الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

علينا ان نوجه ولا توجهنا الرياح

Share

باسم الادباء والكتاب التونسيين والوفد التونسى ارفع لحضراتكم اسمى عبارات التحية والتقدير وابلغكم ازكى آيات الصداقة والاخاء ، واعبر عن الارتياح العميق الذى نشعر به جميعا عند ما نتلاقى مع رجال الادب وحملة القلم وحماة الفكر من افريقيا وآسيا اولئك الذين لا يزالون يناضلون الى جانب شعوبهم لتصفية الاستعمار والقضاء على التخلف وبناء عالم جديد تشرق عليه شمس الحرية ويعمه الرخاء والطمانينة وترفرف عليه الوية السلم والمحبة .

ومن الواجب ان انوه فى هذا المقام بلطف القبول وكرم الضيافة واحكام التنظيم التى لمسناها من المسؤولين فى الحكومة والشعب بهذا البلد الشقيق الجمهورية العربية المتحدة وان اشكر كل الاخوان الذين بذلوا اقصى جهدهم لينعقد هذا المؤتمر على اكمل وجه ولاشك أننا سنحمل من القاهرة وأهلها ومعالمها الحضارية التى تحكى قصة الانسان من اول العصور اجمل الذكريات واعذبها .

واعتقد بعد هذا اننا سوف لا نقنع بجمال الذكريات بل سنحرص الى جانب ذلك على ان تتوج اعمالنا بالنجاح وان نخرج من هذا المؤتمر بقرارات تكون على قدر الامال العريضة التى تعلقها الشعوب اليقظة علينا والمواقف الواضحة البناءة التى تنتظرها منا . ذلك ان مسؤولية الكتاب الافريقيين والاسيويين عظيمة خصوصا فى هذه المرحلة التاريخية الحاسمة من حياة بلادنا فنحن ازاء تطور جذرى لواقع افريقيا وآسيا اقتضاه كفاح الشعوب وجهود الكادحين وجهادهم المستميت من اجل الحرية والكرامة والحق واذا توج هذا النضال فى كثير من البقاع بالنجاح فأسترجعت بلدان افريقية وآسيوية كثيرة استقلالها بعد ان دفعت ثمنا باهظا فان شعوب الجزائر وفلسطين وانجولا وغيرها لا تزال تصارع قوى الشر وهى آتية عليها لا محالة وستلتحق بشقيقاتها لتبنى معها ما هدمه الاستعمار وتزيل رواسب عصور التقهقر والانحطاط .

ذلك ان اهم ما يجب التفكير فيه والاشتغال به ، بعد الفوز بنعمة الحرية وشرف الاستقلال هو تصميم العمل الجدى لخلق عالم جديد والقضاء على مخلفات الاستعمار فى العقول وفى الاشياء واستئصال الجهل والجوع والمرض والعمل

لرفع مستوى الحياة المعنوى والمادى وتوفير الازدهار الاقتصادى والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص للجميع واذا كان دور الكتاب فى المرحلة الاولى عظيما وجليلا فانه فى المرحلة الثانية اعظم واجل واشد عسرا ، اذ ان الكاتب مطالب بان ينير السبيل ويبين القيم الاصيلة منها دون الزائفة ويغذى شعبه بالغذاء الصالح المستساغ الملائم لطبيعة قومه الامين لاخص خصائصهم المنمى لوعيهم القومى وانسانيتهم والمركز لشخصيتهم واذا كان الكاتب الأصيل المخلص لفنه وادبه ملتزما بطبعه وبطبيعة ادبة الذى يعيش منه واليه ، فانه من العدل ان نترك له حرية التعبير والصياغة والا نضيق عليه وان نفسح المجال لكل الآراء والنظريات وان نكون متواضعين ازاء الاثر الادبى فلا نحكم له او عليه فى سرعة او تعسف فان الذى ينفع بلادنا واممنا وعصرنا ويغذى انسانيتنا باق لا محالة " واما الزبد فيذهب جفاء " تلك هى نظرتنا الى الكاتب ومنزلته ورسالته فهو كمواطن يجب ان يتحمل مسؤوليته كاملة وان يشارك شعبه افرراحه واتراحه وهو ككاتب عليه ان يميز بين الخلق الفنى والموقف السياسى الطارئ فاذا خلط بين الاثنين خسر الادب وخسرت السياسة .

ذلك ما ادركه الادباء التونسيون منذ مطلع هذا القرن فقد انشدوا ملاحم الكفاح التونسى ضد الاستعمار ولكنهم عبروا ايضا عن مأساة الانسان الوجودية فى هذا الكون وتأثروا بجمال الطبيعة وعبروا عن مختلف الاحاسيس البشرية والعواطف الانسانية . ولم يكتفوا بذلك بل لم يكتف البعض منها بذلك فشاركوا شعبهم محنته ودخلوا السجون واستشهد منهم من استشهد وهم يساهمون اليوم فى تشييد الوطن الاصغر وتعزيز الوطن الاكبر فاذا انت وقفت حيال هذا الادب وجدته ارضا خصبة تنشق عن شتى الازهار والاشجار له اتجاهات متعددة وقوالب كثيرة فالشاعر المرهف الحس قد يستلهم من معركة بنزرت او كفاح الشعب الجزائرى المجيد ملحمة رائعة وقد يصور كدح المعذبين فى الارض يبنون مستقبلهم بعرق جبينهم وقد يردد لوعة الانسان وغروره وآمالة السرمدية ويسجل تجريته الوجودية ويعلن عن طموحه العالى وهو فى كل هذا لا يزال منتسبا الى الادب فى اسمى قيمه واشمل معانيه مخلصا له متى وفق الى صدق اللهجة وروعة العبارة ونبل المقصد وجوهرى الشؤون الانسانية .

واذا فانه علينا نحن معشر الكتاب الافريقيين الاسيويين ان نخلص الى انفسنا والى شعبنا معا وان نبقى دائما نورا يهدى لا حملا يجرجرا ، انه علينا ان نكون كتابا نوجه ولا توجهنا الرياح .

وبعد فلعل هذا الملتقى الى جانب ما سيصدر عنه من قرارات ولوائح يوفر الفرص لتمتين اواصر الصداقة والتوادد بيننا حتى يعرف بعضنا البعض اكثر من ذى قبل يتم التقارب والانسجام لما فيه خير بلادنا .

وانى لأرجو نجاحا لهذا المؤتمر ومزيدا من العزة والكرامة والسؤدد لافريقيا وآسيا حتى تسهما غدا بما اسهمنا به بالامس من ثروة كنوزهما العقلية والروحية فى انماء تراث الانسانية وتسيرا مع ركب البشرية الزاحف المتطلع الى الغد المشرق البسام .

اشترك في نشرتنا البريدية