الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

عنترة بن شداد العبسى، فارس الشعراء وشاعر الفوارس

Share

سادتي )

اذا اردنا ان نصور لكم شاعرية هذا الشاعر المفلق ، وشهامته وبطولته ، فقد يكون من جماع القول وصائب الراي ان نقول لكم عنه : انه الشاعر الوحيد الذي طبع شعره بطابع نفسيته ، وكيفه بالكيفية التى ترضى ذوقه النبيل ، وشيمته الابية . وانه الفارس الوحيد الذى اخضع لسطوة رهبته شياطين الشعر فجادت له بالقوافى الحسان فعنترة ) والحال ما شرح ( إن رفع من شأن الفروسية بجنانه وسيفه ، فهو كذلك لقد رفع من مستوى الشعر العربي بلسانه وفكره

ولادته وعمره ووفاته

تكون ولادة عنترة على ما يفهم من فحوى اقوال الرواة فى اوائل القرن السادس المسيحي وتكون وفاته على ما يستنتج من اقوالهم في أوائل القرن السابع ويقول صاحب الروائع انه ولد عام ٥٢٥ م ، ويقول انه توفى عام ٦١٥ م ، اى بعد الهجرة النبوية بسبع سنوات . و قال غيره من المؤرخين مثل هذا القول : اما عمره فرووا أنه بلغ الثمانين عاما ، قالوا والتسعين ايضا . ونميل الى الاخذ بالرواية الاخيره ، لانها

تطابق ما اسلفناه عن تاريخ ولادته وتاريخ وفاته . ويستدلون على بلوغه من العمر عتيا بقوله : -

فما او هى مراس الحرب مني    ولكن ما تقادم من رماني

واستنتج المستشرق بيرون في بحثه عن مقابلة الاجيال ان عنترة كان من سلسلة نسبه فى درجة توازي درجة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم

عنترة فى صباه

كثيرا ما يسود غير المأمول فيه السؤدد ، وكثيرا ما يضطهد الانسان فى فجر  حياته ويلاقي عذاب الذلة والهوان من عشيرته ، فاذا هو فى كبره سيدها  المرجى وحامي حماها المقدس : هذا عنترة اهمله ابوه شداد ، و استعبد فى صغره ، واسترعاه الا بل ، وسامته سمية زوج ابيه شداد بانواع الكيد وافشت لزوجها سر حب عنترة لها . فاضطرم قلب شداد بالغيرة ، وتملكه  الغضب الشديد والحنق القاتل ، على عبده عنترة المتجاسر ، وبالا صح على ابنه الجرىء فانهال عليه ضربا ، واعتزم على قتله ، فاذا سمية تدركها الشفقة  فتقع على شداد ، وترجو منه فى الحاح ان لا يزهق روح عنترة . واذا الوالد يصفح : وتمر هذه الحادثة الرهيبة على فؤاد عنترة الصبي الحر المستعبد ، فتهز نياط قلبه وترعجه ازعاجا ، فتأبى شاعريته الغضة القوية ، الا ان تسجلها  فى مقطوعة شعرية موسيقية رنانة ، تشف عن روح البطولة والشهامة النادرة كما تنم عن الحب الكمين اللاذع

قال عنترة

امن سمية دمع العين مذروف   لو ان ذا فيك قبل اليوم معروف

كانها يوم صدت ما تكلمنا      ظبي بسفان ساجي الطرف مطروف

تجللتني اذ اهوى العصا قبلى         كانها صنم يعتاد معكوف

العبد عبدكم والمال مالكمو     فهل عذابك عني اليوم مصروف

تنسى بلائي اذا ما غارة لحقت        تخرج منها الطوالات السراعيف

يخرجن منها وقد بلت رحائلها            بالماء يقدمها الشم الغطاريف

قد اطعن الطعنة النجلاء عن عرض     تصفر كف اخيها وهو منزوف

عنترة فى شبابه

وهذا عنترة قد ازدهر شبابه ، واكتملت قواه الفكرية والجسمية : ها هو يحضر الحروب مع قومه رغم كونه مستعبدا فيهم ، وكانت هذه العبودية تقض مضجعه وتستدعي المه : من عادة العرب فى الجاهلية ان للوالد الحق في ان يستعبد ابنه متى جاءه من امة . وله كذلك ان يلحقه ببنيه اذا ظهرت عليه مخايل النجابة عرف جاهلى جائر ، وقانون بدوى غاشم ، ذاق من هوله عنترة الصاب : فلقد كلفه  والده برعى الابل وحلبها وصرها ، وهو اسود ابن امة حبشية هي زبيبة  هذا كله موجب لنقمة عنترة ، باعث له على التلهف الي استنثاق نسيم الحرية الطليق ، فارتقب الفرص . وما واتته حتى اهتبلها . وجني من آماله كل المراد : اغار  حي

من العرب على قومه عبس ، فاصابوا منهم و استاقوا ابلهم ، فلحقت بهم عبس فقاتلوهم عما هم ، و عنترة يومئذ فيهم كعادته ، فلما حمي وطيس الحرب وظهرت طلائع الهزيمة النكراء فى جموع العبسيين ، نظر اليه والده نظرة المنقذ فاستنجد به وقال له كر يا عنترة : فاجابه : العبد لا يحسن الكر ، انما يحسن الحلاب والصر فقال كر وانت حر : فكر ، فشتت شمل الاعداء . فالحقه شداد بنسبه وحرره من العبودية

ايها السادة

ارأيتم كيف تكون الروح حية ، والعاطفة نبيلة ، والهمة سامية ؟ هذا عنترة يجيب اباه فى ساعة الهول اجابة المغضب الحاقد المهضوم الحقوق ، الشامخ الانف المعتز بالنفس : يقول له فى صراحة واباء . العبد لا يحسن الكر ، انما يحسن الحلاب والصر : وبهذا الجواب القاسى يقطع عليه كل طريق ، الا طريق تحريره والحاقه  بنسبه ، وهنا يخضع شداد لهذه الارادة العنترية الجبارة فيقلده وسام التحرير ويمنحه قلادة التقدير

الحق يقال ان عنترة فى صنيعه كان حكيما موفقا فقد انتهز الفرصة ، وعرف من اين تؤكل الكتف ، فهذا الظرف القاسي الحرج هو اقمن ظرف لنيل امنيته الجليلة .

عنترة فى كهولته

وسترى عنترة رجلا فحلا . معظما في قومه ، اليس فارسهم المعلم ، وقائدهم  

فى الحروب ، فاذا له حساد : واذا هؤلاء الحساد يضعون اشواك الدسائس فى طريق عنترة الى قمم المجد الشامخة : انهم يسقطون على عدم صفاء نسبه وعلى اسوداد لونه وهم من أجل هذا يثيرون حرب دسائس خفية على عنترة  البطل ، و عنترة بطل في الحرب والسلم و فى الفكر و الشعر ، لهذا لا ينكل  من مقارعتهم باللسان ، داحضا اقاويلهم كاشفا عن عزته فيهم ، واحتياجهم لسؤدده واصالته فيهم . اليس ابن احد اكابرهم شداد ،

حدث ان غزت عبس بني تميم ، و كان على عبس يومئذ قيس بن ز هير ، فانهزمت عبس امام تميم ، فوقف عنترة موقفا مشرفا ، وجمع الناس ودافع عن قومه دفاعا مجيدا ، وشاهد الناس من حزمه وبسالته ما أطلق  السنتهم بحمد هذه البطولة النابغة ، واذا قيس يمتعض من هذه الحادثة ، وله بعض الحق فى هذا الامتعاض ، فقد احس ان نجم رئاسته  على وشك الافول بسطوع هذا  النجم الجديد فى سماء القبيلة ، وهنا ينبعث قائلا كلمته المملوءة بالدس والا كبار

والله ما حقن دماء الناس الا ابن السوداء يعنى عنترة . وتبلغ هذه الكلمة المسمومة مسامع عنترة ، فتثور ثائرته * ويرسل احدى قصائده العصماء مجيبا لشانئيه ومحبطا مساعى العاملين فى اسقاط  منزلته السياسية وهدم مكانته الاجتماعية  وفيها يقول : -

اني امرؤ من خير عبس منصبا   شطري واحمي سائرى بالمنصل

ان يلحقوا اكرر وان يستلئموا     اشدد وان نزلوا بضنك انزل

ولقد ابيت على الطوى واظله     حتى انال به كريم المأكل

واذا الكتيبة احجمت وتلاحقت    الفيت خيرا من معم مخول

والخيل تعلم والفوارس انني      فرقت جمعهم بضربة فيصل

اذ لا أبادر في المضيق فوارسي    حتى اوكل بالرعيل الاول

و لقد غدرت امام راية غالب     يوم الهياج وما غدرت باعزل

والخيل عابسة الوجوه كانها         اشطان بئر فى لبان الادهم

عنترة فى شيخوخته

في الشيخوخة تنهد القوى المعنوية في الانسان  ، وتتحطم اماله . ولكن عنترة ذا القلب الجبار عارك الشيخوخة كما يعارك الابطال ، فصرعها  : كان في إبانها شاب الفؤاد مفتول العضلات ، سليم الفكر . فقيها قاد عبسا  في حروب دا حس والغبراء فاحسن القيادة : يدلنا على ذلك ان هذه الحروب  لم تخمد نارها الا قبيل الهجرة النبوية بنحو اثنى عشر عاما فقط . وكان ممن لازمه  فى هذه الحروب الهائلة الحطيئة الشاعر العبسي المخضرم . ولقد اعترف بمقدرة عنترة فى القيادة الحربية

عوامل فروسيته وشاعريته

نستطيع ان نجمل هذه العوامل فى ثلاثة امور : الوراثة . البيئة . الحب اما الوراثة فلها تأثير بين فى سلوك الابناء خصوصا إذا لوحظ في تربيتهم العناية بتغذيتهم بمبادئ الاباء : وهذا ما حصل بالفعل لعنترة . الم يمر بكم

قول ابيه له فى اثناء المعركة : كر وانت حر : هذا تشجيع له على الاقدام . وهذا عمه يوصيه بمثل هذا فيما يرويه لنا عنترة فى معلقته اذ يقول :

ولقد حفظت وصاة عمي بالضحي    اذ تقلص الشفتان عن وضح الفم

وأما البيئة فغير خاف على حضراتكم ان عنترة احد بني عبس ، وبنو عبس من غطفان وغطفان جمرة العرب . توسطت منازلها بين قبائل العرب القوية الباسلة حجازية ونجدية وكانت اعمال الحروب متوالية ، فيما بينها وبين جاراتها ، وفي هذا الوسط المغامر ولد عنترة . وفيه شب وشاب . فما له لا يسلك مسلك رجال قبيلته وما له لا يعصف بالاقران ، وما له لا يجيد البيان ، ليجلو  للناس رواية بطولته على منصته وياسرهم بقوة بلاغته : هذا هو الذي صقل شاعرية  عنترة وزينها . ولقد مرت بكم حادثة حبه لسمية إذا فقد احب وهو صغير  وما برح هذا الحب ينمو في قلبه كلما نما ويكبر كلما كبر : فى ديوانه كثير من قصائد الحب ، وفي ديوانه كثير من هذه القصائد الغرامية التى تفصح عن حبه لابنة عمه عبلة بنت ما لك العبسي . وقد لهج بذكرها في معلقته وكنى عنها تارة وصرح باسمها تارة . ولا ريب عندنا في ان لحبه العذرى لها اثر عميقا بارزا في تهذيب شمائله وفي كرمه وحبه التمدح بحميد الخصال وترفعه عن البخل  وجمع المال والافعال الذميمة ، بل لعلنا لا نعدو الحقيقة اذا ادعينا لكم ان لهذا الحب اثره النافذ فى فروسية عنترة نفسها فان الحب إذا تملك الفؤاد يدفع  صاحبه الى حب المغامرة وإلى التضحية والى الظهور بمظهر الشهامة والتفوق

على الاقران والمنافسين ، ليحظي المحب برضا المحبوبة ويفوز منها بالوصل الثمين ، لانها وقد ادركت ان محبها رجل الشهامة والمرؤة ، ومثال النبل والتضحية فانها تبادله الحب معجبة بنبوغه وشمائله  ( للبحث بقية )  -

اشترك في نشرتنا البريدية