الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

عمر بن الخطاب والضمان الاجتماعي

Share

- ٣ -

وفى الواقع ان كل ما شوهد ، فى هذه السنوات الاخيرة ، من مشروعات مختلفة للضمان الاجتماعي ، على اشتملت عليه من تنظيم دقيق ، وما اتسمت به من روح الرغبة الحقيقية فى القضاء على الحرمان . فى الواقع ان كل هذه المشروعات لا يمكن ان يقال عنها انها تشبه فى قليل او كثير ما سبق ان حققه فى هذا المجال " عمر بن الخطاب " رضي الله عنه ، قبل اربعة عشر قرنا من الزمان . ونظرة واحدة مقارنة إلى الضمان الاجتماعي لعهد الفاروق العظيم ، والى المشاريع الضمانية اليوم ، ترينا أي ضمان مثالي كان ضمان عمر وأى بون شاسع كان بينه وبين هذه الضمانات العصرية

وأي مثالية اروع من هذا الذى اتاه عمر - فى القرن السابع للميلاد من اغداق عطائه ، حتى للمنفوس ، حين يفرض له مائة درهم ، فاذا ترعرع بلغ به مائتى درهم ، فاذا بلغ زاده . . وهكذا

وأي عطف انساني ابلغ من ان يذهب الخليفة بنفسه الى القرى البعيدة ، حاملا معه سجلات العطاء ، فلا تغيب عنه امرأة ، بكر ولا ثيب ، فيعطيهن فى ايديهن ، دون ان يفكر في ان يعهد بذلك الى " باحث اجتماعي " أو أى نوع آخر من انواع الموظفين كما هو اليوم في البلدان التى انشئت فيها وزارات الشؤون الاجتماعية .

حتى اهل الذمة شملهم عطاء عمر مر بشيخ منهم يسأل على ابواب المساجد فقال له : ما انصفناك ، اخذنا الجزية منك في شبيبتك ، وضيعناك في كبرك ؛ ثم اجرى عليه من بيت المال ما يقوم بأمره . .

وهذا العطاء المنظم الشامل كما قرضه عمر على ما بيناه " ١ " - اتراه كان كافيا في نظره ، لكى ينام ويستريح ؟ !

والحق ان عمر لو اراد ان يقف عند مجرد انشائه لديوان العطاء ، وفرضه لما

فرضه من اعطيات شملت القاصى والداني مع ما صاحب ذلك من رقابة شديدة صارمة كان يتولاها هو دون ان يكل امرها الى غيره . . الحق انه لو اراد ان يقف عند مجرد فرضه للعطاء ، ومراقبته لتطبيقه . . لكان بأمكان التاريخ المنصف ان يقولها كلمة مدوية : " ان عمر قد ادى واجبه كاملا غير منقوص نحو ربه ونحو رعاياه أجمعين . . "

غير أن عمر - فى شدة حساسيته ويقظته ، وادراكه التام لحقيقة ما يمكن ان يقع من خلل واهمال فى كل مجتمع مهما كانت النظم القائمة دقيقة ، ومهما كانت الرقابة على تنفيذها دقيقة - ان عمر - وهو هو هذا الرجل - . ما كان يمكن ان يكفيه كل هذا العمل الضخم ، وما كان يمكن ان يكفيه ان يقول عنه التاريخ ما يقول . ان عمر ما كان يمكن ان يكفيه ان يضع نظاما ، ثم يسهر على مراقبة تطبيقه فحسب . . إنما يريد عمر شيئا عظيما وراء هذا كله ، يريد ان لا يبقى فى رعيته ذو حاجة ، ولا يبقى فيها محروم . . ان عمر يشعر من اعماق نفسه انه مسؤول عن كل فرد من افراد هذه الرعية ، بل أكثر من ذلك ، مسؤول حتى عن الحيوانات التى هي فى حوزة هذه الرعية ، فأى شئ وراء هذ إلا التعب والعرق والدموع ؟ وأى شئ وراء هذا الا ان يسهر الليل والناس نائمون ؟ وأى شئ وراء هذا الا ان يجعل من اهم اعماله فى كل ليلة ان يتجول فى المدينة ، لا يدع ناحية من نواحيها دون ان يمر بها ، لعله يجد محروما نسيه الخليفة فما خصه بنصيبه من العطاء ، او لعله يجد ذا حاجة ، لم يكفه نصيبه من العطاء فيمده بما يكفى حاجته ، او لعله . . او لعله . .

ولعل حادث تلك المرأة وصبيانها واسعاف عمر اياهم فى ليلة من تلك الليالي لعل ذلك الحادث من أشهر ما سجله التاريخ لعمر . . وما اكثر ما سجله التاريخ لعمر من نظائر لهذا الحادث النبيل

ومن هذه الحوادث ايضا : ان طلحة رأى عمر خارجا فى سواد الليل فتتبعه مستخفيا ، فدخل عمر بيتا ورجع ، فلما اصبح طلحة ذهب الى ذلك البيت واذا بعجوز عمياء مقعدة . . فقال لها : ما بال هذا الرجل يأتيك ؟ قالت : انه يتعاهدني منذ مدة طويلة ، يأتيني بما يصلحنى ، الى آخر ما قالت . . فقال طلحة : ثكلتك امك يا طلحة أعثرات عمر تتبع ؟

ولقد أشرنا إلى ما فرضه عمر من عطاء للمنفوس . . فاقرأ هذا الحادث ، وهو يدلك على السبب الذي جعل عمر يفرض هذا العطاء :

سمع عمر بكاء طفل اخر الليل ، فأتى امه فقال : ويحك اني لأراك امرأة سوء مالي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة ! قالت يا عبد الله : قد اضجرتني منذ الليلة ، اني اربعه على الفطام . قال : ولم ؟ قالت : لان عمر لا يفرض لرضيع ، وانما يفرض للفطيم ، قال عمر : وكم له ؟ قالت : اثنا عشر شهرا ، قال : لا تعجليه ، وذهب فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء عليه . فلما سلم قال : " يا بؤسا لعمر ، كم قتل من اولاد المسلمين ثم أمر فنادى ان لا تعجلوا اولادكم عن الفطام ، فانا نفرض لكل مولود فى الاسلام ، وكتب بذلك الى الآفاق كافة .

ومن اهتمامه بأمر الرعية ما قاله رضي الله عنه : " ان عشت لاسير فى البلاد حولا ، فاقيم فى الشام ومصر والبحرين والكوفة والبصرة وغيرها ، فاني لاعلم ان للناس حوائج تقطع عنى ، اما هم فلا يصلون الي ، واما عمالهم فلا يرفعونها الي " وكان ذلك فى اخر سنة من خلافته رضي الله عنه

وفى عام الرمادة حين اجدب الناس وجاعوا من قلة المطر ، رآه الناس لا يأكل الزيت حتى تغير لونه وكان يمد الاعراب بالأبل والقمح والزيت حتى محلت الأرياف كلها وقام عمر يدعو لهم ان يرزقهم الله فاستجاب الله له ، فقال حين نزل الغيث : " الحمد لله : والله لو ان الله لم يفرجها ما تركت اهل بيت من المسلمين اهل سعة الا ادخلت عليهم معهم عدادهم من الفقراء فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم واحدا . . "

وفي ذلك العام اشترت امرأة عمر شيئا من السمن بستين درهما . فقال عمر : ما هذا ؟ قالت : هو ما لي ، ليس من نفقتك ، فقال لها : ما انا بذائقه حتى يحيا الناس

وكان عام الرمادة من اشد ما مر على المسلمين هما وهولا . . غير ان ما عالج به عمر هذه الشدة وما ساس به امور الناس ذلك العام ، وما قام به من اشراف دقيق على التموين العام للمسلمين وما ابداه الى جانب ذلك من تقشف إلى ابعد حدود التقشف كل ذلك كان له أثر وأى أثر فى تخفيف وطأة هذه الشدة الى ان ازاحها الله .

ومما اجراه عمر فى ذلك العام ان كتب الى كل من ابي عبيدة فى الشام وعمرو بن العاص فى مصر يستغيتهما فارسل اليه ابو عبيدة اربعة آلاف راحلة عليها الطعام فقسمها بين اهل المدينة وما حولها من القرى . . وكتب اليه عمرو : لبيك لبيك يا أمير المؤمنين ، قد بعثت اليك بعير أى - قافلة - أولها عندك وآخرها عندى ، فوسع عمر بها على الناس . .

وعام الرمادة كان السبب فى أمر عمر لعمرو بن العاص ان يحفر خليجا يجرى به ماء لنيل حتى بحر القلزم ، لنقل ما يلزم الحرمين من المؤونة والميرة ، فحفره وسير فيه المراكب تحمل الطعام الى الحجاز . .

وقد كان عمر فى عام الرمادة اعظم الناس غما لما اصاب المسلمين من هذه الضائقة حتى قيل عنه : لو لم يرفع الله سبحانه المحل عام الرمادة لظننا عمر يموت هما بأمر المسلمين .

وبعد . . فهذا هو امير المؤمنين " عمر بن الخطاب " رضي الله عنه فيما خلده له التاريخ فى صفحاته البيض من ايجاده نظام العطاء . . أو كما نسميه اليوم فى لغة العصر الحديث " الضمان الاجتماعي " على اختلاف كبير واضح بين هذا وذاك . . بين نظام عمر ، ونظام العصر الحديث

ثم هذا هو عمر . . فى دقة رقابته لتنفيذ هذا النظام ، ثم فى دقة تحريه لما وراء هذا التنظيم ، وما وراء هذا التنفيذ . . واخيرا هو ذا عمر فما كان يقوم به من جولاته الليلية ، وفيما كان يسوس به امور المسلمين فى اوقات الشدائد والازمات . . مما يدخل كله تحت كلمة " ضمان " لا بالمعنى المعروف المصطلح عليه فى هذا الزمن الاخير . . وانما فى أوسع واشمل ما تؤديه من المعاني الكريمة " كلمة الضمان .

) تم البحث

اشترك في نشرتنا البريدية