الكتب العلمية التى تقرب الى القراء بلغة الأدب قليلة - على جدواها ونفعها - جد قليلة ، وفي رأي " حديث في الطب " لمؤلفه الفاضل الدكتور مصطفى الديوانى عضو كلية الاطباء الملكية بلندني ، وأستاذ أمراض الأطفال بجامعة فؤاد الأول - الذي صيغ بأسلوب مانع رشيق حجة قوية دامغة تدحض الرأي القائل بأن الأدب والعلم متعارضان لن يجتمعا .
ولا أحسب أن مؤلف هذا الكتاب وهو طبيب أديب بغريب على قراء العربية فقد طالما طبعت له بحوثا شائقة فى الطب وتواليف لطيفة أذكر منها على سبيل المثال كتابه " صديق العائله " وقد التزم فيها جميعا أسلوبا أدبيا رائعا يجتذب اليها القارىء إجتذابا ويفرض عليه قراءتها فرضا .
وكتابه الذي نحن بصدده يقع في إثنتى عشرة ومائتى صفحة من القطع المتوسط ، مطبوع طبعا آنيقا في مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، وينتظم ثمانية وعشرين فصلا قيما منها : ثورة الفيتامينات : ) البنسلين . الميتة الفجائية . الاحتلام ) البول السكري. ) الانفلونزا . وغيرها ، وكلها ابحاث جديرة بمطالعة القارئ المستفيد ودراسته لما فيها من دقة وعناية في تناول أسرار كثير من العوارض الجسمية وتبيين وسائل الوقاية من بعض الأمراض الفتاكة مع بسط لطرق العلاج العلمتي الصحيح .
ولست باخلا على القارىء بإيراد نماذج من صفحات الكتاب توضح حقيقة المنحي الذي طرقه الدكتور الأديب ، الأسلوب الفني الجميل الذي أصطنعه فى مؤلفه ، فاقرأ معي من فصل عنوانه : ) المسكنات والمتنوعات . ص١٤ :
ما اقسى سكون الليل وأشد حلكته . وما أبدع إسترخاء النوم والذ غفلته ، وما افظع وطأة الالم وشد بأسه ، فالناس لديه سواء لا يرحم العدو ولا الصديق . على آن الألم رغم شدة وطأته على الجسم والنفس يجب
اعتباره من الحوس الضرورية كالسمع واللمس وباقي الحواس الخمس ، إذ أن له مزايا وقئية جمة فلولاه لتركنا الجمرة المخترقة تنال من أجسامنا ماشاءت ، ولما ابتعدنا من مواطن الأذى حينما كانت ، ولما فطنا إلى موضع الخلل من الآلة البشرية التى تعمل دون انقطاع أعواما ، والألم هو سبيلنا الوحيد لتعرف موضع الداء فنكافحه بما يناسبه من دواء فهو نعمة ونقمة وخنجر ممد ودرع واقية " . ومن مصل آخر عنوانه ) حاجتنا الى ثقافة جنسية ص ١٠٧ ( .
أفة الشرق خجل في رياء ، تعلق بالقشور دون جوهر الأشياء الغربي يقابل الداء صريحا ويقاتله صريحا ؛ والشرقي بواري ويداري حتى يسقط في الميدان صريعا أو جريحا . . المثل السائل يقول لاحياء في الدين ، ولا في العلم والدين الاسلامي على الأخص يحوي تفصيلات شاملة عن كل مايمت للعلاقة الجنسية والزجية بصلة ، ففى آياته البينات نجد المبدع والمطرب عن الجنسيات كالزواج والحيض والنفاس والجنابة وكلها مفصلة تفصيلا في اسلوب سماوي يوصى بالخشوع والخضوع دون ان ينبه فى النفس الغرائز البهيمية التى نخشاها طائفة المترددين من علماء التربية . لقد حث النبى معد ع صلى الله على تعليم الدين للمرأة والبنت والرجل على حد سواء لم يقل أبدا استبعدوا من تعليمة ما قد تخجل الفتاة من ذكره " .
ويمضي المؤلف بعد ذلك - فى كتابه- فى إستعراض وتصوير شكول من الأمراض الجسدية التى تعقب إنهيارا فى الشخصية من شتى نواحبها الصحية والاجتماعية والنفسية !
. وإذا كان الكتاب حقيقا بالتقدير والأعجاب من ناحيته الموضوعية فهو فمين بالتقدير والأعجاب كذلك من ناحية اخرى تلك انه يضغط في صحائف قليلة التلخيص الوافى موضوعات ونظريات يستلزم شرحها واستيعابها مئات الصفحات فلا جرم إذا حثنا القراء الافاضل على اقتناء هذا السفر النفيس والتوفر على تلاوته تركيزا لثقافتهم الطبية ، وامتاعا لأنفسهم بكتاب تلذ قراءته ، وتفيد ، وتشوق

