كانت حفصية تهرول بين مختلف خيام الدوار تبشر النساء بعودة عمار وتصيح بأعلى صوتها ، تصحبها رنات خلخالها ورفرفة منديلها فوق رأسهما : " عاد عمار عاد أخى . عاد الهادى ..." وتخفق قلوب النساء اللائي خرجن جماعات لاستقبال الاخوين . وبعد ان رحبن بهما اجتمعن حلقات على ضفاف السواقى وفى الحقول يستعدن مغامرات عمار بن احمد الغول .
كانت له ثلاث زوجات ، يزور فى كل ليلة واحدة منهن . ويقضي كامل الصباح فى الصيد ، وكامل العشية فى دكان . بشير الطنطاوى يشرب معه الشاى ويلعب الورق مع حارس الغابة ، ومساعد شيخ التراب ، وعيسى الطويل الذي يحمل البريد على حماره كل اليوم من النفيضة ، فيوزع الرسائل على أصحابها ثم يقصد دكان الطنطاوى ليلعب الورق .
كانت زوجات عمار الثلاثة فى خصام مستمر رغم تباعد خيماتهن ، تجرى الغيرة فى عروقهن ، وتحاول كل واحدة الفوز بعطف عمار وبساعديه والتمتع بشاربيه الطويلين وعينيه الضيقتين . وصادف أن التقت مبروكة وفاطمة ، الزوجتان الاخيرتان ، فى أحد المحافل فدبرتا مكيدة لدرعية ، الزوجة الاولى ؛ اتفقتا على ان تقول كل واحدة الى عمار بيان درعية كرهته وبدأت تميل الى ابن عمها صالح النمرود وأنها استقبلته فى خيمتها مرتين فى غياب زوجها ... وسمع الرجل نفس الخبر من المرأتين . فاتجه الى درعية وهجم عليها بينما كانت في خيمتها تنتظر قدومه وتعد له الماء الساخن ليغسل به رجليه . أخذ السوط الموجود فى أحد الاركان وضرب به زوجته ضربا مبرحا . فلم تصح المرأة ، ولم تستنجد بجيرانها وأهلها إلا بعد أن تمزقت ثيابها وسال الدم من أسنانها ورجليها وزنديها , عند ذلك هرول أهل الدوار الى خيمة درعية وحاول الرجال امساك
عمار الشديد الغضب ، فلم يتمكنوا من ذلك الا بعد لاى شديد . وكثر الضجيج والجلبة بين الخيام ، وعلا نباح الكلاب وصاح الاطفال من كل ناحية ، وكادت تقوم معركة ضروس شبيهة بيوم داحس والغبراء بين أهل المرأة وبين عمار وأخيه الهادى ، الا أن شيخ التراب قد حضر بنفسه ومنع الرجال من التخاصم ...
وما كاد الفجر يسطع حتى كانت درعية طالقا .
فصار عمار لمبروكة وفاطمة وحدهما . فكان يقضي ليلة عند هذه وليلة عند تلك . ولكن شيئا كان ينقصه ... الطمأنينة والراحة قد استلتا من اعماقه بعد ان كان يشعر بهما بالقرب من درعية . وبعد أسابيع قليلة تملكه الحنين الى ليالى درعية ، حبه الاول . فهذه المرأة هى أول من عرف من النساء ، وأول من شعر معها بالسعادة . ظل ليالي عديدة يتذكر عيني درعية الشديدتي السواد ، وبشرتها السمراء ، وشعرها الداكن ، وصدرها ، وأسنانها التى سال منها الدم منذ أسابيع . ظلت صورة درعية تطارده أياما وليالى . ولم يعد يلذ له الصيد ولا الشاى ، ولم يعد يعتنى بلعب الورق . الى أن وجد حلا : كلف أخاه الهادى أن يبلغ شوقه وحنينه الى درعية ويطلب منها أن تعود اليه . وكان الهادى محبوبا من كل أفراد عائلتها ، يرحبون به كلما جاءهم ليقترض لأمه صاعا من الشعير أو شيئا من الملح .
ركب الهادى فرسه واتجه الى خيام أهل درعية . وبعد أن وزع ابتساماته عليهم نزل أمام خيمة زوجة أخيه السابقة ومد لها يده مصافحا :
أهلا بالهادى : قداش غبت علينا ! - درعية ، انت تعرفي السبب وهو اللى خلانى انجى اليوم . - آش تقصد ؟ - عمار يقاسى آلام الفرقة . - وناي ، ماريتش لونى الشاحب . - عارف اللى انت اعفيفة وتهموك بالباطل . وها كاى علاش جيت نطلب منك باش ترجعى لعمار .
- واش خصنى يا هادى ، خويا وباباي حلفو . - كيف انت راضية بالرجوع ، والديك انصفيو معاهم الحساب .
وصفى عمار الحساب مع الجميع : ذهب أهل الدوار صبيحة يوم الاحد الى سوق النفيضة ليبيعوا حبوبهم وصوفهم وتبنهم ويشتروا الخضر والبواقل والاواني واللباس . وبقيت الخيام خالية ، إلا واحدة ففيها شابة مقعد لاتقوى على الحركة ، مكثت فى خيمتها تقص على درعية حادثة مرضها للمرة العشرين . تقول إنها غسلت الصوف فى يوم عاشوراء فتعطلت رجلاها عن المشى . وبينما كانت تقص حديثها إذ سمعت وقع حوافر . وما هى الا برهة حتى رأت غبارا تغطي مدخل خيمتها ، فأرادت الصياح ، لكن الهادى قد وضع منديله على فمها بينما رفع عمار بين أحمد الغول درعية فوق فرسه وأطلق له العنان ....
ورجع أهل الدوار من السوق ، فعمت الفوضى الجهة وخرج الرجال يتوعدون عمارا وأخاه ، وينادون بالويل والثبور ، وبقيت النساء في خصام شديد يملأن حفصية ، أخت عمار ، وأمها شتما وتعييرا وتدخل شيخ التراب مرة أخرى . فأرسل مساعده الى النفيضة ليأتى بالجندرمة . وسمع سكان الدوار في ذلك اليوم ضجيج الدراجات النارية الثقيلة السوداء ورأوا أعوان الأمن في أتم عدتهم يحملون المسدسات وتصحبهم الكلاب البوليسية . نزل رجال الجندرمة من فوق دراجاتهم واتجهوا بخطى ثقيلة نحو " الشيخ " وأخذوا تفاصيل عن الحادث ثم تفرقوا فى الجهة وأطلقوا كلابهم لتتبع أثر عمار .
وقد نصب الرجل خيمته في أحد الحقول البعيدة وحط رحاله فيها ، وبقي أمامها يحرس درعية - رأى كلبا يجرى نحوه ففهم انه يتتبع آثاره ، فصوب نحوه بندقيته وأطلق عليه الرصاص فأرداه قتيلا . ثم دخل خيمته يحدث زوجته الحبيبة عما قاساه من ألم الفراق . وما كاد يخرج زاده ويقدمه لها حتى رأى شبح شخصين مسلحين ، فأخذ بندقيته وأسرع نحو الباب ولما أوشكا أن يقتربا منه صوت البندقية نحوهما وظل ينتظر وصولهما - اطلق احدهما النار فأصاب الخيمة ، فجذب عمار درعية بحركة سريعة وأبعدها
عن الخطر ثم أطلق الرصاص على الشبحين فلم يفلح فى اصابتهما ولما نفد البارود رفع يديه مستسلما وهو يكاد يحترق غيظا . فحمله الشرطيان الى سجن "النفيضة " وأرجعا درعية الى أهلها .
كان المسجونون مكلفين بمهمات شاقة تفرض عليهم فرضا . ومن حسن حظ عمار انه كلف باقتلاع الحشائش الموجودة في مستشفى المدينة وسقى الاشجار هناك . وبقى أياما يعمل تحت ضيق الحراسة حتى حصل على ثقة الحراس ، فصاروا يسمحون له بالخروج من حين لآخر من المستشفى ليشترى التبغ أو النفة . وفى أحد الايام زينت له نفسه الفرار : فقد اشتد شوقه الى درعية والى ركوب فرسه ، وحمل بندقيته ؛ وحن إلى الجلوس فى دكان بشير ولعب الورق مع مساعد شيخ التراب ، وعيسى الطويل عامل البريد . وعندما سمح له بمغادرة المستشفى الى بائع التبغ في الصباح الباكر اجتاز ديار المدينة وحوانيتها ، ومر من وراء دار البريد كي لا تعترضه الجندرمة وظل يسرع خطواته حتى تجاوز كل بنايات المدينة وحدائقها الصغيرة ودخل فى الحقول الواسعة : عند ذلك جعل بلغته تحت إبطه ووضع أطراف " البلوزة "فى جيبيها وعض رقبة قميصه وأطلق رجليه للريح ....
وما هى الا بضع دقائق حتى كان فى حانوت الطنطاوى يقص على الرجل حادثة فراره . ثم جاء بعد ذلك مساعد شيخ التراب ونصحه بالعودة او على الاقل بالاختفاء في مكان بعيد فأبى عمار بكل عزة وفخر ان يغادر الحانوت . وتقدم الصباح شيئا فشيئا وانتشر خبر مجئ عمار فى كل الدوار والديار فجاء الاطفال الى الحانوت ليعجبوا ببطولة عمار ، وأخذوا يبنون الملاحم والاساطير ويتحدثون عن مغامرات السجين الهارب ، وعندما جاء الهادى جلس مع أخيه على الحصير ثم وصل عامل البريد ، فاسترجع الحانوت حيويته وفرش البساط الكبير وأحضر الشاى ولعبت الاوراق بين أيدى الزبائن وأحب بشير صاحب المحل ، أن يسمع شيئا مما قاله عمار في درعية فرجا البطل الشاعر أن يروى له شيئا من شعره فاستجاب عمار للطلب . وبعد أن تنهد من كل أعماقه رفع عقيرته بالغناء بشعره :
الصنع صنع البارى القدير
الفصالة مركب فى قدها الرهواج
اغثيثها يتهذبل ، ريشء الغراب يطير
ارقيق السبايل محضى يرواج
والجبين يلمع كالبرق يشير
لونه ساطع ، في ظلمته ولعاج
الحواجب هالة ، منقوشة بتسطير
امحرقين اخليقة ، فى اللون زاج
ارقيد غزال الصحرا ، تايه من هجير
يتوق بين المهاود والفجاج
اعيونها حرقوي في الجاش والضمير
. . . . ..................."
وقبل ان يتم قصيدته سمع دوى الدراجات النارية ، فخرج من الحانوت وظل يجرى بين المساكن وكل الناس يخلون له الطريق . وظلت الجندرمة تلاحقه حتى وصل أمام " طابية هندى " فقفز عمار الغول بكل قواه فتجاوزها بسهولة بينما أوقف رجال الأمن دراجاتهم وبقوا يترددون أمام علو الطابية وأمام الهندى الملىء بالشوك . ولم يجسر واحد منهم على القفز .. فقد كانوا جميعا ثقالا ، لكنهم ركبوا دراجاتهم وأرادوا أن يعترضوا الهارب قرب السبخة فلم يجدوا له أثرا .... وظلت كلابهم تفتش عنه كامل الصباح .... حتى عثرت على آثار أقدامه . وتبع الجندرمة كلابهم حتى وصلوا الى دوحة كبيرة شاهدوا في أعلاها ضالتهم المنشودة . وبما أن عمارا قد كان خاليا من كل سلاح فقد قبضوا عليه بسهولة وقادوه الى سوسة وأحالوه على محكمتها . وبعد أن درس ملفه حكم عليه بخمس سنوات من الاشغال الشاقة .
علم الهادى بطمع برنار الكورسيكى ، المراقب المدنى ، وحبه للرشوة . فساق اليه بقرتين وعددا كبيرا من الدجاج والاكباش واتجه الى
المدينة . لم يذهب الهادى بن أحمد الغول الى القصبة حيث يتقبل المراقب الشكايات . ولكنه قصد الضيعة الموجودة قرب المستشفى الجهوى ، وذلك بعد أن غادر برنار الكورسيكى مكتبه في آخر العشية . وقدم الاخ هديته الى عامل الضيعة وأرسله ليعلم سيده أن صاحب الهدية يريد مقابلته .
أطل المراقب المدنى من النافذة على البقرتين والشياه والدجاج . فلم يتمالك عن النزول لاستقبال " ضيفه " والترحيب به . وقص عليه الهادى أمر أخيه مبالغا فى مدح المراقب وشكره .... ولم يخرج من عنده إلا مطمئنا على اطلاق سراح أخيه . ولم يتم النهار حتى عاد صحبة عمار الى الدوار .
وقد علمت أمهما بالمكيدة التى دبرتها مبروكة وفاطمة لدرعية . ففضحت المرأتين وأخذت كامل غياب ابنها تدافع عنه وعن درعية ، وترجو من والدى المرأة أن يرجعاها الى عمار .
ولما رجع البطل الشاعر طلق زوجتيه الاخيرتين وأعاد درعية اليه .

