لبينا الدعوة ، وقصدنا ذلك البيت الكريم الذي لم نكد نجتاز عتبة بابه حتى شعرنا كاننا قد اجتزنا عتبة التاريخ .
فمنذ بضع لحظات ، كنا نعيش فى القرن العشرين ، حيث تطغى المادة والميكانيك ، وتستولى على المشاعر والروح والجسد ، فلا تترك مجالا للفكر ، ولا
فرصة للاستجمام وهضم ما تقع عليه العين من مظاهر الجمال فى المدنية الحديثة ، او ما تشاهده من روائع التقدم العلمى الذى يبهر الابصار .
انتقلنا بغتة من هذا الجو الخاطف الذي يرهق الانظار والاعصاب ، ودخلنا فى عالم يتمثل فيه العلم بجلاله ووقاره ، ويتجلى التاريخ بعظمته وصوره الحية التى ترغمك على الوقوف امامها في خشوع واكبار ، مرتدة بك الى الوراء عبر القرون والاجيال
مررنا عند دخولنا بساحة البيت مر الكرام ، لم نلتفت الى ما فى ارجائها وما على جدرانها من نقوش وصور وآثار تنطبع عليها صحائف التاريخ ، وصعدنا الى الدور الاعلم واستقبلتنا ربة البيت فى رقة وعذوبة كادت تخرس السنتنا بما اضفت علينا من انس ولطف ، وعلى الحديث من بهجة وانطلاق ، ثم سرعان ما لاح امامنا صاحب البيت العالم الاثرى الجليل ، والاديب اللغوي الكبير ، فكان ابتهاجه هو الآخر وحسن استقباله لا يقل عن انس السيدة عقيلته وتلطفها .
دخلنا الى قاعة الجلوس ، فشعرنا حينئذ كاننا فى صالون من صالونات القرن الثالث او الرابع المنبثة فى ارجاء بغداد وقرطبة حين كانت المدنيه العربيه في اوج عزها وازهر عصورها .
كان كل ما فى البيت من فرش وصور وادوات وآثار ، وحتى مصابيح الكهرباء
التى ترسل خيوطها الفضية فى احتشام ، تجعلك تعيش فى منتدى من منتديات تلك العصور التى كانت تنشر فيها العلوم والآداب والفنون
انتقلنا مع الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب الى ايام الموحدين ورحلتهم الميمونة الى تونس ، وراينا كيف حققوا للمغرب العربي وحدته الكبرى ، وجعلوا من شمال افريقيا وجنوبها ومن البلاد الاندلسية امبراطورية عظيمة شاسعة الاطراف
ولم يكن بدعا ان ينساق بنا الحديث في هذا الجو الى رسول الوحدة الافريقية ومجسم المغرب العربى الكبير بحياته الموزعة عبر هذه الاقطار ، مفخرة الشمال الافريقي العلامة ابن خلدون ، مؤسس فلسفة علم الاجتماع ، ومنشئ الموسوعة التاريخية الكبرى ، ولم يكن عجيبا ان نحي ذكرى ابن خلدون وقد ضم نادينا ممثلين عن طرفى المغرب العربي ، خاصة وان هذا المنتدى كان فى بيت المؤرخ التونسى الكبير الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب الذي يقع بيته - وذلك من اروع المصادفات - فى شارع ابن خلدون بالذات .
ثم سرحنا الطرف عبر التاريخ ، فعرجنا على الفاطميين في القاهرة المعزية وعلى مؤسسها جوهر الصقلى وكان الاستاذ يجسم لنا هذا التاريخ بالنقوش والخطوط التى يرجع بعضها الى القرن الاول الهجرى ، واكثرها الى القرون الثلاثة التى تلته
كان المجلس يتألف من صاحب البيت الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب عضو المجمع اللغوى الملكى بالقاهرة ، والمجمع العلمى العربى بدمشق ، ومدير دار الاثار العربية بتونس ، ومن السيدة عقيلته التى كانت تفيض رقة وخفة وانسا ومن ثلة من اعضاء سفارة المغرب بتونس ، السفير السيد محمد العربى العلمى والكاتب الاول بها الاستاد السيد عبد الكريم بن ثابت ، وكاتب هذه الكلمة .
كان جو المجلس جو علم وادب وفن ، وتناولنا فيه نبذا من فلسفة التاريخ وتاريخ الفلسفة ، وتحدثنا عن دعوة الفاطميين فى مصر وانظمتها الدقيقة التى تشبهها الى حد كبير ، بل وتستمد منها ادق الانظمة فى الاحزاب السياسية الحديثة فى الشرق والغرب . وعلى ذكر الدعوة الفاطمية وفلسفتها لاحظ صديقنا الاستاذ السيد محمد العربي العلمي ان صاحب الفلسفة الفاطمية ومبتدع نظمها الدقيقة المحكمة هو القاضى ابن النعمان الافريقي الذي رحل من مدينة القيروان الى مصر وساهم فى تشييد صرح هذه الدولة العظيمة التى اشعت حينا من الدهر على ارجاء البحر الابيض المتوسط .
وتداول الحديث تطور الخطوط فى العصور الاسلامية واظهرنا الاستاذ على نماذج من خط ابن مقلة الذى ضربت به الامثال ولعب دورا كبيرا في سير الحضارة الاسلامية ، واتضح لنا من المقارنة بين مجموعة من الخطوط التاريخية ان الخط المغربي الحالى يقتبس اصوله من العصر الاول للهجرة وان اوجه الشبه بينهما ما تزال قوية بالرغم من تقادم العصور .
وبما ان الاستاذ عضو فى المجمع اللغوى الملكى ويعتزم الذهاب الى القاهرة قريبا للحضور فى دورة هذه السنة ، فقد كان من الطبيعى ان يغرينا جو المجلس بالتحدث عن المجمع اللغوى ورسالته ، وكان من شجون الحديث ان يلاحظ بعض الحاضرين ان المجمع لم يؤد رسالته على الوجه المطلوب ، اذ ما تزال الخزانة العربية فارغة من المعاجم اللغوية التى تساير حضارة القرن العشرين ، كما انه لم يسعف الكتاب والادباء بالمفردات والمصطلحات العلمية ولم يجعلها في متناول ايديهم ان كانت موجودة ، فبرر الاستاذ موقف المجمع اللغوي بأعذار لا تكاد تبعد عن الاعتراف بصحة الانتقادات الموجهة الى المجمع
هذا ولم تكن حفاوة السيدة ربة البيت وانسها وكرمها اقل من امتاع الاستاذ باحاديثه والنصوص التاريخية التى يقدمها لنا وذكرياته عن المغرب .
حقا ، لقد كانت ساعة من امتع ساعات الحياة ، نعمت فيها ارواحنا بذكريات عن مجدنا السالف ، وسعدت نفوسنا باستعراض اشرطة من الماضي الزاهر ، وشاهدنا نماذج رائعة مما تحتويه خزانة الاستاذ المشتملة على الفين وخمسمائة مخطوط تمثل مختلف عصور الاسلام الزاهرة .
اننا نحمد لعلامة الجليل السيد حسن حسنى عبد الوهاب هذه الفرصة التى اتاح لنا فيها التعرف على خزانته العامرة ، والاستمتاع بعمله الغزير وادبه الجم ، والاطلاع على ما تضمه تونس الشقيقة بين جدرانها من علم وكرم ومجد عريق
تونس فى ١٨ دجنبر ١٩٥٦
