الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

علي أعاجي شجون من حديثه

Share

على دعاجي ( * ) نموذج كامل للعبقرية الفذة الاصيلة . هذا اذا اتفقنا على ان العبقرية هي الطاقة الفكرية التي ترتفع بصاحبها فوق النطاق العادي المدروس للقيم الانسانية . وهى هبة الحياة التى لا تتكرر ولا تتشابه .

وتلك الطاقة مستعدة للانفلاق ذاتيا ، فهى تصدع كل ما يعقلها ، وتمزق كل ما يلفها ، وتخترق كل حجاب يحول بينها وبين بلوغ رسالتها وضرب هدفها تدفع بمناكبها الشديدة كل ما يحيط بها من عقبات تتفجر كالجدول الدافق يشق طريقه في موكب الضياء مترنما بنشيد الحياة واغاني الخلود .

ولعل القاعدة التي يقاس بها ظهور العبقريات ، هي الا قاعدة . فمن مميزاتها خرق العادة والخروج على السنن الجاري وكل مالوف . واشتقاق هذه الكلمة لمعناها بديع ظريف . فعبقر : مدينة اسطورية تنسب للجن ، وقال المعرى :

وقد كان ارباب البلاغة كلما       رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن

وعلي دعاجي من الرجال الذين نستطيع - بتتبع اطوار نشأتهم وكفاحهم والنظر في آثارهم - ان نقع على صفات العبقرية فيهم واضحة جلية . وليس هذا بمانع مالا بدمنه ، من التأثر والتأثير بالمجتمع وعليه . ففي وسع

من عاشر علي دعاجي وعرف امه - مثلي ان يدرك ان الذكاء الثاقب ودقة الملاحظة ورهافة الحس التي يتمتع بها علي ، هو مدين بجانب وافر منها الى امه . السيدة نزهة بنت شقشوق . وهذه السيدة تلقت تربية كريمة من وسطها العائلي الذي ينتسب الى الطبقة الممتازة فابوها كان من عمال حكومة البايات ، قضى زمنا بجزيرة جربة حاكما عليها ، وهناك نشأت وقضت ابنته ردحا من طفولتها وشبابها ، الى ان زفت الى الحاج محمد الدعاجي والد علي ، فاولدها بنات وبنين ، ولم يعش لهما من الذكور الا علي ، وكانت تدعوه " علالة " وقد مات ابو وهو صغير وترك املاكا واحباسا توفر لهم رغد العيش والاحتفاظ بمستواهم الطبقي . وعائلة الدعاجي كانت كفؤا لعائلة شقشوق فهو كما قال الشاعر :

فأخوال جراح ذؤابة دارم  وأعمام جراح سراة بنى نهد !

وتلقى تعليمه في مكتب خير الدين بالقرب من مسكنه الكائن بنهج المقطع حول بطحاء رمضان باي ، واظن انه انقطع عن التعلم عند خروجه من المكتب الابتدائي ، وما كان التعليم الابتدائي يعني بالعربية ، بل اشد عنايته بقتلها في صدور الناشئين .

لكن الدعاجي واصل المطالعة الخاصة فتدرب على القراءة والنظر في الكتب باللغة الفرنسية اولا بما تعلمه في المكتب ، ثم نمى مبادىء العربية بمطالعة الصحف وصادف ان اهتدى صديقنا ( الاستاذ على الجندوبي ) الى استيراد المجلات العلمية والادبية من المشرق فانفتح بذلك لادباء الشباب باب دخلوا منه الى الاطلاع على تيار الثقافة العربية الجديد .

وعائلة الدعاجي من اصل تركي ، من هؤلاء الجنود الذين كان سب ورودهم على تونس حملات الاسطول التركي - ابان سطوة الدولة العثمانية مستجيبا لاستنجاد مسلمي الشمال الافريقي الذين كانوا هدفا لهجمات الصليبيين المنحدرين من السواحل الاروبية ، اما عائلة شقشوق فاصلها من جزيرة " قرقنة " وعلي يعتز بارومته التركية ، فأكسبه ذلك نزعة كنت اسميها اثناء مناقشاتي معه " الشعوبية " ويحدث بيني وبينه الوان من المزح بسبب ما اثبته من انتسابي الى اصل هاشمي عربي وكانت مناهج البحث الادبي والتاريخي في ذلك الوقت متأثرة بمذهب

الاغلبية من المستشرقين الاروبيين الذين اسسوا بحوثهم ودروسهم على بث سوء الراي في المدنية والعقلية ( الشرقية العربية الاسلامية ) لحاجة السلطان الاستعماري الى تحطيم معنويات الاحيال الناشئة وانا ازعم ان الاستعمار قد اصاب في طريقه هذا نجاحا اكثر من نجاحه في اي طريقة اخرى من طرقه الجهنمية فقد كنا نطالع ابحاث العقاد عن الشاعر علي بن العباس الرومي فنراه يعلل تعمق هذا الاديب في بسط احساساته وصوره الشعرية بما ورثه عن اصله " الرومي " بناء على قاعدة اصطلح عليها المستشرقون وهي ان التفكير الشرقي " سطحى " على خلاف التفكير الغربي فهو عميق عظيم الشان ! وكنا نطالع كتابا دراسيا في الادب للمدارس العالية الفه طه حسين وآخرون فنرى فيه سؤالا يمتحن به الطلاب هذه صورته : " لما وقعت ببزنطه تحت سلطان الاتراك ، هاجر علماؤها الى روما وكان اثر هذه الهجرة ان بذر اولئك العلماء بذور النهضة الاروبية الحديثة " رونيصانص " ولما احتل التتار مدينة بغداد هاجر علماؤها الى القاهرة ، ولكنهم لم يفعلوا مافعل علماء القسطنطينية من تاسيس نهضة في الشرق . فلماذا ؟ ؟ " والحق ان علي دعاجي مع شعوبيته التي ازعمها له قد نبهني الى السم الزعاف الذي تحمله هذه الصورة لناشئنا ، وما فيها من مغال وتغرير في القياس وتغليف الباطل بغلاف من البساطة والسذاجة ( ١ )

فهذا طه حسين انبه واعظم شخصياتنا في الثقافة والعلم ، وذاك العقاد مثله او اكثر منه وهل تريد ان تعرف عن غيرهما شيئا مثل هذا ؟ هذا شوقي . . . وهذا من يسمونه " استاذ الجيل " لطفي السيد ... يقول شوقي :

لا يلمس الدستور فيكم روحه  حتى يرى جنديه المجهولا

فيقول لي الدعاجي : اترى كيف تمكنت نزعة التقليد للقوي في اخواننا وفينا حتى صار شاعرنا ينادي ببناء قبر للجندي المجهول كما راى في باريس . . . وكما يشتهي ان يسرى في بلده . . . لكنه نسي ان المصريين له يثيروا حربا ولا سفكوا دماء في سبيل الحرية والدستور - هذا الحديث جرى منذ نحو العشرين عاما ، اي قبل الثورات .

وكنت انا ارد عليه ملتمسا للشاعر عذرا في انه يريد الثورة ثم ما يحفظ ذكراها وهو القبر ، ولم اكد اقول ذلك حتى فتح لى مجلة مصرية جرى فيها حديث محررها ، مع لطفي السيد وكان - فيما أظن . رئيسا للمجمع اللغوي المصري وبعد ما تحدث المحرر ان مصر قد تقدمت في الاخذ باسباب المدنية وان هذا المجمع يشابه المجمع العلمي الفرنسي وان الامور صارت جديرة بالرضى والاطمئنان ، عرضت له مسالة نهضة المرأة وحرية المرأة فلا ادري كيف سأل المحرر الشيطان لطفي السيد قائلا : وهل يحق للمرأة المصرية المثقفة - طبعا - ان تدخل هذا المجمع ؟ فقال استاذ الجبل : ما اظن ذلك يكون ، ( فالاكادمية الفرانسية ) ليس فيها نساء . وقال لي علي دعاجي بعد ان نظرت في ما ذكر : أرايت التقليد كيف صار ملكة وطبعا فينا يصبغنا بحيث لا نكاد نتصور الاشياء الا من خلال النظر في مظاهر المثل المرسومة في مخيلاتنا من امور الناس المتغلبين علينا . وآمنت بقوة ملاحظته وبرسوخ قوميته عليه رحمة الله ومع ذلك فمظاهر القوة المادية والعلمية ، واتساع افق مطالعات الدعاجي في الاداب الاجنبية القديمة والحديثة ابقت عليه شعوبيته فتصادم في احاديثنا ويطول

بيننا الجدال ، وكنت انا اكره التسليم بالضعف الذي اراه يقطع الرجاء ، وذلك نعصبا لروبتي ونشأتي ، وربما كان لما يحدث سبب اناني يتعلق بشبابنا او غير ذلك فكانت تبلغ بي الحماسة الى ان اتنكر لكل من تلقى ثقافة عربية عن اساتذة عجم واسميهم " ابناء المهلكات " اي المعلقات ! وعلى بسبب معرفته بالفرنسية ، يرى - كما هو مشهور - ان له علي فضلا ، وهذا الفضل مشتق من قولهم " كل لسان بانسان " فمن عرف لغة فهو واحد ومن عرف لغتين فهو اثنان ومن عرف ثلاث لغات فهو ثلاثة رجال وهلم جرا .. لكن ازعم له ان مقدار القوة الذهنية واحد ، فادا تعددت الثقافات تقسمت لها تلك القوة ولا يكون تعددها الا ضعفا لكل واحدة منها ، بخلاف ما اذا اتجهت جميع القوى الى ناحية واحدة ، فما اجدرها بان تفلح في تلك الناحية وتفتح ويقول لي : ان من يعرف لغة حية يقترب من العالم وتنفتح امامه ناقذة يطلع منها على الدنيا الكبيرة التي تتصرف اليوم في مصائرنا ويقول : ان اقتصار مثقفينا على معرفة لغتهم يجعلهم يعيشون داخل نطاق القرون القديمة ، فقد اعرض العالم عنا ونسينا ومضى ينتحل الوانا جديدة من العيش المعتمد على التقدم العلمي وعلى الاختراع والتفنن في التجديد والابنكار ، وبقدر اختلاف شؤون العيش المادية يكون اختلاف التفكير وقابليته للاتساق مع موكب الحياة السائر في مناكب الارض باقدام الجبابرة ولا احتاج الى ان اقول بانه لم يبلغ بي العناد الى انكار ذلك المذهب ، بل انتفعت به كما انتفع هو بمذهبي . وهذه المفارقة بيني وبين الدعاجي كان يعجب لها كل من عرف الود العميق الذي كنا نتبادله والذي افضى بطول المعاشرة الى امتزاج النزعات وتقاربها ، وكان الواحد منا يضيق به المجلس اذا لم يحضر صديقه ، فسرعان ما ينبسط ويفضل عليه السرور عند حضوره فيتساءل اولئك الاصحاب لماذا لم تباعد بينهما حدة الاختلاف في شؤون الفكر او الفن احيانا والواقع ان ليس بيننا خلاف الا ما ذكرت من المفاكهة عن " العروبة " و " الشعوبية " ونحن ندفع ان مناقشتنا تؤدي الى النكر . ثم اننا نجيبهم بايراد قصة الصداقة التي تالفت بين الشاعرين القديمين الطرماح والكميت ، وكان احدهما يرى راي الخوارج والاخر يذهب مذهب

الشيعة ، فادا سئل احدهما عن ذلك قال : " - لقد اتفقنا في بغض العامة " وتقديس علاقة الفن والادب قديمة قال فيها البحتري اذا تقاربت الاداب وائتلفت  دنت مسافة بين العجم والعرب وفي صدد " تركية " دعاجي و " عربيتي " رات الصدف ان تلعب دورا غريبا في مجتمع " تحت الصور " فاتاحت لنا صديقا احبنا واحببناه الى درجة انه فتح لنا حانوته نسهر فيها وندعو لحضور اوقات انسنا كل من نريد . وهذا الصديق شاركنا في حب الادب والفن ، وكان هو ايضا من اهل الفن ، يحسن التوفيع ويحفظ المالوف وهو من اعضاء طاقم الجمعية الناصرية الشهيرة وله مواهب في حفظ الاساطير الشعبية مدهشة فنسهر عنده مستمعين الى خرافة الذي يتفنن فى اساليب حكايته الى اخر الليل .

ومن الطريف ان هذا الصديق الذي عرف بنا وعرفنا به يحمل اسما نطمئن اليه ، ونذكر ان الله اراد لنا ان نكون صديقين متلازمين فسخر لنا هذا الرجل المسمى " العربي التركي " لنكتفي بما في اسمه من جمع يلائم بين الكلمتين اللتين ننتسب اليهما انا والدعاجي .

وبعد خروج على الدعاجي من المكتب الابتدائي قضى بعض الوقت في المدرسية القرآنية الاهلية ثم رات امه ان تلحقه بمحل تجاري ليقضي فيه الوقت وربما يتعلم فنون التجارة عن تاجر مشهور بنشاطه ونجاحه وهو السيد الباجي المبزع وانا لم اتعرف التى الدعاجي الا بعد التحاقه بالتجارة فقد كنت وانا في سنتي الثالثة بجامع الزيتونة احاول الاختلاط بنجباء الطلاب وادبائهم . فاجد في ايام الاخاميس والجمع وقتا اقضيه في قهوة المرابط ( وكانت بسوق الترك تصطبغ بصبغة اندلسية قديمة ويلتقي فيها محبو الفن وشباب الادب ) وهناك وفي قهوة القصبة ايضا تعرفت الى المرحوم الطاهر الحداد والاخوان الادباء احمد الدرعي ومحمد السعيدي والطيب الميلادي وعلي الجندوبي وعلي دعاجي الخ وكان علي يمتاز بجمال الهندام ، وجمال الصورة ايضا كما كان يمتاز بقوة بدنية غير عادية وانا لم اجر بها ولكن حدثني عنها شيخ الادباء ، سيدي العربي الكبادي ، فعلى كان ممن افتتن بمجلس الشيخ ( ابقاه الله ) وتعرف عليه حين كان باتي الى حومة المر متصلا باصهاره ، فاحه الشيخ الكبادي وكان يسميه " واصل ابن عطاء " للثغته في حرف الراء

وهذه اللثغة قاومها على حين شب فلا اعرفها فيه . ومن اهم الاسباب التي عملت على سرعة اتصالي به وتبادل المودة بيننا هو محبتنا لمجلة " روز اليوسف " وتبادل مطالعتها والحديث عن تائرنا بالرسوم الساخرة ، ثم تضاعفت اسباب تعاطفنا في فنون الموسيقى والتصوير والتمثيل والادب والعشق الخ  . . ومنها ايضا تفننا في انواع التدخين واشتراكنا في صنوف التسلية وتعديل المزاج . . واتصل احدنا بالاخر اتصالا مستمرا ، الى ان كانت عناية الاستاذ محمد بدرة بدعوة الاديب المصري الزجال محمود بيرم من اروبا حيث كان مبعدا عن مصر بسبب تهكمه على سيرة عائلة الملك فؤاد .

وعند حضور بيرم الى تونس انضم الى جماعتنا ، وكان ابو القاسم الشابي ذا شغف ببيرم وبعلي لكن مرضه وشؤونه العائلية لم تسمح له بمداومة الاتصال بنا فكان يقضي ما يجد من اوقات فراغ في التفسح معنا بالضواحي والاجنة واذكر كثيرا من الليالي قضيناها " بالبلفيدير " : الدعاجي وبيرم والشابي والحداد والدرعي و " العبد لله " وغيرهم . . .

ولما كان استيراد بيرم لاجل العمل في تحرير جريدة الزمان التي  كانت في ذلك الوقت تؤيد سياسة الهمام السيد محمد شنيق فتحمل على جريدة " النديم " لسان الدستور القديم باقلام كرباكة والمهيدي وكنت اشاركهما احيانا في نظم الاراجيز فقد استولى بيرم على الجريدة وحرر منها اعدادا ضمنها ادبا في غاية الطرافة والجمال ، لكن " الزمان " وهي تخوض غمار السياسة لم تسمح لها صبغتها تلك بالعمل للادب والفن وكنا نريد جريدة بعيدة عن التيارات الزمنية فنشأت عن هذا الراي جريدة " السرور " اصدرها الدعاجي بمشاركة بيرم والعبددي والعريبي وكنت انا احرر فيها فصل " مراجعات صحفية " بامضاء " قلفه صحافي " ثم ساءت حال " السرور " فوقفت عن العمل واصدر بيرم باسمه " الشباب " وعملت على وتيرة السرور واشتهر للدعاجي اغان وازجال وتمثيليات اذاعية ومسرحية هي وحدها محصول زاخر بالفن والفكر ما اجدرها بان تجمع وتنضد للدارسين وله ولوع بالسماع ولكنه لا يتمتع بحنجرة جميلة حتى كان اذا اضطرب مجلسنا وكثر فيه الصخب ولم يجد من يسمعه يتهدد الجميع بقوله :

هيا تسكتوا والا توا نغني» فيسكت الجميع خوفا من سماع غنائه.  وحين نفذ تهديده في احدى المرات هربت انا من الحانوت الى القهوة تاركا  "فردة بلغتى" .. من كثرة الاستعجال ...  كما ان له ولوعا بالرسم ، فقد رسم بعض نكت اقتبسها من الادب العربي  ورسم وجه ابن خلدون وله كثير من ذلك هنا وهناك اما مطالعته في العربية فقد عرف اكثر كتب الجاحظ وقرأ الاغاني ويكفي  ان اقول هذا ليعرف تضلعه في العربية ، اما النظم فقد اقتصر على النسان الدارج الذي فتح فيه فتوحا كبيرة .. وكان معجبا اشد الاعجاب بسيدنا محمد وبالجاحظ والمعري .

اشترك في نشرتنا البريدية