الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

عمارة شاهقة

Share

فى الطابق الثالث من عمارة شاهقة بشارع الحرية ، جرس الهاتف يرن فتمتد يد الممرضة اليه :

- آل نعم ... نعم ... غير ممكن ... الطبيب يشتغل حسب الموعد يوم الاثنين القادم ... لا ... لا ... غير ممكن ... بقية أيام الاسبوع محجوزة ...  كما تشاء .. اذن صباحا من الثامنة إلى العاشرة ... لماذا تسأل ألم تات من قبل .. سبعة دنانير .

تضع السماعة

أمام باب العمارة الشاهقة بشارع الحرية تقف سيارة أجرة ، يفتح الباب ، تنزلين أنت وتسرعين الى فتح الباب الآخر ، فيظهر أبوك العجوز ، تقولين له :

- على مهلك ... هات رجلك ... هات الاخرى

تتجهين نحو السائق ، يرجع اليك الباقى ، تمسكين أباك من يده

- ها أننا وصلنا

أبوك لا يرد ، بل يظل يلهث وصدره يصعد ويهبط

- " الشدة فى ربى ... بالشوية يا بنيتى "

تشدين على يدى أبيك ، وتلجين معه بهو العمارة .

- ساعد على نفسك ... وحدة ، وحدة ،

يقول لك أبوك :

- دعينى أجلس قليلا على المدرج ، أية قوة تلزمنى لاصعد كل هذه الدرجات

تردين :

- على مهلك يا أبى

يجلس على أول درج ، تجلسين حذوه ، فكرت لو أتى زائر آخر وأراد الصعود كيف ستفعلين ، تنحيت من جانبه ووقفت أمامه ...

- أبى أنستطيع بدء الصعود ؟

وضع يده على الجليز ، أرسل زفرة طويلة

- هاتى يدك

مددت يدك ، مسكت يده جيدا ، كانت باردة كالجليز ، وضع يده الاخرى على " الدربوز " ، رفع رجله فظهرت ركبته من تحت السروال كعظمة مسلوخة ، بدأ عملية الصعود .

فى الطابق الثالث من العمارة الشاهقة ، يرن جرس الهاتف ترفع الممرضة السماعة :

- آلو .. نعم .. يوم الثلاثاء .. لا .. لا .. لا غير ممكن ، باقى أيام الاسبوع .. يوم الاثنين أيضا .. الكشف سبعة دنانير .. كما تشاء .. اسمك ... اذن من الثامنة إلى العاشرة صباحا

وضعت السماعة ، بدأت قاعة الانتظار المقسمة الى نصفين لكل جنس نصف ، تكتظ بالزائرين ، والمرضى ، والذين يظنون أنهم مرضى ، وفى النصف المخصص للرجال تعتم الجو من كثرة دخان السجائر .

ساعتها تكونين قد اجتزت مع أبيك ممرا واحدا ، تسمعين لهاثه ، تشعرين أنه يكاد يسقط ، تقولين : أبى إن تعبت نجلس ، قبل أن يجيبك يجلس ، يسقط على أول درجة ، صدره يعلو ويهبط

- كم من طابق ما زال ؟ - لم يبق الكثير ، طابقان فقط !

تقفين فى زاوية الممر ، تتركين فجوة للصاعدين والنازلين من تلك العمارة الشاهقة بشارع الحرية .

فى الطابق الثالث بدأ الرجال يتململون ، وكثر لغو النسوة ، رجل يغادر قاعة الانتظار ويخرج الى بهو المدرج ينظر الى الاسفل لعله يرى سيارة الطبيب وهى قادمة ، امرأة أعياها الجلوس ، وأعياها الوقوف ، نظرت الى الممرضة وأشارت الى ظهر يدها .

التاسعة والربع ! - ما زال يبطئ ..؟

تمط الممرضة شفتيها ، وترفع يديها كأنها أمام قاطع طريق

- إنه يذهب الى المستشفى قبل أن يأتى الى هنا ... ممكن يصل بعد ساعة أخرى

ويرن الهاتف ، تضع يدها على السماعة ، ترفعها :

- آلو ... نعم تفضل .. متى تريد ... غير ممكن ... كيف ؟ لماذا ؟ يوم الخميس محجوز ... لا يا أخى ... الحل يوم السبت ، خذ اجازة ... يا أخى ... ارفع صوتك قليلا ... ما هو اسمك ... اذن بين الثامنة والعاشرة .

تضع السماعة . يضع أبوك يده على الجليز ، يقول : - يا رب ! يقف : - امسكينى .

تمسكينه وتتوكلان على الله وعلى بقية الصحة التى فى رجلى أبيك  درجة ، درجتان ، ثلاث ، ويقف أبوك ويتكأ على " الدربوز " .

- هؤلاء الاطباء ليسوا أذكياء ، لماذا لا تكون مصحاتهم أرضية .

ثم يجهد نفسه ليواصل الصعود فى مدرج العمارة الشاهقة بشارع الحرية .

فى قاعة الانتظار ، تدور دردشات تافهة بين أناس مرضى ينتظرون الطبيب الذى سوف يأتى ، ينظرون الى ساعاتهم ، يسأل بعضهم البعض عن الوقت ، يعدلون عقاربهم ، يدخنون ، ينفخون ، يتأوهون ، ويسمع صوت

ناقوس الباب ، تدور اعناقهم نحوه ، وتكونين أنت وأبوك اللذان ينقسان ، تقرئين لافتة صغيرة بالفرنسية : " ادفعوا " .

تدفعين الباب ، تصدمك رائحة العرق والتبغ ، وروائح أخرى ، تقولين لأبيك :

- أدخل .

يتكئ عليك ، تجرينه الى ... ليس هنالك مقعد خال ، تنظرين فى وجوه الجالسين ، ينظرون الى أبيك ، يقوم أحدهم ويقول : " هاته الى هنا " تجرينه ، وهو يلهث .

- إجلس .

تشاهدك الممرضة ، تخرج رأسها من مكتبها الضيق كحجرة الهاتف ، تشير لك برأسها ، تذهبين نحوها .

- أعندكما موعد ؟

- نعم .

- ما أسمه ؟

تقولين لها اسم أبيك ، تنظر المرضة فى كنش صغير أمامها ، تجد اسمه مسجلا .

- دوره العاشر . - العاشر ؟ ! - ها أنك ترين ، الناس من الفجر ينتظرون . - والطبيب هل أتى ؟

تنظر الممرضة فى ساعتها :

- لن تنتظرا كثيرا ، قرب ميعاده .

ترجون نحو أبيك ، تجدينه يلهث وعيناه نحو القاع .

- أبى ... الطبيب سيأتى عن قريب .

تسمعينه يقول :

- لا أستطيع الجلوس على هذا الكرسى .

تلتفتين نحو الناس المبحلقين فيكما ، تستعطفهم عيناك ، يديرون وجوههم ، تذهبين الى الممرضة .

أبى تعب جدا .. ألا توجد عندكم أريكة طويلة يتمدد فوقها ؟

- لا نملك .. لكن قولى للرجال يقومون ، وألصقى أربعة أو خمسة كراسى الى بعضها البعض ودعيه يستلقى ويستريح .

يسمعما الرجال ، يقومون ، تتعاونون على صنع أريكة طويلة ، تقولين لأبيك .

- أبى تمدد على هذا الكرسى ... الطبيب لن يبطئ .

تلتفتين نحو الرجال ، وعيناك مبللتان ، يقف البعض منهم وتمددون أباك فوق الاريكة المصطنعة ، وتذهبين الى قاعة النساء تنتظرين الطبيب الذى سوف يأتى ، تغرقين معهن فى حديث ، ورنين الهاتف لا يسكت ، والمواعيد تتلاحق ، وكامل الاسبوع معبأ ، والطبيب سوف يأتى بعد حين ليقبض سبعة فى سبعة فى سبعة ، لكن رجلا يشير لك ، فتسرعين وتسرع بقية النسوة والممرضة ، فتجدين بقية الرجال ملتفين حول أبيك ، ترفعين يديك ، تطلقين صرخة عالية من الطابق الثالث من عمارة شاهقة بشارع الحرية .

يسود بعدها صمت رهيب لا تقطعه الا خطوات ... يتخللها صوت خافت حزين ليقول : الآن جاء الطبيب !!

اشترك في نشرتنا البريدية