الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

على هامش قصص فاطمة سليم

Share

20 جانفى 1973

بعض " ميثاق السفينة . . . " وجدت اليوم ، ضمن بريدى الواصل الى كلية الآداب والعلوم الانسانية ، مجموعة قصصك الاولى " نداء المستقبل " ( دار الكتب الشرقية ، تونس ، ديسمبر 1972 ) . انك غمرتنى عطفا وتقديرا ، اذ خصصتنى بنسخة شخصية وحرصت على أن تزودى مكتبة أبنائى بنسخة أيضا . وكنت أقرأ نص اهدائك فى النسخة التى خصصتنى بها ونص خطابك الذى توجهت به الى أبنائى فى النسخة التى أصبحت من محفوظات مكتبتهم ، وان القلب ليخفق سعادة واغتباطا وحنينا الى أيام التدريس فى معهد اعداد المعلمات .

كيف اعبر لك عن عميق تأثرى لهذه العناية اللطيفة وهذه الهدية الثمينة ؟ هذه الحيرة فى الظفر بتعسر موافق ليست من العجز نابعة ؛ فلكل فكر لفظ يؤديه ، ولكل شعور كلم يجريه ، ولكل خاطر لغة تؤويه ؛ ولكنها الفكر والمشاعر والخواطر تزدحم متدافعة ، حتى فاض الخاطر بها جميعا ، فكان العجز عن المفاضلة بينها .

فى مطلع الستينات كنت تلميذة على مقاعد معهد المعلمات ، قليلة الكلام ، مولعة بالتفكير ، مثابرة على الدرس ، مواظبة على العمل ، والى المستقبل ناظرة . وكنت بحرصك على التحصيل معجبا وباجتهادك منوها ، وكنت أقول : انها ذات عقل كبير ، سيكون لها شأن خطير ...

وما كنت ، يوم احتوانى مبنى معهد المعلمات ، " أستاذ كبيرا " ولا " حكيما قديرا " ، انما كنت جادا ، واذا احتملت المزاح فليكون علة للجد ؛ وكنت ثائرا ، فى هدوء ، على الذين لا يثقفون الشباب ولكن بالتثقيف يتشاغلون ، فبذلت من الجهد ما أملك وما لا أملك ، وتكلفت من المشقة ما أطيق وما لا أطيق فى سبيل من كانوا يجلسون الى للتعلم ، حتى أشارك فى

انماء عقولهم ، واذكاء قلوبهم وازكاء نفوسهم ، وفاء " لميثاق السفينة " . . . أليس " نداء المستقبل " بعض هذا الحلم يتحقق ؟

ورجائى ان تكونى دائما على تعطش الى درك حقائق الامور وان تكونى أبدا على أهبة الجواب والمستقبل ينادى . . . ؛ انه ينادى كل من استعد لالتقاط النداء بعقل سليم وقلب كبير .

ولا أرى بأسا - وأنا أذكر جزءا من جهدى فى معهد اعداد المعلمات - بأن أتمثل ببيت لشوقى من قصيدته " جبل التوباد " فى مسرحية " مجنون ليلى " مع وجود الفارق وتغيير السياق ، وهو :

" قد يهون العمر الا ساعة وتهون الارض الا موضعا "

8 فيفرى 1974

الادب جهاد او لا يكون كانت فرصة لى سعيدة هذه التى تفضلت باتاحتها لى حتى أقرأ نصا لك مخطوطا . وليست قراءة المخطوط " الخاص " كقراءة المطبوع العام : الاولى نسغها جنى برود ، والثانية عين جارية ملك مشاع .

كأنك كرهت أن أبقى على طعم ماء العين الجارية - إن كان للماء يوما طعم ! _ أعنى كتابتك التى اخترت لها عنوان " قصة حب " ونشرتها مجلة " الفكر " منذ أسبوع ( السنة 19 ، العدد 5 ، فيفرى 1974 ) ؛ فخصصتنى فى اليوم الرابع من فيفرى بكتاب مخطوط لتخففى من عبء كأنه الوسواس ، فيه حظ من حقيقة وفيه وهم كثير ، وفيه صدق فى الاحساس هزنى طربا ؛ فشأقنى شتاء كان قد شفع " لمركبة فضائية " لونها ليل ، عقبه شتاء تسعى فيه مركبة أرضية ( لا جبلية ولا بحرية ) كالفجر لونها ، تسعى بصاحبها وهو ليس عاتبا على أحد ، ولا لائما لاحد ، وليس فى نفسه موجدة ولا حفيظة ! صاحبها وديع وان بدت منه شدة ، سليم الفؤاد وان بدت منه جفوة ؛ يومه كيومك وكيوم الناس جميعا ، فيه كثير من الجد والجهد والحرص ، وقليل من الدعة والراحة والتفريط . ولم أريد ان أكون كسائر الناس ؟ فلعل الناس

أن يكونوا على غير ما أنا عليه ؛ فلندع الناس وشأنهم ، وكل امرئ فى دربه سائر ٠٠٠

القصة المنشورة فى " الفكر " شدتنى اليها شدا ، فقرأتها حتى " الصيف الحقيقى " منذ ان " كان الفجر نديا " وما بين الفجر والصيف . فاستمتعت حينا ، وضجرت حينا ، وفهمت هنا ، وغمض على الامر هناك ، واستملحت تارة واستبردت تارة ، وقلت : صاحبة القصة على أهبة تحول فى " كتابتها " لعله أن يستبين قريبا ! فهل يستبين ؟ صاحبتها فى حاجة الى ثقافة جديدة دونها جهد جهيد وصراع ! فهل تصارع ؟ صاحبتها فى حاجة الى استقلال لا ترتبط فيه بمن يلومها لانها لم تكتب منذ زمان ، فتتأثر فتبكى فهل ستكون دموعها فى الحوادث غالية ؟ بئس الادب ينبع من اللوم ، وبئس الادب تسقيه الدموع ، فالادب جهاد أو لا يكون ...

القصة لا تهدى ، والقصيد لا يهدى ؛ ولكنهم - يا للاسف - يهدون وبالغموض يستمتعون ، فيرهقون الحروف الدالة - عندهم - على الاسماء ، ويضنون على القراء بذكر الاسماء ؛ انهم فى غير جد يهزلون .

ان جل أدبنا مازال فى أسفل درك من الرومنطيقية المائعة ، وليست كل رومنطيقية مائعة ! فقد تكون الرومنطيقية نارا موقدة ، تأتى على بالى المقاييس وواهى التقاليد ، وباطل الاقاويل ؛ كذلك ليس كل حب هادما للشخصية فيصبح القلب منه عميدا معنى ! وليس الحب وقفا على الحبيب الاول ! انه قول كذب ولعب ، الا ان يستحيل الانسان صخورا جماد ، ولن يستحيل ! ولكن هذا يفرض علينا ان نفهم معنى " الزمن " ، فهل نفهم ؟ لست أدرى لماذا أصرح بشئ من عقيدتى الادبية فى هذا المقام ! ولكن تقديرى الصادق لك ، واعجابى الصادق بمثابرتك جعلانى أقول . فليبق هذا بيننا ميدانا مفتوحا ...

وانى لا أجد حرجا فى أن أذكر لك شعرا جديرا بالبقاء ، ولا يضيره أن لا يكون الدهر له راويا أو منشدا :

حين أقبلت والهوى فيك يحبو    كان حبى يفنى ونارى تخبو

قلت لى : بى أسى فهل منك نصح   وبنفسى داء فهل منك طب

جئت تستوصفيننى فى شؤون        ما بها لى يد ولا لك ذنب

قلت ان كان للشرائع ربــــــ          مستبد أليس للقلب رب

القوانين سنها العقل فى الناس   فبين الضمير والقلب حرب

ومضت أشهر وتلك الاحاديث     يدب الهوى بها ويرب

هذا شعر ، وصاحبه شاعر ! أليس كذلك ؟

2 نوفمبر 1974

الادب الحق يستوجب التأويل ... وصل الى اليوم بريد غزير فيه رسائل من بلدان مختلفات ، ودعوات الى معارض ثقافية وملتقيات دراسية ، وكتب ونشريات ، والعدد الثانى من مجلة " الفكر " فى سنتها العشرين ( نوفمبر 1974 ) ، فنظرت فيه ثم قرأت من فصوله وقصائده وقصصه ما خلته بالعناية جديرا أو ببعض العناية ، وهمنى منه ، على الخصوص ، قصتك " سكة نحو الجنون "

قرأت هذه القصة سرا ثم قرأتها همسا ثم قرأتها جهرا ؛ وفكرت فى أمرها ثم قلت فى نفسى : هل سلكت صاحبتها فى " كتابتها " مسلكا جديدا ؟ أم هى ما انفكت سائرة فى درب تجربتها الاولى ؟ هل ابتدعت مضمونا جديدا يزاوجه " شكل " جديد حتى تستبين " رسالتها اللغوية " فى " الابلاغ " ؟ أم هى مازالت تنظر فى واقعها المحدود لتشتق منه قصصا قد يتيه فى تأويلها القراء ، فيعحبون بها أو سأمون منها ، أو يخرجون بالصمت عن الاعجاب والسآمة ، لانهم لم يهتدوا الى وجه يفككون به " الصياغة الكلامية " فضاع عنهم " الدال " و " المدلول " .

يبدو لى ان اول ما يلفت القارئ الدارس لقصتك " اسلوبها " او " صياغتها الكلامية " ؛ ان فيه حرصا على " السياق " ودقة ، وشيئا من التجديد المقصود ؛ " البحر " و " القبس اللاهب " ألبستهما دلالة يدركها القارئ بفضل دقة التصوير ودقه اللغة فى التعبير عن المعانى التى تمارسين ؛ وهذا توفيق يحفظ لك ، فاذكريه .

أما " البناء الداخلى " او " شكل القصة " فهو نابع من مضمونها ؛ انه مضمونها . وهذا المضمون ، ان أتيح لى ان أفهمه او أن أؤوله فأدرك مدلوله ، قديم عندك قديم ؛ فالقضية فى جل قصصك هى هى ، والمحاور هى هى ، والطلاسم كذلك هى هى ، و " الكلام " هو هو ؛ ! نعم انك مازلت ، فى رأيى ، تعبرين عن ذاتك فى حيرتها وشكواها ، ووجدانها ونجواها ، وماضيها الذى يكبلها ، وحاضرها السجين فى عمر ماضيها . كذا تنشأ " سكة نحو الجنون " ؛ فمتى تنسف حتى تبنى مكانها " سكة نحو الوضوح " .

انك قد تحسنين ممارسة الاسلوب ، وعليك الآن أن تمارسى " الكتابة " ؛ وكلا الامرين له معطياته من دون شك ؛ وما أظن الا أن الكتاب والباحثين جميعا يعرفون ذلك . ومهما يكن من شئ فلا بد لك من استصفاء الحساب مع " البناء الداخلى " .

انى أقرأ قصتك هذه ، كما قرأت قصصك المجموعات فى " نداء المستقبل " فلا أجد اتحادا بن " الشكل " والمضمون ؛ أنهما لا يبلغان " الذروة القصوى " فى " الانسحام " ألم ترى أن بطلك وبطلتك - ان صح أنهما بطلان - كأنما أصابهما صمم ؟ فلا تجاوب بينهما ، ولا تصارع ، ولا انسجام ( فى غير المعنى الذى ذكرت عن " القبس اللاهب " ) ؛ ان الحوار شبه حوار ، هو سرد لا يوجه القارئ الى ادراك " البلاغ " ؛ ان القارىء يصيبه " الدوار " ( فى غير المعنى الذى ذكرت عن " النبتة الضامئة تبعث من جديد " ) ، لانه لا يفهم او لانه لا يجد إلى التأويل سبيلا ، وليس له ان يفهم نصك - فى شكله الراهن - او أن يجد وجها الى تأويله الا اذا كان أنت ؛ وهيهات له ان يكون .

والعناوين التى ضمنتها فى سياق النص ، أهى ذات جدوى لفهم القصة أو تأويلها ؟ انها تزجية فراغ من الخير أن يبقى فراغا .

" ثمان واربعون . . . " ! عسير على القارىء ان يفهم ، لان " نظام الابلاغ " فى " كتابتك " عسير . . . ؛ جملتك ينقصها " التمييز " بالمعنى النحوى أعنى بالمعنى المنطقى ؛ هل تقصدين ضبط عدد من الناس ؟ ام تحديد سن بعض الناس ؟ أم احصاء مواقيت لا تعلمها الا انت لانك " صبرت الدهر كله وسترهقك ثمان وأربعون ؟ "

لعلى لم أفهم خصائصك الاسلوبية فغمض على بلاغك ؛ والحق أنى لم اهتد الى وسيلة بها أفهم كل ما جاء فى تجربتك هذه . ولكنى أقول مخلصا ان

كثيرا من " التجارب الرائدة " قد يعسر على القارىء العادى ان يفهمها فى آنها . فخير لتجربتك هذه ان تكون " رائدة " ولا أرى حرجا فى عسر فهمى لها . أقول هذا صادقا فاعلمية ؛ وأنت تعلمين - على كل حال - أنى لا أجد بأسا بالاعتراف بعدم الفهم ، لان ذلك بداية الفهم .

لا شك فى أن الادب الحق يستوجب التأويل . الا ان الادب المطلسم يفرض على قرائه أن يكونوا بالسحر عالمين ولاسراره حافظين . انى أشهد بأنى قارئ عادى لم يتح له أن يتعلم السحر يوما . ولو كنت " محظوظا " مثل طه حسين لاتاحت لى ظروف نشأتى الاولى فى احدى قرى الساحل - يوم كانت قرية - ان أتعلم شيئا من السحر ، كما " تعلم السحر " صاحب " الايام " فى احدى قرى الصعيد المصرى الاوسط . . .

وبعد ، فخير لك الا " تغرقى " حتى لا تضطرى الى " التنفس تحت الماء " ؛ واتركى هذا الغرق للذين يصبون أغانيهم فى آذان المستمعين اليهم ، فلا يرهفون بها الشمائل ولا يهذبون بها النفوس . . . واستصفى لك مضمونا جديدا ينبع من " شكل " جديد ؛ فالحياة كل يوم جديدة ، والبيئة ، ونحن . . .

ان لك قدرة على الاستصفاء فاطلبيها ، ومواهب فجوديها .

15 ديسمبر 1974

أصداء " اهداء " . . . منذ أكثر من أسبوع ، وصلت الى مجموعة قصصك الثانية "تجديف فى النيل " ( دار الكتب الشرقية ، تونس نوفمبر 1974 ) ، فلفتنى - فى اول صفحة من الكتاب - نص الاهداء المخطوط الذى تفضلت به على . ولاحظت ان هذا النص متميز لفظا ومعنى عن معهود الكلام فى نصوص الاهداء ، فلا أريد أن أشك فى أنه من أعماق القلب صادر ، وخلجات النفس ، ومنابع الفكر . انها الوشيجة الروحية تطغى فتصبح واقعا يذكى شوق العقل وهزة النفس وعزة الانسان .

شعرت من خلال ذلك النص - نص الاهداء - بشخصية معدنها صلب لا يذوب ولا يكسر ولا ينفرك ، ونفس حازمة عما قدمت اليها راضية . انه لفوز يشرفنى فيسلينى ، ويذكرنى فيرضينى ، ويكفينى ؛ بل ان فيه ما هو فاضل عن الكفاية .

ذكرنى اهداؤك هذا باهداء آخر يختلف عنه لفظا ومعنى ومقصدا ؛ صاحبته تكتب بالفرنسية - لانها فرنسية - ، كانت لى رفيقة دراسة عندما كنت طالبا فى فرنسا ، وكانت نفسها تطيب لمعاشرتى فأحسن المعاشرة ، وكنا فى دروس الادب المقارن نتنازع الرتبة الاولى ، بلا حقد ، فنجتهد معا فى المدارسة كانت سريعة الغضب فى دون ضغينة ، سريعة الخاطر فى غير غموض ، ثابتة الرأى مع شئ من الحيرة ، تميل الى الطمأنينة حينا والى التهمة حينا ، " لا تثق بأحد ولا ترتاب بكل انسان " ؛ وكانت تبثنى سريرة نفسها ومعانى فكرها وفيض خاطرها ثم تضبط أمرها ، بعد الاستشارة ، بدون استعارة . وهي اليوم أستاذة فى احدى جامعات بلادها ، شاقة طريقها الى المجد الثقافى بالتدريس والبحث العلمى وهى أدبية قد ركزت بعد قدمها فى النتاج الادبى ، وأهدت الى روايتها الاولى ، وروايتها الثانية ، وروايتها الثالثة وعنوانها " صورة الشمس " ( Portrait du Soleil )

الا انى ، على الرغم من استحسانى لنص اهدائها الاخير ، لم أتأثر عند قراءته تأثرى لاهدائك النبيل . فأنت صاحبة قلب كبير وصبر على المر دؤوب . وادراك لواقعك عجيب ، وثبات فى تحدى الصعاب وتحرى الحقيقة ، وجد فى العمل ومواظبة عليه ، كذا كنت اخالك يوم جلست الى فى معهد اعداد المعلمات ، وكذا أراك اليوم . . .

وليس لى ، فى هذا المقام ، أن أبدى رأيا فى مجموعة قصصك " تجديف فى النيل " . فسأقرؤها قراءة الدارس لها المتأمل فيها بعد ان قرأتها قراءة المستمتع المتملى . ومن يدرى ، لعلنا نعود اليها مرة اخرى . .

الا أنى لاحظت أنك حرصت حرصا على " اهداء " كل قصة منها الى " شخص " أو " جماعة " أو " صحيفة " ، وهذا أمر يعنيك أنت دون سواك . أما القراء - وأنا واحد منهم - فلعلهم أن يقفوا من ذلك مواقف . بيد أن الحرص على " الاهداء " قد يذهب بهم الى تأويلات تضطرهم الى ان يتعلموا " تعبير الرؤيا " . . . فان كنت قصدت الى أن تريهم حيارى يتساءلون ، فقد كان لك ما أردت! وان كان الامر على خلاف ذلك ، فأشهد بأنى لم أفهم .

" ضمائر ومتاهات " ، هذه هديتك الى ! ان الانسان فى شأنه لعجيب . . . ولعله من المفيد ان احفف الحديث هنا %

" يا ديدون . . . كنت مثالا . . . وأبيت الاستجابة لاقزام أحلامهم"

اشترك في نشرتنا البريدية