم الحديث ، الاولى من طريقة علمية بحتة وطرق
الاستلهام الاولى لفكرة الرحلات الى الفضاء التى لم يرد عنها شئ فيما كتب حديثا حول هذه الرحلات ، وحول تدوينات العلماء المسلمين الذين تحدثوا عنها اذا اقتصر الغرب اليوم على علماء الغرب الذين اسهموا بعلمهم وكشوفهم فى القيام بها على ما يحدثنا به كتيب الى القمر والكواكب الاخرى وغيره من الكتب والصحف والنشرات والاذاعات .
هذا ، ومما يهم الباحثون والمستطلعون معرفته ما اشار اليه كتيب ) إلى القمر والكواكب الأخرى ( حيث يقول : ) هذا وقد جرى جمع زهاء ٢٣ كيلوغراما ، من صخور القمر ، وتربة سطح القمر ، لدراستها من قبل العلماء . . أما الصخرة التى تظهر فى الصورة السفل لى ، فهى محببة وشبيهة بأنواع عديدة من الصخور البركانية النارية ( الموجودة فى سطح القمر (
ولم أر أن أمر على هذه العبارة ، وانا فى حفل الجامعة الاهلية مرورا عابرا ، بل قلت فى نفسى : لا بد من المعاينة والتجربة . .
ولذلك وقفت مليا أتأمل القطعة الصغيرة المأخوذة من بعض صخور القمر ، والمعروضة عرضا فنيا ، اذ كانت تدور دورانا هادئا بمحرك ، كيما يرى المشاهدون جميع ابعادها . . فتبين لى احقية وصف الكتيب لها . .
فهى محببة ، وشبيهة بالحجارة والصخور البركانية . . الموجودة على سطح الارض ، وقد استبان لى ان فى القطعة المعروضة ذرات براقة كالماس تتناثر فى داخلها وتطل من الداخل ، كعيون القطط البراقة في الظلام . .
وهي بصفة خاصة تشبه الصخور الناتئة في
الحرة القريبة من محطة ذهبان بطريق جدة - المدينة المنورة عن يمين الذاهب من جدة الى المدينة . . كما تشبه بوجه عام ، جبال تيماء البيضاء بياضا غير ناصع ، وجبال عمان عاصمة الاردن التى بنيت منها هذه المدينة فى سابق عهودها القديمة ، فسميت من اجل ذلك باسم ) فلادلفيا ( اى المدينة البيضاء .
تم بنيت بها حديثا فزادها ذلك جمالا على جمال . فهى فيلادليا بلاد العرب في هذا الزمان . .
ومشابهة صخور القمر لصخور الارض البركانية المحترقة ، وما تحدث به العلماء من سقوط النيازك على ارض القمر وأثر ذلك فى تشكلات ارضه وكل ما يتعلق بذلك يوصل الباحث لا محالة الى الايمان بقدرة الله عز وجل ، وانه خالق هذا الكون ، والى تصديق كلامه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . .
فقد جاء فى القرآن المجيد قوله تعالى استدلالا على قدرة الله تعالى التى لا تحدو دعوة للملحدين الى الايمان به وحده تعالى : ) او لم ير الذين كفروا ان السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ( ) سورة الأنبياء ( . قال الامام ابن كثير فى تفسير هذه الآية العظيمة ما نصه : ) او لم يروا ان السموات والأرض كانتا رتقا ( أى كان الجميع متصلا بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الامر ، ففتق هذه من هذه ، فجعل السموات سبعا ، والأرض سبعا ، وفصل بين السماء الدنيا والارض بالهواء فامطرت السماء وانبتت الارض . . ولهذا قال ) وجعلنا من الماء كل شئ حتى افلا يؤمنون ( أى وهم
يشاهدون المخلوقات تحدث شيئا فشيئا عيانا ، وذلك دليل على وجود الصانع الفاعل المختار على ما يشاء ( ا ه
وهذا الذى يفسر به الامام ابن كثير هذه الآية العظيمة فى القرآن العظيم ، ليس ما يقوله علماء العصر الحاضر ببعيد عنه . . اذ توصلوا من بحوثهم العلمية الى نظرية انفصال القمر من الارض فيما قبل ملايين السنين ، وقد دل عليه ما شاهده الرواد الثلاثة وما جلبوه معهم الى الارض من صخوره المماثلة لتكوين صخور الارض فى بعض اجزائها وصخورها البركانية . وهذا من وجه عام يدل دلالة واضحة على ان القرآن كلام الله خالق الكون ، وانه جل وعز محيط بعلمه كما يدل على ان دين الاسلام هو الدين الخالد الذى لا تحوم حوله شبهات التضليل والتحريف والباطل والزيف .
ويقول ارمسترونج وهو على سطح القمر : " ان سطح القمر ناعم ومغير ، ويتسم بجمال ابلق خاص به . . انه رائع الجمال ( .
فلتطمئن قلوب ) شعراء القمر ( المتغزلون بجماله والهائمون بروعته . . فقد تحقق جماله عيانا من قول ارمسترونج الذي كان يلامس ويشاهد سطحه فوصفه بانه رائع الجمال ، وانه ابلق الجمال . . والابلق هو الأبيض .
وبياض سطح القمر اذا كان ما فى الصور المرسومة بكتيب الى القمر تمثل حقيقة لونه - هو من نوع البياض الغائم الذي تسميه العامة شاي بحليب. . اي الابيض المائل الى الدكنة الفاتحة . . وهذا هو لون الصخور الجيرى الحرية البركانية على سطح الارض ،
كما هو مشاهد وقد يزيد جمال القمر ألقا عما على سطح الارض بذراته المشرقة التى تخالط بياضه والكامنة فى صخوره وربما ترابه عامة ايضا فهى تكسبه جمالا على جمال ، كالتى شاهدناها فى القطعة الصغيرة المأخوذة من احدى صخوره المجلوبة منه الى الارض .
واخيرا فليهنا عشاق جمال القمر ، وليفرحوا بهذا النعت البليغ الذى نعته به أحد رواده وهو واقف مباشرة على سطحه .
وليستمروا مطمئنين فى تغزلهم به وفي تشبيه الوجوه النضرة بجماله الفتان ، كما كان اسلافهم يفعلون عبر القرون . . بل ان لشعراء اليوم
وقصاصيه ووصافيه ان يتضاعف افتتانهم بجمال القمر ، لانهم عاشوا فى عصر ارتياده وها هم اليوم يصغون على سطح الارض وهم فى دورهم وشوارعهم ومتنزهاتهم ومدارسهم الى أحد رواده وهو يصفه من على سطحه بانه ذو جمال رائع . أما أسلافهم القدامى فلم يهيأ لهم الاستمتاع بهذا الاسكتشاف العظيم ، وغاية امرهم انهم كانوا يرجمون بالغيب فيصفون الجمال القمرى وهم بعيدون عنه بمئات ألوف الاميال ، وشتان بين من يصف ، معتمدا على خيال جامح مجرد ، وبين من يصف مستندا على واقع مشاهد ملموس ومحسوس .

