الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

عندما تتفكك الحبال

Share

أغلق جهاز التلفزة والامتعاض باد على وجهه . . يتأفف أبدا من برامجها . . لا يعجبه شىء فيها . . ربما لانه شيخ . . ما اهتموا يوما بمشاكل الشيخوخة . . فتح جهاز الراديو . . فانبعث فى الغرفة صوت عبد الوهاب فى (( سهرت ..  )) شردت عيناه . . وبدا على وجهه الرحيل . . ومع جلوسه على الاريكة قربه صاحت أختى التى انتحت مكانا نائيا من الغرفة لتطالع بعض ما يعجبها من مقالات فى مجلة شرقية .

 الا نستطيع أن نلقى فى هذا البيت شيئا من الراحة . ؟ أف ! وارجعت نظاراتها الى مستوى عينيها الجميلتين .. وانغمست من جديد فى صفحات المجلة وكأن شيئا لم يعكر صفوها  .. كأن شيئا لم يقلقها .. تضحك أعماقى .. هى أبدا هكذا .. تقول كلمتها ولا تواصل رد الفعل .. كأن مهمتها فى هذا البيت الملاحظة والتعليق .. معقول جدا أن تشعر بذلك .. هى أعلى مستوى منى فى هذه الاسرة الكبيرة .. من مسؤولياتها الارشاد والتوجيه .. أما الاصلاح!.. لم يعر أبى أهمية لملاحظاتها .. وكأنه تعود على السماع والترك ..

انتهت الاغنية .. وبدأ برنامج لا يعجبه . . أدار زر المذياع الى محطة أخرى .. وأخرى .. وأخرى .. وفى حركة يائسة اغلق الجهاز .. نظر الى ساعته .. الوقت يزحف .. والايام تجرى . . وفى اراحة ظهره على ظهر الكرسى والقاء رأسه المتعب عليه خلته رجع بذاكرته الى سنين ولت .. تذكر نفسه صبيا .. وشابا .. وكهلا .. كان أبى الطفل المدلل .. هو الوحيد الذكر فى عائلته ..

وهبت له الحرية منذ الصغر .. ولم ترد له كلمة .. كان هو الذى يختار وأبوه - جدى - ينفذ .. حتى أمى اختارها هو .. ومثل هذا نادر فى عصره .. ذاك العصر الذى سمعنا عنه الكثير.. وعن اخلاقه وعاداته الأكثر ..كان الاب فى ذلك العصر يختار لابنه شريكة حياته .. قد تستشار الام أيضا فى موضوع يمسها كأم للعريس وكحماة لزوجته ز

- جيهان .. احضرى لى طعام العشاء ..

انهض .. انحصرت مهمتى منذ سنين فى الاعتناء بشؤون البيت .. لم افلح فى الدراسة .. لم يكن لى حظ أيضا فى تعلم الخياطة .. لم أستطع أن أكون أى شىء مما أراده لى أبى .. أنفق على أبى الكثير من ماله .. لا أستطيع أن أنكر ذلك .. ولكنه لم يخسر مليما واحدا من أجل ما أحب .. الحلاقة مهنة لا يحبذها .. أمرنى أن أبعد فكرة الاشتغال فيها من مخى .. وأمى لم تعارض ..

جلس يتناول طعام عشائه . . كم أحب أن نجتمع كلنا على طاولة الطعام . . وكم سعى لذلك . . جالسته أنا وأختى ((الدكتورة)) وأمى أياما على الطاولة . . ولكنه يريد أن يجتمع حول المائدة معه أيضا وخاصة أبناؤه الذكور . . كان أبى الوحيد الذكر فى عائلته . . ولكنه أنجب ذكورا عدة . . فرح بما من الله به عليه . . الرجل الذى ينجب الذكور انسان سعيد الحظ . . والبنت التى يكون لها اخوة ذكور أسعد حظا . . كان دوما يذكرنا بذلك . .

- ألم يرجع حتى الآن أحد من اخوتك .؟ - رجعوا كلهم الواحد تلو الآخر وخرجوا . همهم بكلام لم أفهمه . . - وأمك ؟ . . - نامت . . - آ . . كالعادة . . الجو متوتر بين أمى وأبى . . لكنه توتر بارد لم يتفرقع بعد . . - أعازمة على ألا تتناولى طعام العشاء . . الليلة . . يا . . يا (( دكتوره )) !؟

لم تهز عينيها عن المجلة . . لكأنها لم تسمعه وهو يخاطبها . . أراهن أنها سمعته . . بل سمعت كل حديثنا . . وأحست بكل حركات أبيها الملولة . . ولكنها تتجاهل كل ما يدور حولها . . حرب الصمت أعلنتها منذ وقف أبى وقفة قاسية صامدة ضد خروجها ليلا . . أو رجوعها متأخرة من ناد أو مكتبة أو ملتقى . . لطالما شكت لى (( مخه البارد )) . . (( عقليته المتأخرة )) . . لطالما اتهمته بالانانية .

تلك أنانية الذكر التى ترفض بشدة أن تتحرر المرأة وتعامل الرجل معاملة الند للند . . ونتصرف مثله تماما دون خلفية . . دون تمييز . .

أبوها رجل أحس أن زمام الامور أفلت من يديه فى تربية أبنائه الذكور كما يريد فرجع على بنتيه..أبى تربى حرا مدللا..  لا ترد له كلمة.. وعوض أن يعود أولاده على مثل ما اعتاد أراد بالعكس الاستمرار على ما تعوده هو من الحكم والنفوذ . . لقد وجد أبى نفسه حرا . . أما اخوتى فقد اغتصبوا حريتهم منه . . افتكوها . . عودوه عليها . . أحس أنى أنا الوحيدة الخاسرة فى هذا البيت . . يأمروننى فأطيع . . بلا نقاش . . بلا معارضة . . البى طلبات الجميع . . اخوتى . . وأغسل لهم ثيابهم . . أكويها . . أحضر لهم مجتمعين أو متفرقين طعامهم . . أبى . . ! أعتنى بكل صغيرة وكبيرة يأمر بها أويلمح لها . خاصة منذ أن تنازلت أمى عن مسؤولياتها تجاهه شيئا فشيئا . . أختى ((الدكتوره)) ! أوفر لها من أسباب الراحة لتدرس وتنجح ما استطيع .

  فى كل هذا ربما امتزت عليهم كلهم بشىء هو أنى مستودع أسرار الجميع بعلمهم وبغير علمهم . . على كل . . عزائى الوحيد أن مقامى بهذا البيت الثقيل الذى أعانى فيه من الوحدة ما أعانى هو أن مدة اقامتى فيه لن تطول . . بل ستنتهى فى شهور قليلة . . فرحت والدتى لما خطبت . . سيزاح حمل ثقيل من على كتفيها . . فرح أبى أيضا . . ولكنه تجهم للمصاريف التى ستتهاطل عليه بسببى . . أنا عاطلة عن العمل  . . لا مورد رزق لى . .  يجب عليه أن يجهزنى . . وأحسن جهاز . . العريس غنى . . وعائلته غنية . .

ويتحتم على أبى أن يقدم ما يليق  به . . مثلما سيقدم هو  كانت صفقة لم. . أفرح بها . . ولكنى اليوم فرحة . . لانى قريبا سأخدم نفسى . . ولانى اصبحت أحبه . . أحب وجدى حب جنون  . . قد يكون مكسبا لى . . وقد لا يكون . . فكرة أختى (( الدكتوره )) الفيلسوفة عن الرجل مغايرة تماما لاحلامى. . لست أدرى أهى نتيجة انهزام وفشل أم نتيجة استعلاء وغرور !؟ أكيد نتيجة غرور . . فقد خطبها العديدون . . والعديدون من عليه القوم . . ولكنها رفضت . . أخاف أن يفوتها القطار . . أخاف أن لا تلقى من يتمناها حين تتمنى هى - خاضعة للواقع - أن ترتبط برجل تأتى معه الحياة والحب والامومة . .

يدق جرس الهاتف . . ينطلق جسمى فى حيوية غريبة وقلبى يدق باسم وجدى . . سيطول حديثه الحلو لى . . ينتهى أبى من تناول طعام العشاء ..  فيلتفت للدكتوره يأمرها أن تنظف الطاولة  . . تستمر فى لعبة

الصمم . . ولكن أبى يخرج عن طوره . . يندفع نحوها . . وبعصبية يفتك منها المجلة . . تنظر اليه ببرود . .

- انهضى . . - لا تكلمنى بهذه اللهجة . . - ولم ؟. . ألأنك دكتوره !؟ دكتوره خارج البيت . . لا هنا . . سمعت . - ولكنك لست دكتوره داخله .

يصفعها صفعة تطيح بنظاراتها على الاريكة . . تحبس عبراتها بقوة . . وتصيح فيه . .

- لست قادرا الا على الضرب . . سلاح الضعفاء . . يحتد العراك بينهما . . يدخل عاصم . - جو الخناق دائما  . . جو التوتر . . انها حرب . . حرب . . يلتفت اليه . . - ما الذي أخرك حتى هذا الوقت !؟

- لا توجه لى الخطاب أبى . . دعنى احترمك بالصمت على الاقل . . فأنت تدرى جيدا أنى أنا وأنت لسنا على موجة واحدة . . أنت تغنى حزبا . . وأنا أغنى حركة . .

- ولم ؟ . . ما السبب ؟. . مددتك بالمال . . أعنتك بكل ما احتجت اليه .. جعلتك رجلا بين أصحابك . .

- ليس المال ما اطلب . . ولا الاعانة . . حرر نفسك قبل كل شىء من أفكارك الرجعية . . أفكار النفوذ والسيطرة الطاغية . . كن صريحا مع نفسك ولو للحظة . .

تنسحب الفيلسوفة أثناء هذا الحوار القصير . . وتغلق على نفسها باب غرفتها . . أتصورها الآن تبكى . . هى لا تبكى الا لنفسها . . وأمام نفسها . . سمعت مرارا نشيجها المكتوم . . رأيت أحيانا دموعها الصامتة . . غريبة . .

وفى هذه اللحظة أسمع من الحديقة ضحكات أليف وسمير . . هذان أبدا متفاهمان أراهن أنهما كانا فى ناديهما المفضل (( مشاكلكم وحلولها )) . . لعل البيت الآن سيستأنف صخبه . . يقفان أمام أبى . . سيسألهما نفس السؤال الذى القاه على عاصم . .

- أين كنتما . . ما لذى أخركما .؟ الكلية تغلق أبوابها قبل هذه الساعة. ينطق أليف فى هدوء يخفى ثورة وديناميتا : - ليس المهم أين كنا . . المهم أين أصبحت أنت ؟

حتما سيسأله أبى عما يعنى . . هكذا أبى . . كلما قيل شىء لا يعجبه يظهر انه لم يفهمه . . ولكنه هذه المرة سكت . . فاستأنف أخى قائلا :

- ثم : لسنا حريما يا أبى . . دعنا نتحرك .. - لست ضد التحرك . . لكنى أريده أن يكون فى الضوء . . - قبل الضوء لابد من فترة فى الظل . . فلا تأتى الشمس الا بعد الظلام . .

تفلت منى قهقهة . . يحمر لها وجه أبى . . وتضع علامات استفهام على وجه أليف . .

- ما الذى يضحكك يا فتاة ؟ أرتبك . . لكن سمير ينقذ الموقف اذ رآنى امسك بسماعة التلفون . - لعل وجدى قال لها شيئا مضحكا .. بلغيه تحياتى يا جيهان ..

ترجع أذناى مجتمعتين للهاتف .. فقد انعزلت اليسرى عن الحوار بالصالون .. دون أن تدبر عيناى عن مسرح الاحداث بها . . ينتهى الى مسامعي صوت وجدى وقد خمن ما يحدث :

- دائما نفس الجو ببيتكم . . وجهات النظر دوما فى اختلاف !؟ - للاسف . . نعم . . - متى يتفقون ؟ - لا أخالهم سيصلون الى اتفاق . . - والحل ؟ - ان تستمر ناعورة الكلام تدور حول المشكل الاساسى . . - وما المشكل ؟ - لا أدرى . . قد تكون مسألة حكم ومصير ..

اشترك في نشرتنا البريدية