الحضارات كالامبراطوريات تتكون وتبلغ أوجها ثم تنحط . غير أن انحطاطاتها بطيئة تحدد تباعدا بين مستويات الثقافة وآثارها . ثم ان ما يختص به نظام ما هو ادراكه لذاته كجملة منسجمة : ذاك ما تصل اليه - فى كلاسكيتها على الاقل - الثقافات ذات الاتساع المفهومى والديموجغرافى الكبير .
فعلا ، هناك حركة دائمة تتكشف فى تاريخ الاسلام الاجتماعى الثقافى : اختزال متعاقب يرجع النظام الثنائى (Systeme binaire ) الى الوحدة
تكونت الحضارة الاسلامية خلال القرون الهجرية الاولى نتيجة اسهامات ديموغرافية وثقافية مستمرة كانت بدءا غير متجانسة ، لكن هذه الحضارة ((مزجت )) تواليا بينها وألفت منها كيانا طريفا أثراها . هذا ينطبق على ظهورها المنسق بين المادة العربية القديمة (حياة بدوية فى الصحراء واقتصاد تجمعات قوافلية ) والوحى القرآنى : تعديل ايديولوجى واعادة توازن اجتماعى اقتصادى معا . وهو ينطبق على انتشارها بواسطة الفتوحات الكبرى
الاولى الممتدة فيما بعد بواسطة المجموعات التى اعتنقت اذاك الاسلام وحافظت مع ذلك على جزء من نظامها الحضارى القديم .
لقد استوعب الاسلام منذ البداية كثيرا من العناصر البيزنطية والساسانية بل وغيرها تغييرا لا تعرف بعده لانه جعلها منه . ثم وقعت صدمات معاكسة : (( الغزوات الكبرى )) المنغولية والتركية أدت الى دخول الغازين فى دين متطور وفى ثقافة مهذبة ، ولكنها مدت هذا الدين وهذه الثقافة بنشاط جديد وتنظيم دولى ، ثم بحساسية مبتكرة الاسلوب فى التصوف والفن المعمارى والشعر والموسيقى . بعد ذلك تميزت الثقافة الاسلامية تبعا لانتشارها فى حضارات الهند وماليزيا وافريقيا (( السوداء )) وفى الحضارة الصناعية . ثم ان استيعاب هذه الحضارة الصناعية يكون تحولات سياسية من تحولات هذه المجابهات المتتالية وهى لا تزال جارية ويصعب تحليلها .
موازنة وفى اتجاه معاكس تؤدى هذه المجابهات الى رفوض جذرية من نوعين : رفض مفهومى كرفض التقارب المبالغ فيه بين علوم الشريعة الاسلامية والفلسفة اليونانية وكرفض الانظمة السياسية المنسوخة عن البلدان الصناعية وكرفض مجتمع مادى بحت وأخلاق مبنية على المنفعية لا غير ( رفضا قد يكون مجرد كلام عند البعض ) ، الى غير ذلك ، ثم رفض ديمو سياسى كرفض كل مجموعة بشرية منظمة حكوميا ولا تعترف فى أرض اسلامية بتفوق حضارتها و أولوية سيادتها : مملكات الافرنج ، السيطرة الاستعمارية ، اسرائيل .
يمكن اذا (( تركيب )) تاريخ الحضارة الاسلامية ضمن تعاكسات ديالكتيكية متتابعة : تواجه المادة الأصلية حضارة أخرى فتنتج عن ذلك صياغة جديدة وثرية للثقافة الاسلامية يواجهها كيان سياسى ثقافى جديد ، وهكذا . باختصار ، هناك نظام ثنائى يصهر قطبيه ليعود الى الثنائية عن طريق استيعاب عنصر جديد . فى كلمة ، هناك حركات متتابعة نحو الارجاع الى الوحدة .
هذه الحركة الاستيعابية لا تمكن مقارنتها بصدام بين تاز وأنتيتاز متكافئين انها ملاءمة أو قولبة الحضارة الاسلامية الموجودة بفضل تأثير جهدها الذاتى عليها ، ثم بفضل ادماج بعض العناصر الخارجية فى فترة ما . عناصر يكسبها تداخل الحضارات بعد الفتح ( مصر ، فارس ، بيزنطة ، الفترة الاستعمارية )
أو الاكتشاف العلمى ( علوم الديانة المسيحية ، الفلسفة اليونانية ) هكذا تبقى الحضارة الاسلامية القاعدة الانسانية التى تتفاعل فوقها الاثراءات أو التآكلات
غير أن التأليف ( Synthese ) لا يكون تاما دائما : بعض العناصر التى يعسر هضمها الى حد ما يمكن أن تبقى كما هى . بحيث يجب أن يفكك الارجاع الى الوحدة حسب الميادين ، اذ قد يتم هذا الارجاع فى مستويات دون أخرى . ومثال الاسلام في الهند نموذجى فى هذا الصدد : رغم الغزوات اللامعة التى قادها الغزنويون والغوريون أو التى قادها المغال نازلين حواجز الهملايا ورغم صعود بحارة العرب التجار سواحل الغجرات أو البنغال لم يستطع الزحف الاسلامى تغطية الاتساع الديموغرافى ولا كشط الاصناف الفلسفية - الدينية والبنيات الاجتماعية الهندية . رغم التراكمات المتعددة بقى النظام ثنائيا : تجاور اعتقادى وسلطى وعوائدى وثقافى ، وهو ما ينطبق على اسبانيا وممالك الافرنج الصليبية والبلقان وعلى الفترة الاستعمارية فماذا حدث فى المغرب ؟
ان التمفصلات التى اقترحها أحد مفكرى المغرب اللامعين - وقد عاش فترة دقيقة أعلنت أزمة القرن الخامس عشر - تكشف ولو جزئيا عن الديالكتيكات الخاصة بهذه المنطقة ( ... ) .
المعطى : جنس وإيكولوجيا :
كيف كان اذا توزيع الجنسين فى مغرب ابن خلدون ؟ من الاكيد انه تحدث عن التعارض بين العرب البدو والبربر المستقرين وعن غزو أولئك لهؤلاء ، ولكنه يضيف أن البدوى قد يكون عربيا وقد يكون بربريا ، كما أن المستقر قد يكون من القرية وقد يكون من المدينة . ذلك أن معطيات الوضع الانسانى والتشابهات الاصلية للتفكير لها دخل كبير هنا . واذا كان ابن خلدون يعرض (( الجنسين )) على حاليهما فانه يزيل كل النتائج الجنسية أو العنصرية بالمعنى المحقر ( مع استثناء الجماعات السود احتمالا . ص 294 ) I)) ،
خصوصا وأن البربرى الذى يعيش صغيرا فى وسط عربي صرف يتمكن تماما من اللغة والحضارة العربية وهو ما يصعب على غير العرب ( البربر والافرنج والاتراك ) فى سن متقدمة وايضا على عربى نشأ فى وسط بربرى أو مبربر لا تنتج الثقافة اذا عن الاصل الدموى أو عن الطبيعة الفطرية وانما عن المحيط هذا ما يجعل زعم ابن خلدون القائل بان العربى ( فى الواقع : الاعرابى) غير صالح للخلق الفكرى النبيل ( ص 1233،823 ) معتمدا على أسلوب الحياة لا على لعنة وراثية .
ان المؤسسات القبلية أو القروية كظهور الاحياء أو سكونها ترجع - وسط (( الخليط )) المغربى - الى مجموعات بشرية واردة عن (( جنسين )) : مجموعات مختلطة بواسطة القرابات الدموية أو / و السياسية ، أو معتبرة فى مراحل تطورها المختلفة . من هنا تمحى المفارقة الاصلية عرب / بربر خلال الملاحظات الخلدونية للحياة اليومية . أكيد أن هذه المفارقة تمكن مع ذلك من تصنيف قبائل المغرب عن طريق الاسماء والانظمة الثقافية والانسجامات العائلية ومراتب الجاه ، لكنها تمحى عندما يستوعب التحليل السوسيوغرافي أدق الجزئيات . يكون هذا الامحاء فى المستوى المنهجى ( ربط المحيط وحجم السكان بالوسط الاجتماعى وردود الفعل الجماعية ) وفى مستوى الاستنتاجات ( الدورة المفسرة تفسيرا غير صارم فى الواقع لظهور الممالك وأوجها وسقوطها سواء كانت هذه الممالك عربية أم بربرية ) ، وهما مستويان معتمدان على الفصل وعلى خصوصية الصنف الثقافى المعين الذى يفرزه مكان معين فى فترة معينة محتملة فى المسافة التاريخية ، هذا المفهوم الزمني التطور dichronique ) ) لمختلف الاوضاع الاجتماعية يحدو بابن خلدون الى ربط عوامل التنوع الانسانية المتفرعة عن نفسانية الافراد والجماعات والمؤثرة فى آثار الحضارة ( تقاليد محلية ، فنون أدبية ، مضامين عقائدية ، مؤسسات خصوصية . . . ) الى الايكولوجيا والديموغرافيا .
ان الاصل العنصرى عرب / بربر ينزع اذا عند ابن خلدون الى التحول فى شكل مقابلة أتنوسوسيولوجية بين الصحراء والمدينة ، بين البداوة والحضارة أو على الأصح - ولكى لا نجمد تفكيره فى بنية أركيتيبية - بين الاستبس نصف الجاف والحى التجارى . اذا واستعمالا لتمييز ماوتسي تونغ الشهير فى النظام الخلدونى يمثل التقاطب ( تجمع ديموغرافى مدنى / حياة فى الطبيعة ) تناقضا هاما هو أقرب فى الواقع الى التناقض المفهومى منه الى التناقض المعاش مباشرة . وسبب ذلك التكامل بين القطبين : اذ التمدن معتمد على
العمارة ( الفلاحة ) . ثم ان البدو يحتاجون الى المدينة وأهل المدن يهتمون بملكية الارض ، وهكذا . . . لكن ابن خلدون - خلال الالوان الدقيقة التى بضفيها على هذه المقابلة الاساسية التى تكسب دورته التطورية للملك ديناميكية - يلاحظ أن تلون الظاهرة البشرية ( لا الجماعة البشرية المعتبرة فحسب ) تلونا بربريا أو عربيا يمكن أن يفضى الى بعض التغييرات وأن يحدد بعض التناقضات الثانوية والمنحلة بالتالى داخل النظام ثم إن توضيح الاتجاهات يستوعب من جديد جزءا من التمييز المحول ، لكن فى مستوى أقل توترا . كذلك يعترف ابن خلدون بأن العرب وغير العرب ( البربر ، الاتراك ، التركمان ) يتشكلون فى قبائل منتجعة ، غير أن القبائل ذات الاغنام لا ترتاد الصحراء وقليل فيها العرب اذ هؤلاء يمثلون أغلبية القبائل ذات الابل وأكثرها تعاطيا للحرب ( ص 243 ) .
ان العرب البدو المتاخمين للصحراء نظرا لبنياتهم الاجتماعية ولاساليب دفاعهم يغزون - أو على حد تعبير مؤثر كثير الجدل والتأويل - يكتسحون خاصة السهول ثم يستقرون في الاراضى الايسر فلاحة ومعهم خليط ثقافى وجنسى . أما جملة المرتفعات فهى أبعد عن لغتهم وانظمتهم وقانونهم ولقد كانت فعلا ملاجئ للبربر .
بداية من ذلك يجد ابن خلدون فروقا كبيرة بين الاوضاع الاجتماعية وبالتالى بين نماذج التجمع فى المغرب وفى الشرق الادنى . فبعيدا عن فترة القبائل الاسرائيلية العربية كانت مدن هذه المنطقة الاخيرة قد استقرت ابتداء من الفتح العربى . كما أن سكانها كانوا قد (( مدنوا )) بعد ولانوا بالتحضر والدفاع قد تم بعد استسلام الجيش البيزنطى أو الفارسى بحيث تحقق غرس الثقافة العربية نهائيا . ثم أمكن تبعا لذلك التحكم فى سكان مصر وسوريا المجردين من العصبيات المتصادمة عن طريق سلطان هادئ وحازم يتوالى حكامه حسب منطق سلطانى .ان الشرق كان يبدو لابن خلدون أثرى من المغرب ( ص 756 ) بتضاريسه المتعرجة ( ص 128 ) التى تسكنها دائما قبائل صعبة المراس والتى يوازى فيها الاصرار على الوضع الاجتماعى البدوى استقرار عدد كبير من الفلاحين اثبتهم منعطف أو واد جبلى يحصره أفقهم وتستقطبه قرية أو مدينة صغيرة ذات سوق .
هذا والحال أن المغرب فى عهد ابن خلدون يعيش سكانه التوزع / الامتزاج ، فالصراع بقى كامنا فى الاراضى المرتفعة والهضاب مع تقدمات
وتراجعات تسهلها التضاريس نفسها : مما أنتج تجزئة الى (( أوطان )) تكون وحدة جغرافية يكفى كبرها لتموين جماعة بشرية هامة ويكفى صغرها لفرز شعور جماعى ذى خصوصية ، وبالتالى لكسب القدرة على الدفاع ضد الغير دون اللجوء الى ما تمنحه المدينة من وسائل الأمن . من هنا جاءت سعة المسافة الفاصلة بين الاحياء الحضرية بالمغرب . وهي أحياء لا تملك - بسبب موضعتها المتجددة المتوالية - ما يكفى من طاقة للمحافظة على مالها من وظائف الأمر فى ميدان السلطة الاجتماعية السياسية أو فى نشر الحضارة فهى لا تحول اذا دون رجوع مؤسسات كالثقافة الى الايكولوجيا السياسية والانتروبولوجيا الاقتصادية رجوعا يدعو اليه الوضع الجغرافي : العلاقة بين قبائل راعية للاغنام ذات تنقل محدود نسبيا وفلاحين يحصرهم منطق حدود تدافع عنهم . بهذا فان الوسط المكون بذاته لاول غطاء يقى مجموعات محدودة بنيويا ونعنى به العصبية ، أى اجتماعيا انسجام جماعة بشرية معروضة عارية فى اتساع الصحراء كان أقل ضرورة فى المناطق الجبلية والساحلية .
خلال فترة قصيرة نسبيا بعد نضج الفتوحات الكبرى وحتى أزمة القرنين الرابع عشر والخامس عشر الاقتصادية كانت الثقافة العربية الاسلامية قد تطورت منتشرة على مجموع الامة التى كان كل مركز منها قطبا تربطه بغيره حركة العلماء والشعراء والرحالة والتجار . غير أن عملية الارجاع الى الوحدة قد وقع اتباعها خاصة فى مستوى الثقافة العالية : فهي لم تتجاوز الفصل بين المعرفة القرآنية أو الادبية الكلاسيكية - وهى (( عالمية )) بالنسبة للعالم الاسلامى - والحكمة الاتنوغرافية المتنوعة . فهذا الفصل كان نفسه اسقاطا سوسيو ثقافيا للتقسيم السوسيو اقتصادى الفاصل بين الطبقة الحاكمة البيروقراطية العسكرية والمجموعات الساكنة فى المدن أو الارياف .
الا أن هذه المفارقات - كتلك التى بين البدو والحضر - لم تكن مطلقة . بل ان الواقع المغربى كان يبدو لابن خلدون أكثر التباسا ودقة . فالتعايش الاصلى بين العنصرين أدى الى انتقال الحضارة العربية الاسلامية الى السكان البربر . فكل ملك جديد ( بربريا كان أم عربيا ) كان عاملا فى تعريب جزء من شمال افريقيا ، اذ يعتنق لغة القرآن والشريعة . الا أن تجديد السيادة يشارك - عن طريق التنقلات الديموغرافية وادراك أناس أتوا من الصحراء مراكز الأمر - فى تزييف المرحلة الحضارية التى تكون قد تمت فى الوسط الحضارى ( ص 1286 ) كما يشارك فى فتور الروابط بين المراكز الحضرية الكبرى والريف عن طريق الهامشية التى يوجد فيها جزء من سكان
الريف خلال المدة التى يضعف فيها السلطان القديم ويقوى الجديد ( ص 60 ) فهو إذن يحد من انتشار الثقافة العربية ومن رسوخها فى القبائل البربرية وعند العرب الراجعين الى البداوة ( ص 673-764 ) . إن هؤلاء الاخيرين يتكلمون لغة لم تعد لغة القرآن بل لغة أخرى خالطتها العجمة ( ص 1276 ) مما أدى إلى انحرافات أصابت الحضارة العربية وأزالت جزئيا الطابع العربى لعادات هؤلاء وأفكارهم خاصة عند الاستقرار . اذ هذا الاستقرار الذى يفترض الابتعاد عن الصحراء وعدم الاندماج فى المراكز الحضرية يكسبهم حساسية فى التأثر بالوسط الديموغرافي والايكولوجى المحيط . وهو بالتالى يقحمهم فى اللغة والتقاليد البربرية أو على الاقل فى نظام نزاعى وسلوكات سياسية أو بالتالى فى أصناف عقلية محلية .
المستقبل : نظام ثنائى ونظام ثلاثى :
ان الارجاع الى الوحدة فى المغرب كما كان الحال فى مناطق العالم العربى الاخرى لم يستوعب المفارقات بين المراكز الحضرية والريف وبين ثقافة المعرفة والحكمة الشعبية . فمن هذه ما هو أكثر عروبة ومنها ما هو أكثر بربرية . غير أن التمازج كان نتيجة للديالكتيكية نفسها التى حققت تقدمات وتراجعات لا تنطبق حتما مع الاصل الاولى للمجموعات البشرية أكثر مما حققت تأليفا شاملا . فمغرب ابن خلدون الذي لن يجمع فيما بعد اختلاف الملك كان احتمالا المغرب الذي تكونت فيه عن طريق الكمون العميق والتولد المستقبلى خصوصية المغرب الحديث .
الا ان هذه الخصوصية المعتمدة على تمازجات دقيقة ولكن غير كاملة تعكرت بالوجود الاستعمارى الذى أجج الانفصالات التى كانت لا تزال كامنة بين المناطق العربية والكتل البربرية . لقد كانت الفرنسية مثاقفة ( ( acculturation حققت مرورا مباشرا من حياة القبيليين kabyles) ( أو الاوراسيين أو الاطلسيين الى الفكر الحديث دون المرور بالثقافة العربية . منذ ذلك الوقت تكون نظام ثلاثي ، أى نظام ما انفكت الحضارة العربية الاسلامية - عن طريق محض اثباتها للوحدانية ( الله ، الامة ، الثقافة العالية . . . ) تشعر فيه بالضيق وتحاول حله دائما .
ففى الهند وجد المسلمون أنفسهم خلال الحرب أو التحالف فى اتصال مباشر مع الاروبيين وأقصى الشرقيين ابتداء من القرن السادس عشر . فكان
أن ثبت نظام ثلاثى يعاكس النظام الثنائى الكلاسيكى فى الاسلام العربى : كان هناك وسط اجتماعى وجو مفهومى هندى من ناحية ، ثم تجارة وقوة وتفكير غربى من ناحية ثانية ، كما كان من ناحية ثالثة اسلام هندى وجد نفسه مضغوطا عليه بين كتلتين متنازعتين فى الوقت الذى بدأت فيه القوة المغولية تضعف . ولما كان هذا الاسلام مجبورا على المقاومة أو على التحالف فى جبهتين ( والسلوكات الثقافية والسياسية التى نادى بها سيد أحمد خان ذات مغزى هنا ) فانه لم يستطع (( الرجوع الى الوحدة )) المتماشية مع الديناميكية الاسلامية . بل هو لا يزال يتحمل هذا الوضع فى انقسام الباكستان وبنغلاداش .
هذه الملاحظة يمكن انطباقها على الجزر الهندية القديمة أو على ما يعرف اليوم بماليزيا واندونيسيا ففى هذه البقاع لم يتمكن الاسلام الداخل فى بناء نظام ثلاثى من تحقيق الارجاع الثقافى التام الى الوحدة . وقد كان هذا بسبب الصعوبات التى أكثرت منها التجزئات والتفرقات العرقية والثقافية والاقتصادية والجغرافية فى الارخبيل وربما أيضا بسبب الاستعمار الغربى ( الذي (( ينطلق )) مع البرتغاليين منذ القرن السادس عشر ويستمر مع الهولانديين ثم ان دراسة مقارنة بين عادات القبيليين المحلية والبربرية والماليزية رجوعا الى القانون الاسلامى قد توضح هذه النقطة .
واذا فبداية من عهد الاستعمار رضخت منهجيات الثقافة الكلاسيكية ومضامينها الى عملية ابطال التخصيص ( desaffectation) وبدت اذاك دون فاعلية أمام العقلانية الحديثة بما فيها المدينية والديموغرافية والبورجوازية والاشتراكية . هذه العقلانية التقنية كانت تعمل بطريقة أخرى غير مباشرة ولفائدة النخبة على احداث انسحامية أخرى جديدة : ذلك أن الثقافة الاجنبية تجتهد فى أن تصبح ثقافة سياسية حاكمة من جهة ، ومدخلا الى العالم الخارجى وعالم العلوم من جهة أخرى . وبالتالى فانها تتجاوز فسيفساء الثقافات الخصوصية الموزعة عبر الاسلام .
على أن عملية الانسجامية (( من الخارج )) هذه كانت جزئية . فهى محصورة على (( المتطورين )) نظرا لقلة التعليم ومكبوتة بالخوف من الاندماجية المستوعبة ثم انها تأكدت حسب اتجاهات اخرى بفعل الانعتاقية من الاستعمار . هذه الانعتاقية من الاستعمار حركت تدريجيا مشاعر شعوب كاملة ضد الحضارات الصناعية الكبرى ذات المركزية . كما أن الشعوب قد كتلت فى شبكة واحدة
- خلال هذا الجهد الشامل العنيف - مختلف أنظمتها الثقافية : الحكمة العامية والطاقات الريفية الصلبة ، وكذلك العلم والاثارات الغربية ولو كانت نسبيا مطلوبة أو مقبولة من طرف البورجوازيات الليبريالية القومية والمناضلين الثوريين . لقد حركت القومية السياسية فى النضال القومية الثقافية . بحيث تلاشت الخصوصية المحلية ( جنس ، عائلة ، وراثة ، مناخ ؛ طبقية اقتصادية . . . ) لان الانبعاث التاريخى يبدو فعالا فى مستوى الامة لا فى مستوى الجماعات الضيقة ، بل لعل الاستقلالات قد سمحت بالرجوع الى هذا المزج المتبادل الذى تكون فيه الحركات البرونية mouvements browniens - بالنسبة للافراد وأحيانا العائلات - والاتجاهات العميقة - بالنسبة للمجموعات السكانية - تنفس الحياة نفسه فى افريقيا الشمالية .
هكذا تجتهد المجتمعات المغربية اليوم ، كما حدث فى تاريخها ، فى العمل من أجل ارجاعين جديدين وأساسيين الى الوحدة : ارجاع الى الوحدة لم يعد يتعاكس فيه أصحاب القديم وأصحاب الجديد كما كانوا يتعاكسون فى ريبة متبادلة بداية القرن . ثم ارجاع الى الوحدة لم يعد يتواصل خلال الصدامات الداخلية للحضارات المتجاورة : مجتمع استعمارى / مجتمع أصيل ، مناطق عربية / مناطق بربرية . ذلك أن مختلف كيانات المغرب قد تجمعت وانسجمت فى البلدان المستقلة الثلاثة . الا أن هذين الارجاعين قد استمرا خلال القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا حسب حركتين متناقضتين ومتكاملتين : الاول حركة انفتاح اى اكتشاف واستيعاب ، والثانية حركة ترشيح أى تحليل ورفض للعناصر المشوشة للخصوصية المغربية . كذلك استمرتا فى اتجاهين : اثبات المساواة بالنسبة للعالم الخارجي ( سيادة سياسية وكرامة، علم واقتصاد حديث ) وبالنسبة للذات ( محو التشتت الداخلى السوسيو اقتصادى والسوسيو ثقافى ) أو باختصار اثبات المساواة عن طريق المشاركة فى صيرورة النمو العالمى وتقريب المسافة بين الثقافة المعرفية والحكمة الشعبية ، أى بين الطرق والانظمة الاجتماعية المتنوعة التى تعرقل - لكن ان يكون ذلك حتميا - البناء الجديد لمجموعة مغربية لها سعة ما درسه ابن خلدون .
هذا وقد تم بعد امتداد الابعاد الرابطة بين الثقافات . فحروب التحرير كانت وجهت من الريف الى المدينة بواسطة الضواحي القزديرية أو المقاومين، وعكسا تنشر المدينة الآن ثقافتها وتقنيها فى الريف . ولربما يكون التسيير الذاتى مكانا تحقق فيه التجربتان التحامهما . . . أمام آفاق أوسع يريد المغرب
أن يحدد موقعه لا بالنسبة للبحر المتوسط فحسب بل بالنسبة لعمق الصحراء والقارة الافريقية طولا وبالنسبة للامة العربية والعالم الاسلامى ومجموع العالم الثالث عرضا .
ان التناضحات تستمر فى البناءات القومية المعاصرة عن طريق صعود الايديولوجيات المكتلة ( جزأرة ، تونسة . . . ) وانتشار العادات الجديدة ( التى لا تكون دائما معروفة فى المجتمعات الصناعية ) والناتجة عن التعليم المعمم وعن وسائل المواصلات الجماهيرية وعن الاتصال بالحياة الاجنبية ( الهجرة ) . من هنا تكون التباينات الثقافية المثارة نهاية العهد الاستعمارى مجردة من الصبغة السياسية قدر الامكان ومبررة بما تؤديه من اثراء للثقافة الوطنية . غير أن الثقافات الشعبية والجماعات الحاملة لها تتغير هى أيضا ، بحيث يبقى خطر (( الفلكلورية )) موجودا . لهذا تحاول البحوث جمع ما تبقى من هذه الثقافات والاحاطة بها . وانه لمن واجب هذه البحوث أن تتغير مناهجها تبعا للتطور . فالميدان لا تتمكن منه الآن الملاحظات الاتنوغرافية الكلاسيكية التى كانت قبل اختفائها تصف العادات والافكار أو المعتقدات الماضية اعتمادا على دراسة مصنوعات الحرف التقليدية والتي يجب أن تقترن بأحدث المنهجيات السوسيولوجية لفهم البنيات الجديدة . ذلك أن تحولات الحضارة والمجموعة البشرية تؤدى الى تحولات المبحث العلومى ((l'epistemologie وربما تساعد على تركيد التصادمات الثقافية القديمة .
هكذا يكون المغرب على غرار كل المناطق الحضارية الاخرى راضخا الى تناقض داخلى : فهو يدعو الى انسجامية ما ويفسر خصوصية ثقافاته . وهو تناقض ذو حل ديناميكى يجسم تكونه وحركته عند ابن خلدون هذا الارجاع الى الوحدة المتجددة . المتجددة دائما بأمر من الحياة التى تقحم تواليا عناصر جديدة ، مغذية بذلك احد (( النماذج )) الاكثر تميزا فى التاريخ السوسيو ثقافى الاسلامى .

