1 - عندما شرفني الدكتور الطاهر لبيب مدير المركز الثقافي الدولى بالحمامات بالدعوة الى المشاركة فى ((ندوة الاعلام الثقافى)) ثم أصر على أن يكون حديثى عن ((عملية الابداع فى الاعلام الثقافى)) من خلال تجربتى الشخصية - وليس فقط من خلال تخرجى من معهد الصحافة وعلوم الاخبار - كدت أعتبر ثقة الدكتور الصديق ((وساما ثقافيا)) يكفي للاعتذار خوفا من ((التورط)) فى ((شبهة)) التحدث عن الخبرة الذاتية المتمثلة فى أكثر من أربعة آلاف حصة ثقافية بالاذاعة والتلفزة الى جانب التنشيط للعديد من صحف الادب والفكر ..
كدت أعتذر عن المساهمة فى الندوة المشار اليها لولا اعتزازي بثقة الاستاذ مدير المركز الثقافى الدولى، ثم لحرصى على أن تنشر هذه ((المداخلة)) بالمجلة التى يديرها ويرأس تحريرها الاستاذان ((محمد مزالى)) و ((البشير بن سلامه)) .. وفاء مني لفضلهما على تجربتى المتواضعة فى الاعلام الثقافى ..
2 - قد يجىء الكاتب الى الانتاج الاذاعى من نافذة الادب فاذا به - من حيث يدري أو لا يدري - ينتقل من ((مجرة غيتونبارغ)) الى العصر الحديث، ومن التعامل مع الكتابة على الورق الى التعامل مع الميكروفون، ومن ((التعبير الصامت)) الى القارىء .. الى الخطاب المسموع .. بالاتجاه الى قارئ بأذنيه ..
- وقد يجىء المنتج الاذاعى الى الكتابة المرئية من نافذة الاذاعة - من حيث يدري أو لا يدري - فيشعر بأنه ينتقل من المنطوق الى المسموع المرئى، ومن التعامل مع الصوت والكلمة .. الى التعامل مع الصورة والحركه .. ومن التعامل مع المستمع .. الى التعامل مع المشاهد ..
وقد يجىء الصحفى الى الاعلام المكتوب من نافذة الثقافة - من حيث يدري أو لا يدري - فيشعر انه ينتقل من المنطوق الى المكتوب، ومن التعامل مع الخطاب المسموع إلى الخطاب المدون، ومن التعامل مع المخاطب المباشر .. الى التعامل مع القارىء غير المباشر ...
فهذا الكاتب الذى يتحول إلى اذاعى، وهذا الاذاعى الذى يتحول الى تلفزيونى، وهذا المثقف الذى يتحول الى صحفى، هم سينتجون بشكل أو بآخر، وقد يحمل كل واحد منهم - فى التعثر الاول للنطق الاول - رواسب الطريق إلى المكتوب، أو رواسب التوجه الى المستمع على انه قارىء، أو رواسب المخاطبة للمشاهد بذهنية التوجه الى المستمع .. أو الى . . المتعامل مع الصحيفة ..
هذا الخطأ فى العنوان حدث وكثيرا ما يحدث لا فى صفوف المبتدئين فقط، وإنما أيضا لدى الكثيرين من ((القدماء)) ممن علموا شيئا وغابت عنها أشياء ..
شخصيا - ولولا ملحوظات الاستاذ البشير بن سلامه وتشجيع الاستاذ محمد مزالى - لم أكن فى انتقالى من القلم الى الميكروفون أميز بين نص أكتبه إلى مجلة ((الفكر)) فى 1963 ونص أكتبة ضمن حصة اذاعية فى 1964 ..
ثم أدركت تدريجيا وعن طريق الممارسة للعمل الاذاعى والتأمل فيها من الداخل ومن الخارج (ولي فى هذا الجانب الثانى محاولات تنظير نشرت فى وقت لاحق بمجلة ((الاذاعة والتلفزة)) و بـ ((العمل الثقافى)) ) أن الدرجة الصفر فى عملية الابداع للكتابة الاذاعية تبدأ من الوعى بأن لكل قناة اعلامية خصائص مميزة على صعيد الخطاب، وبأن لكل نوعية تعبير فني خصائص مميزة على صعيد التبليغ، وبأن لكل مقام مقالا ..
وهكذا وعبر العشرات من الحصص الاذاعية والعشرات من الكتابات بمجلة ((الفكر)) و ((الصباح)) وغيرهما، بدأت رحلة بحثي الشخصية عن خصوصية كل خطاب اعلامى بحسب القناة التى يتوسل اليها .. الأمر الذى فتح أمامى
آفاقا جديدة فى صميم مشاغلى آنذاك فى صلب الطليعة الادبية التونسية .. وفى أوج انغمارى مع بعض ابناء جيلى الادبى فى مغامرة التفجير لاشكال الكتابة وتجريب اشكال مغايرة نابعة (أو هكذا أردناها) من جدليتنا مع متغيرات الواقع الجديد .. وذلك على أساس الاقتناع بأن الشكل الفني ليس مسألة شكلية وانما هو انعكاس لرؤية الى المحيط الموضوعي ...
ومما أذكره فى هذا السياق هو أن أخذي لهذه القضية بكثير من الجد قد أوقفنى، فى وقت من الاوقات، حائرا أمام الاشكالية التالية: إذا كان بالامكان على صعيد الكتابة الادبية أن يطمح الكاتب الى تفجير الاشكال الجائزة (شعرا وقصة ومسرحا ومقالة)، فالى أى حد يمكن لكاتب الاذاعى أو التلفزيونى أو السنمائى أن يهدم ليبني، وأن ينسف ليؤسس .. سيما وأن ما هو جاهز وموروث وواضح فى الاشكال الادبية .. ليس كذلك فى التراث الاذاعى، والتلفزونى، والسنمائى؟!
وهنا اتضح لى أمران اثنان على الاقل اتخذا فى هلسنة بحثى المتواصل عن لبديل التعبيرى شكل سؤال، ولكنه سؤال كالقبس فى غسق الليل .. والامران هما: أن التأسيس للكتابة الحديثة لا يتأتى الا من خلال البحث عن علاقة التكامل الضرورى والايجابى بين المسموع والمكتوب والمرئى وأن هذا التأسيس للكتابة الحديثة لا يتأتى الا من خلال التفجير لمختلف أشكال الكتابة الجاهزة لاعادة صياغتها انطلاقا من الخصائص المشتركة للمسموع والمكتوب والمنطوق ..
لكن كيف؟
والاجابة هنا تبقى مجرد مشروع جماعى قد يأتى وقد لا يأتى ..
وكما هو الشأن بالنسبة الى ((الكتابة)) - بمفهومها المغاير لمفهوم ((الادب)) - فان الكتابة الاذاعية، أو الصحفية، أو التلفزيونية، أو السنمائية..هى فعل ناقص أو ((خطاب بديل)) بالقياس الى المشروع الاساسي للقول، ثم إن هذا ((الفعل الناقص))، المتمثل فى الكتابة، بحكم ما يراد له من تحريك للسواكن، ومن حركة جدلية مع المحيط، ومن توق الى الفعل والتغيير، يحتاج بالضرورة، بل يحتاج حتما الى قارئ أو الى مستمع أو الى مشاهد يرد الفعل، ولا يبقى فى حالة سكون أو سكونية، فيندمج فى مناخ الكتابة .. ولا يبقى مجرد مستهلك سلبى ..
وهكذا تصبح الكتابة الاذاعية أو الكتابة التلفزيونية - أو إن المطلوب منها هو هذا - تصبح ((فعلا)) يبدأ بامضاء المنتج ويكتمل بتفاعل المستهلك وقد أصبح - أو إن المطلوب منه هو هذا - شريكا فى الانتاج عن طريق التفاعل ..
ومعلوم، كما سبق لنا أن أبرزنا ذلك فى مناسبات أخرى، أن الابداع بداية أبدية .. لا عن ((سابق مثال)) أى إنه حركة جدلية مع المألوف، والموروث، والجاهز، وخلق جديد للغة باستمرار، قصد الاجابة، والتصحيح، أو التعويض، لا ترديد صدى، واجترار رواسب ..
- ومن هنا كان لا بد - فى عملية الابداع - من ابتكار خطاب موجه الى المستمع إذا كانت القناة اذاعية لا صحفية ...
ومن هنا كان لا بدا - فى عملية الابداع - من ابتكار خطاب موجه الى المشاهد إذا كانت القناة شاشة صغرى أو كبرى، لا اذاعة ..
- ومن هنا كان لا بد من ابتكار خطاب موجه الى القارىء اذا كانت القناة الاعلامية صحيفة لا تلفزة ..
هذا النحت للخصائص المميزة، وللحدود الفاصلة، ليس من السهولة بمكان دائما، وإن كان المنطلق الاساسى لعملية الابداع ..
3 وقد يتبادر الى الذهن، للوهلة الاولى، أن بين ما يقتضيه ((الاعلام الثقافى)) من أمانة ايصال، وبين ما تقتضيه عملية الابداع من انقطاع وتعارض .. تناقضا أو ضدية كما هى حال التناقض والضدية بين النقل والكشف .. أو بين الاجترار والابتكار ..
بكلام آخر،
- إذا كان الاعلام تبليغا، وايصالا .. والابداع انقطاعا وتعارضا،
- إذا كان الاعلام احاطة علم ب (رسالة اعلامية ما ..) أى اذا كان ((معرفة)) تقاس بـ ((الكم)) أولا وقبل كل شئ، فى حين أن الابداع .. أداء فني، أو انتاج لعلاقات جديدة تقاس بــ ((الكيف)) أولا وقبل كل شئ، فان الاشكالية تتمثل فى المسافة الفاصلة بين الصدق بمعناه (أرض - أرض) - إن صح التعبير - وبين الصدق الفني بمعناه (سماء - سماء) أو (فن - فن) إن صح التعبير ..
الى هذا الحد فالتعارض يصبح علاقة تكامل بين الضربين من الصدق، أى بين صدق الاعلام وصدق الفن، وبين اشراقة المعرفة ولباقة الايصال لتلك المعرفة ..
وترجمة ذلك الى لغة الاعلام الثقافى بكل أشكاله يمكن أن تكون:
- عن طريق تجنب ((الروتين)) فى الايصال ..
- عن طريق تجنب تحويل الرسالة الاعلامية الى مادة خام يقع ايصالها بغير تثقيف أو تهذيب ..
- عن طريق تجنب الاثقال على القارىء أو المستمع أو المشاهد .. بالافراط فى ((المباشرية))، أو فى الوعظ والارشاد ، أو فى غير ذلك من السلبيات ..
وخلاصة القول هى أن لا اعلام بغير حس ابداعى، وأن هذا الاخير هو ضمانة نجاح لكسب الرهان .. أى لوقاية الرسالة الاعلامية (Le Message) من التحول الى رسالة بلا عنوان ..
فى هذا الاطار مثلا، تندرج حصة [ما تسمعه اليوم تقرؤه غدا] التى تعتبر أول حصة ثقافية يومية بالاذاعة التونسية ثم حصة ((يطاقة استدعاء ثقافية))، (وهى أيضا ضرب من الاعلام الثقافى اليومى)، وعلى إثرها - وقبل انتاجنا لبرنامج ((مواعيد ثقافية)) - يمكن الاشارة إلى حصة ((كتب ومجلات)) اليومية ..
هذا الرصيد من الانتاج الاول من نوعه فى الاذاعة التونسية من حيث كونه اعلاما ثقافيا يوميا، قد راعينا فيه ما يلى:
- التوقيت الاستراتيجى فى خارطة البث.
- الايجاز فى مدة كل حصة (وكانت جل البرامج قبل ذلك) تعتمد فضاء زمنيا أطول بكثير ..
- التنوع الصوتى.
- الفواصل الموسيقية القصيرة.
- خفة العبارة.
- التنويع فى طرق الاداء والتعبير (أسلوب ((الفلاش))، الطريقة الحوارية، مزج الخبر بالشعر .. الخ .. ).
الخ ...
وقد لاقت بعض هذه البرامج حظا وافرا من القبول الحسن، وربما - أيضا - أفادت بعض الشئ الجمهور الواسع من حيث مد الجسور بينه وبين الصحافة، والمراكز الثقافية، والمكتبات، وقاعات العروض والمعارض والمحاضرات ..
أما على صعيد التأثير الايجابى على بعض المنتجين الشبان من حيث الايحاء لهم بضرورة الايجاز، أو بضرورة خلق لغة اذاعية متميزة .. الخ .. فقد يتحدث عنه غيرى ذات يوم ..
4 وعملية الابداع فى الكتابة بكل أنواعا (بما فى ذلك الكتابة المسموعة والمرئية) ليست صراعا مع الموروث اللغوى فقط من أجل تفجيره وتوليد ايقاع جديد بين تعابيره، وانما صراع مع الشكل أو النماذج الجاهزة للافصاح والبوح ..
- واذا كانت وسائل الاعلام هى من أهم افرازات الحضارة المعاصرة (بالخصوص الوسائل التكنلوجية للتبليغ).
- واذا كانت الحضارة المعاصرة هى ((أول حضارة تتصف بالاطلاق، وتتجه الى الواحدية والى العالمية)) (كما يذهب الى ذلك الدكتور محيى الدين صابر)
فلا غرابة إذا لاحظنا ظاهرة تمازج الفنون وتكاملها، وبالتالى ظاهرة انفجار الاشكال التى هى انعكاس لتغير فى رؤية الانسان الى الكون ..
فى هذا السياق يمكن القول بأن تجديد اللغة (بكل أبعادها) لا يكفى بمفرده اذا لم يكن مشفوعا بنحت أشكال جديدة فى اطار ما يسمى بالمنوعة، والتحقيق، والريبورتاج، الخ ... أى إذا لم يكن مشفوعا ببحث متواصل من
طرف رحل الاعلام عن قوالب ((يهندسها)) خارج الطرق المعبدة .. بعد أن يكتشفها اكتشافا، فى سياق الممارسة والتأمل ...
5 وقد ينتصر المنتج (ولو الى حد محدود) فى معركته مع الموروث اللغوى، ومع الجاهز من الاشكال والقوالب، ولكنه بالرغم من ذلك فقد يجد نفسه وجها لوجه (فى عملية الابداع) مع طريق مسدود قد علقت عليه لافتة ((العالم الثالث))، أما الطريق المسدود فهو اللاتواصل والاغتراب إزاء هذا المحيط الاعلامى أو ذاك الذى .. أشار اليه من طرف خفي - بشكل أو بآخر - ((كارل مانهايم)) عندما نبه الى أن تطوير الانتاج الثقافى لا يمكن أن يتأتى الا باعادة النظر باستمرار فى الهياكل المسيرة للانتاج وفى علاقتها بالاطار المنتج ..
والحقيقة المرة فى البلدان المتخلفة، بوجه خاص، هى أن رجل الاعلام الثقافي الجاد ليس أقل حظا وحظوة من غيره فى وسائل الاعلام التقليدية .. فحسب، وانما هو أيضا ((عجلة خامسة)) أو ((سادسة)) فى الكرنفال المقنع .. وتلك هى. المسألة فى عالم متخلف كثيرا ما ينسى أن تخلفه ثقافى أكثر منه تكنلوجى ..!!
