ان قصة " الدكتور جيفاغو " وما اكتنف ظروف نشرها من ملابسات لفتت انظار الادباء وأصحاب القلم في بلدان كثيرة - وخاصه فى البلدان غير الخاضعة لمنطقة النفوذ
السوفيتية - الى شخصية مؤلفها بوريس بسترناك وحملتهم على الوقوف عند هذا الاثر الادبى الذى لم يتح له الظهور بروسيا ، وتبين ما قد يلقيه من اضواء على الادب الروسى المعاصر وتطوراته . لكن هذا الاهتمام وهذا التطلع تضاعفا بعد ان اسندت الاكادمية السويدية جائزة " نوبل " لهذه السنة الى صاحب القصة ، لا تقديرا لهذا التأليف بالذات بل اكبارا للاديب الروسى الفد والشاعر الرقيق ، واعظاما لمجموع مؤلفاته التى لا يعرفها الا الواحد بعد الواحد من المثقفين فى الغرب عامة . فلما وقفت السلطات الروسية وخاصة الاوساط الثقافية فى موسكو من بسترناك موقفا عدائيا و ضغطت عليه بحيث رفض الجائزة بعد ان ابرق يشكر الهيئة التى شرفته بمنحه اياها انتقل اهتمام جمهور الكتاب والمثقفين الى النظر فى منزلة الكاتب بروسيا خاصة وبمنزلته على العموم حيثما كان ؛ وهذا ما نود ان نتعرض اليه بايجاز خدمة للادب وحرصا على توضيح السبيل الى الناشئين من الادباء في هذه البلاد .
ولعل ذلك لا يتأتى حتى نقدم للقراء - وخاصة الى ذوى اللسان الواحد الدين لم يتمكنوا من تتبع اطوار القضية في المجلات الاعجمية اللسان شخصية مؤلف " الدكتور جيفاغو " ونذكرهم بماهية القضية وبأهم معطياتها .
ولد بوريس بسترناك بموسكو سنة 1890 من أب كان يحترف تدريس الرسم بمدرسة الفنون الجميلة ويبدع فى رسم اللوحات الزيتية ، وأم تهوى الموسيقى وتحذقها علما وفنا ، فنشأ فى هذا الوسط الذى اتاح له ان يرهف حسه ويصقل مواهبه ويثرى تجربته ويوسع ثقافته ويتعرف الى كبار الفنانين والادباء ويتعاطف معهم ويستمد منهم ، ومن أشهرهم وأخلصهم لابيه الروائى الكبير " تلستوى " صاحب " الحرب والسلم
وما ان بلغ سن المراهقة حتى سافر الى برلين عاصمة المانيا صحبة عائلته ثم زاول تعلمه العالي بموسكو ثم ببرلين وبعد ذلك شرع فى السفر الى أقطار أجنبية اخرى فزار فرنسا وايطاليا وتزوج من ايطالية وسرعان ما ظهرت ملكته الادبية وقد تأثر بالشاعر " بلوك احد رفقائه في الشباب وكذلك بالشاعر الالمانى ريلك " فكانت أول محاولة ادبية قام بها ترجمة لقصيدة " غوتا " التى بعنوان " الاسرار الخفية " ثم سكنه شيطان الشعر فنظم منذ سنة 1913 وكانت اول مجموعة له بعنوان " توأم فى السحب " وتواصل انتاجه الشعرى - الغنائى خاصة - فيما بين سنتى 1919 و 1925 فنشر وراء الحواجز " و " أختي الحياة و " مطالب وتغيرات " ونظم قصائد كثيرة تغنى فيها بثورة 1905
فلفت بذلك الانظار وتبوأ مكانة مرموقة فى دنيا الادب ببلاده واخذ الشباب الروسي يتغنى بشعره ولما نشر كتاب " ميلاد ثان " سنة 1932 اهتمت السلط بامره حتى اذا ما اخرج للناس سنة 1934 " قصة " صودر هذا التاليف وسحب من المكتبات فاثر بسترناك الصمت وانصرف عن الشعر والادب الانشائى عامة الى النقل فترجم الى الروسية أهم آثار " شكسبير " و " غوتا " و " ريلك " وقد تمكن بفضل الترجمة من كسب القوت والتمتع بمنزل فى " قرية الكتاب " فى أحواز موسكو ولايزال الى اليوم مقيما هناك صحبة زوجته وابنه
وبعد موت " ستالين " خفت وطأة الضغط المسلط على حرية الفكر عامة وحرية الاديب خاصة ففاضت قريحة بسترناك وقد طال كبتها فنشر سنه 1954 فى مجلة العلم الصادرة بمدينة لينينغراد عشر قصائد أثارت اعجاب القراء ورددها الشباب المتعلم
وفى سنة ٥٦ عرض قصة " الدكتور جيفاغو " على الرقابة التى لا يمكن طبع اى سطر ولا نشر اى كتاب من دون موافقتها وفي انتظار " التأشيرة " سلم نسخة مخطوطة الى ناشر ايطالى الجنسية شيوعي المذهب يدعى " فيلترينلى " فظهرت القصة فى ايطاليا باللغة الايطالية ثم فرنسا باللغة الفرنسية ثم نشرت بانقلتيرا فالمانيا . على هذا النحو عرف الادباء في كل مكان بسترناك وأقبلوا على قراءة قصته الطويلة محللين مستفسيرين معلقين ، ولم يتح لهذه القصة ان تنشر بموسكو الى اليوم
فلما منحت الاكادمية السويدية جائزة نوبل لبسترناك تلقت منه يوم 24 اكتوبر الماضى ردا ضمنه شكره واستعداده للقدوم الى " ستوكهلم " لتسلم الجائزة) 1(وفي نفس اليوم بدات المجلة الادبية Gasata Literaournai ) وهى لسان حال المنظمة الحكومية " جمعية الكتاب السوفياتيين " تهاجم صاحب " الدكتور جيفاغو " وتوالى اتهاماتها الى يوم 28 اكتوبر حيث قررت الجمعية المذكورة رفت بسترناك بتهمة " الخيانة " وفي يوم 29 اكتوبر صرح الكاتب العام للشبيبة الشيوعية السيد " سميتشاستني " بان " سلوك بسترناك اوسخ من سلوك الخنزير " وحينئذ اعلن المتهم انه يرفض جائزة نوبل فسجلت الاكادمية هذا الرفض يوم 30 اكتوبر . وتوالت الهجومات عنيفة لا ترحم ، وفي غرة نوفمبر وجه بسترناك رسالة الى خروتشوف رئيس الحكومة يرجوه فيها ان يرحمه وان يمكنه من قضاء بقية حياته فى ارضه قائلا : " ان طردى خارج حدود الوطن معناه - عندى - الموت .
تلك هي حياة بسترناك وتلك اهم معطيات هذه القضية التى اثارتها قصة " الدكتور جيفاغو " وابرز خطوط تطوراتها رايت من الضرورى تذكير القراء بها قبل التصدى الى علاج جوهر المشكلة اى منزلة الكاتب في هذا الوجود .
وقبل كل شئ اود ان ارفع التباسا قد يكون حصل فى ذهن بعض القراء
فانى لا أريد من ذكر ما تقدم التشهير بالأضطهاد المسلط على المفكرين فى البلدان الشيوعية وفضح استهتار القوم بحرمة الفكر وازدرائهم بحرية الرأى لان ذلك ليس موضوع المقال اولا وثانيا لانى لا أريد تنزيه الغرب فى هذا الصدد والمفاضلة بين جحيم الشيوعية وجنة الرأسمالية ! فاذا كان المفكر مكبوتا فى البلاد الشيوعية والتوجيه صارما قاسيا والادباء في منزلة الموظفين الرسميين تنفق عليهم الدولة مقابل افراز الادب وصناعة الفكر ، فان زملاءهم فى البلاد غير الشيوعية - سواء كانوا في امريكا او اروبا او افريقيا او آسيا - يتمتعون فى أكثر الاحيان - بحرية لفظية كاذبة خادعة ، ويصطدمون بعقبات نفسية اجتماعية واقتصادية كثيرا ما تزيغ بهم عن القصد وتفسد عليهم حياتهم وتحول دون تبليغ رسالتهم على الوجه الاكمل .
ومن السخرية المرة ان يبادر بعض كتاب الغرب بتوجيه برقيات التاييد والتضامن لبسترناك وبالاحتجاج على المعاملة القاسية التى تعامله بها السلط السوفياتية باسم الحرية والقيم العليا وحرمة الانسان الفرد بينما هم لا يحركون ساكنا اذا داست حكوماتهم هذه المبادىء المقدسة ويسكتون امام حروب الابادة كالتي تجرى رحاها في الجزائر منذ اربعة سنين خلت حيث تضطهد لا حرية فرد فحسب بل ثقافة امة ويمسخ تراث قوم وتنتهك اعراض ملايين من البشر ، ويكفيني برهانا على ما أشير اليه اذا ذكرت ان من بين الممضين فى احدى تلك البرقيات عضوا " بارزا " فى الاكادمية الفرنسية اعنى " المرشال جوان " الذي كانت " البطة المغلولة " تطلق عليه أيام كان مقيما عاما لفرنسا فى المغرب - اسم " المارشال مارس ) ! ( " .
والحقيقة التى لا بد من الاعتراف بها والاعلان عنها هى ان القوم - سواء كانوا فى هذا المعسكر او فى ذاك - ايديهم قذرة ملطخة وضمائرهم قلقة ومسؤولياتهم متجانسة .
فاذا كان ذلك كذلك وجب ان نجتنب الوقوع فى ضرب من ضروب الحرب الباردة واغتنام قضية " الدكتور جيفاغو " للتشهير باساليب روسيا فى معاملة الادباء - كما فعل كتاب ونقاد كثيرون فى الغرب - وانما الذى يحسن ان نعالجه ونحلله هو منزلة الكاتب على العموم وموقف الجماعة ازاء الخلق الادبى والابداع الفنى .
واول ما يجدر تقريره هو ان الكاتب مسؤول ) 1 ( عما يكتبه وعما يسكت عنه لانه فرد من جماعة ، فى حدودها القومية الضيقة او فى حدود الانسانية الشاسعة ، ولانه بقدر ما يتأثر بهذه الجماعة ويتجاوب معها ويستمد منها ويستوحيها يؤثر فيها عاجلا ام اجلا ، ما دام للكلمة مفعول ولومضة الفكر رسالة . ولا يمكن ان يكون للمجانية معني خصوصا فى عصرنا هذا حيث يسرت العلاقة بين الكاتب والقراء اى بين أداة الارسال واداة التلقي ونقصت العقبات التى كانت تعترض سبيل النشر والتوزيع ، وارتفع مستوى الثقافة العام وانتشر التعليم وان " اندرى جيد " الذى تنسب اليه المجانية فى الادب كان ملتزما خدمة البشرية فى ابعد ابعادها ومضطلعا بهموم الحياة واعباء الوجود - الم يقل فى اخر حياته عن لسان " تيزى " انى - عن طيب نفس - اقترب من الموت ، متوحدا . ذلك انى تمتعت بخيرات الارض ، وانه ليلذ لي ان اتصور ان الناس ، بفضل جهودى ، سيجدون نفوسهم أكبر سعادة وافضل حالا واكثر حرية . لخير الانسانية الآجلة قدمت اعمالى ؛ لقد قضيت نحبي
فاذا خرج الاديب من طور السفاهة الى طور الرشد وشعر بمسؤوليته وادرك جنس التضامن الذي يربطه ببيئته وعصره هل من واجبه بعد ذلك ان يتلقى التوجيه من المجتمع وينتظر التعليمات من معاصريه ويعرف قيوده فلا يحاول تجاوزها ؟ هل نستند الى " تكليف " الكاتب لنضع حدودا عقائدية او فلسفية او اقتصادية سياسية لنشاطه العقلي وعمله الادبي ؟
الحق ان " تسخير " الكاتب هو شر ما يهدد الادب الاصيل وينزل به الى مستوى الدعاية المحدودة الغرض المتصلة بالملابسات العارضة والظروف المتبدلة الزائلة
الاثر الادبى فلذة يقتطعها الكاتب من نفسه وومضة من ومضات حدسه الوجودى وفيض من انسانيته الكاملة ، هو خلق تتمخض عنه اعماق
النفس المرتجة وتجود به التجربة الذاتية الحية بعد معاناة ومحنة ، يكسوه الفن بجلاله ويصبغ عليه من سحره ، فاذا هو الخلود واذا الاجيال تعود اليه وتستمد منه وتتجدد به . ولم تزل البشرية تخطو الى الامام بفضل ما انتجه شعراؤها ومفكروها وفنانوها على وجه الدهر .
ومن يستقرىء التاريخ منذ مأساة سقراط يلاحظ انه لا يكاد يمر عصر او قرن لا يتنكر فيه المجتمع لاحد عباقرته فيقاوم انتاجه باللامبالاة او بالضغط او حتى بالزجر ، فما يلبث ان يقبل الجيل الصاعد على ما نبذه الجيل السابق ويستحسن ويتذوق ما استهجنه ومجه الاولون . فكأن حجاب المعاصرة يحول دون سبر اغوار الاثر الادبى " الجديد " واستقصائه والتفطن الى ما قد ينطوى عليه من طرافة وما قد يمهد اليه من اسباب المستقبل ، كأن كل جيل من الاجيال فطر على الكسل العقلي بحيث لا يستسيغ الجديد الذي قد يغير من النظرة المألوفة الى الحياة ويعوض القيم الموروثة ويقلقل الوجود العادى ، ويذهب بالطمأنينة واليقين . أليس فى ذلك ما يدعو الى التواضع ازاء الخلق الادبي والى حد ادنى من الحياء نحو الكاتب الذى يستشرف مالا يخطر على بال معاصريه ، بفضل احساسه المرهف وبصيرته النافذة وقلبه الكبير ) 1 ( وتجربته العميقة ؟ قد يكون من الصلف او من ضيق النظر اذن ان نصدر حكمنا على هذا الاثر او ذاك بانه يخدم او لا يخدم هذه القضية او تلك ، بانه ينسجم مع هذه الفلسفة او تلك العقيدة ام هو لا ينسجم ومعنى ذلك ان الكاتب وان كان مسؤولا امام التاريخ فهو حر فى عملية الخلق والابداع ولا تحتمل حريته اى حد او قيد ، فهى كاملة مطلقة او لا تكون .
فاذا رجعنا الى قضية " بسترناك " عرفنا الى اى حد يستهدف موقف السلط السوفياتية ، وخاصة رجال الفكر هناك ، النقد ويتعرض الى القدح فهذا كاتب شاعر عاش ما يقرب من سبعين سنة فى بلاده يستوحى عبقريتها
يا قلب كم فيك من دنيا محجبة كأنها حين يبدو فجرها إرم
ويتعاطف مع طبيعتها ويتغنى بمجيد تراثها وزاهر مستقبلها ، عايش الثورة الكبرى وتفاعل بما حملته من مبادىء واشاعته من قيم . يكتب قصة طويلة يودعها الى جانب سحر الفن وروعة العبارة حاصل تجربته وزبدة تاملاته وهو فى خريف العمر ، كأنه يريد " ان يقول كلمته قبل ان يمشى " واذا بالمسؤولين عن الفكر والثقافة فى بلاده يرفضون نشر هذه القصة ويحولون دون حكم المعاصرين والاجيال المقبلة عليها او لها : يقولون ان القصة لا تخدم الماركسية الاشتراكية وانها لا تخلو من حكم قاس على الثورة ونتائجها واذا سلمنا بان الكاتب كغيره من المواطنين في الدولة الشيوعية شغال آلته العقل وان للدولة عليه ان يكون انتاجه صالحا مرضيا فمن ذا الذى يدعى انه يملك المعيار الصحيح الذي يمكنه به تبين الصالح من الطالح والجوهرى من العرضى ؟ واذا ميزنا العمل الفلاحى او الصناعى فما هى حجتنا فى ما نصدره من احكام على ما لا يخضع للكم ولا يانس بالارقام ولا يبقى في حدود المكان والزمان ؟
وقد اكد ماركس نفسه فى اكثر من موضع ان الادب غايته ذاته وانه لا يمكن تسخيره ودعا الى حرية الخلق الفني قائلا سنة 1842 في Gazette Rhenanie مثلا : " الكاتب لا ينظر الى آثاره على انها واسطة ، فهى غاية فى حد ذاتها ولذلك يضحى هذا الكاتب - اذا لزم - بحياته في سبيل حياتها "
اما " لينين " أب الثورة لشيوعية ، فكان يتحدث عن " الادب الحزبي ويرى من اللازم مراقبة الادباء فى المجتمع ولكنه كان يميز واضح التمييز بين الرقابة المسلطة على العمال والمزارعين وبين رقابة الادباء . فقد قال في احدى خطبه : " مما لا يقبل المناقشة ان الادب لا يخضع - اكثر من اى شئ سواه - الى مساواة عددية آلية ، الى سلطان الاغلبية على الاقلية . ومما لا يقبل المناقشة انه يجب ترك المجال واسعا امام التلقائية الفردية ، امام الميول الشخصية ، امام الفكر والخيال ، امام الصيغة والمحتوى " . والدليل على ذلك ان لينين كان يعتبر الكاتب الروسى " غوركى " اكبر كاتب للشغيلة " بالرغم عن انه انضم سنة 1907 الى صفوف اعدائه وانكر سنة 1917 على " البلشفيك " ان يمسكوا بزمام السلطة . لكن " ستالين " هو الذى ضيق على الفكر بعد موت
لينين " وضغط على حرية الادباء فاسس جمعية رسمية لهم وضع على رأسها عيونا له . فما كاد يموت ويستنشق الادباء والمفكرون - ومنهم بوريس يسترناك - نفسا من الحرية حتى شعر " اسنين " و " فاداييف " وهما من ابرز المكلفين بهذه الجمعية بفراغ مهول حولهما فما كان منهما الا ان انتحرا .
ومعنى ذلك ان تشديد المراقبة على اهل القلم ليس مبدأ حتميا من مبادىء الماركسية خصوصا وان " جدلها الباطني " ينتهى الى انها دوما حركة وتطور فاذا صح ذلك فمن احق من الادباء ورجال الفكر باستشراف المستقبل وحدس تجاه التاريخ وتحريك السواكن وبعث الهمم وقلقلة صروح التقليد والعادات فى كل مكان ؟ ان استقراء التاريخ منذ فجر البشرية الى اليوم يفيدنا ان الفكر لم يزل المعول الهدام للنظم البالية ، والعصب المحرك لحركة البشرية الدائبة والسوط المسلط على رؤوس الطغاة واعداء المستقبل ، والنور الهادي الى طريق السعادة اللامتناهية
وليس هنا - طبعا موضع تحليل القصة ومعرفة حظها من خدمة الشيوعية والانسانية ، فهذا بحث قائم بذاته ، واولى الناس به هم المفكرون الشيوعيون . ولكن الذى اردت التنبيه اليه هو ما يحسن ان نكون عليه من تواضع وموضوعية ازاء الاثر الادبى الاصيل مهما كان نوعه ومهما كان جنس كاتبه او لونه او عقيدته - ويكفى هذا الاثر قيمة وصلوحية انه يدعونى الى التفكير ويلح على فى السؤال وينبهنى الى غامض النواحي : وهبه لا يحرك ساكنا افليس من حق الكاتب علينا ان ندع مؤلفه الى التاريخ ليحكم له او عليه حكمه النهائى وان نجتنب اهانة الكاتب والضغط عليه ) 1 ( ، هذا الصفر ! . كما يقول " كستلر " كما لو كنا على يقين من اننا نتكلم باسم " اللانهاية " ! ٢ .
ولو كان الامر لا يتعدى البلدان الشيوعية ولا يتجاوز حدود ما تعانيه منذ بعض سنوات ازمة مذهبية لا نزال نشاهد آثارها فى الاستقالات التى يقدمها باطراد كبار المفكرين الشيوعيين فى اوروبا وفي ما يؤلفه بعضهم من كتب يوضحون فيها موقفهم المناهض لاتجاه الثورة الشيوعية ولاساليبها مع ثباتهم على الشيوعية كمذهب فلسفى وغاية ومن ابرزهم في فرنسا ) كلود روا
و فركو ولى فيفر . ( قلت لو كان الامر كذلك لما عالجنا الموضوع با كثر مما يستحق . ولكن الامر يتجاوز فى الحقيقة هذا النطاق اذ قد تاثر كتاب كثيرون وادباء عديدون فى الشرق العربى بهذا النحو من الالتزام الضيق فلم يميزوا بين الالتزام الطبيعي بخدمة البشرية ونشدان القيم وايجاد المحال هذا الالتزام الذى لا يكاد يشذ عنه كاتب اصيل منذ اقدم الحضارات الى اليوم ، وبين التسخير الكلى الذى يمسخ الاديب ويطمس فنه ويخمد جذوته .
هذا الالتباس لاحظت آثاره عندما تشرفت بالمشاركة في اعمال المؤتمر الثالث لادباء العرب الذى انعقد فى السنة الفارطة بالقاهرة - فقد ارتفعت صوات كثيرة تنادى الادباء بخدمة شعارات سياسية بعنوان القومية العربية وتطالبهم بتسخير اقلامهم لفائدة اغراض عاجلة تزول بزوال الملابسات التى اقتضتها وذهب بعضهم الى اتهام الاديب الذي لا يمتثل الى هذا " الواجب " بالخيانة ) 1 ( ! كأنه يكفى - مثلا - ان يتناول القصيد " بور سعيد " ليكون شعرا حقا وكأنه يجوز لنا اليوم ان نصدر حكمنا بالاعدام او ان نعتبر خائنا كل شاعر او كاتب ينحو منحى عمر الخيام فى رباعياته او أبى العلاء في لزومياته او الجاحظ في بخلائه وحيوانه
ان الاديب مسؤول ولا يكون اصيلا و لا تبقى آثاره على وجه الدهر الا اذا التزم خدمة الانسان . ولكن ليس لاحد ان يوجهه وجهة دون اخرى ويسخره لاجترار شعار دون اخر . لا يمكن ان يكون الادب موسيقى ينشط العملة عند سماعها اثناء عملهم ويضاعفون انتاجهم ، ولا يمكن ان يكون الادب موضوع مشروع السنوات الخمس او العشر . ان الاديب كالرسام والنحات والموسيقار ملتزم ولكن لا يمكن ان يعرف احد الطريق الواجب سلوكه ، فى هذا الميدان ليست العصمة لاحد لان حق الابتكار والتجديد للجميع . ان منزلة الكاتب شاقة حقا لانه قدر عليه - أو له ؟ ان يتمرد على الموجود ويصدم الواقع ويثير المعاصرين ويكشف ويخلق ويبدع ولكنها منزلة مشرفة مقدسة اذ لا يمكنه ان يكون تابعا او منفذا ان الكاتب لا يحتاج فى حقيقة الامر الى الحرية لانه هو باعث الحرية ورائدها انه فى جوهره حرية وتحرير

