اتكأ الشيخ على كرسيه - ومسح وجهه بيده وألقى بآخر جرعة من الشاى فى جوفه وقال - وقد ندت عنه حركة تقزز وامتعاض -
لله ما أبرده ! صار تحت أسنانى ثلجا ! أجاب الصبى - لقد نبهتك مرارا . . .
- صحيح كنت ذاهلا . . ابن الحرام . . اذا جاء عامر ثانية إلى مكتبى فأطرده ، قل له ان العمدة يمنعك من أن تضع قدمك فى مكتب ثانية .
لم يكن ما أسماه مكتبا سوى دكان قديم به رفوف مليئة بالقماش الرخيص يتولى الصبى بيعه لسكان القرية الذين يتزلفون للعمدة باقبالهم على الشراء رغم يقينهم بأن أثمانه تفوق بكثير أثمان متاجر القماش فى المدينة
خرج العمدة وقام الصبي وجعل يتبعه بالنظر منتظرا ان تصدر من العمدة حركة أو اشارة تدعوه للحاق به ليكمل - كعادته - آخر توصياته . . ولم يدخل الصبي الدكان الا بعد أن شاهد جبة العمدة تغيب عن الانظار
جلس الصبي على الكرسي وجعل يتصفح ويرتب الاوراق التى امضاها العمدة . . شهائد حياة رخص بيع . . شهائد فى حسن السيرة . الخ . . وتفطن الى أن العمدة لم يوقع الاوراق الخاصة بعامر
ورفع الصبي نظره ، وتساءل عن أسباب الخلاف بين الرجلين ، ثم ابتسم لما تذكر أن عامرا يرفض شراء القماش من دكان العمدة . . وسر الصبى لانه صار بيده الوقوف على اسرار تجافى الرجال الكبار
كان عامر رجلا جريئا يكرهه العمدة لانه شذ عن القطيع فهو لا يردد كالآخرين :
- الحق إلى جانبك يا عمدة ! - قماش العمدة جيد وزهيد الثمن - العمدة صديقى - عمدتنا رجل يكافح مع المقاومين ، يصعد الى الجبل ويحارب مع الثوار
والعمدة يهز رأسه موافقا على الاطراء وهو يعلم أن حكاية صعوده الى الجبل مختلقة من الاساس لانه لم يكن يعرف الثوار ، فى تلك الليلة التى داهموه فيها وهو نائم بالمنزل وهددوه بالقتل اذا لم يكف عن التعاون مع السلطة الاستعمارية . صبي العمدة لم يكن يعرف هذا . ولكن عامر - وحده - يعرف هذا ، ولقد تحدث به الى بعض الصفوة من اصدقائه
- قال لك العمدة . . لا تضع قدمك ثانية هنا . - ورفض التوقيع على أوراقى - نعم - لماذا ؟ - لا أدرى - طيب وخرج دخل العمدة بعد الظهر - هل . . . جاء عامر ؟ - نعم - وأبلغته ما قلته لك ؟ - نعم ! - بماذا أجاب ؟ - حمل أوراقه وذهب
أخرج العمدة من علبة السفاير لفافة وأشعلها وقال وهو يطفى عود الثقاب :
- يجب أن يدرك أنى لست راضيا عنه ، يجب أن يدرك أنى هنا الآمر الناهى ، يجب . . يجب . . يجب . . ولم يجب الصبى بشئ
وانتظر العمدة بدافع الفضول والخوف رد فعل عامر . . ومضت أسابيع وفي كل يوم يسأل الصبى
- هل جاء عامر من جديد ؟ ويجيب الصبى بالنفى
وبدأ العمدة يقلق لان عامرا لم يأت ، من يدري لعله يعد امرا ما . . ولكنه كان يسلى نفسه قائلا : " ماذا يستطيع غر مثله أن يفعل ؟ "
لم يتحدث عامر الى أحد بما وقع ، ولم يحاول ان يجمع الآخرين حوله رغم أن بعضهم ما ان سمع بالحكاية حتى عرض عليه تطوعا بعض المقترحات المتعلقة بالانتقام
- أتخشى منه ؟ - قدم به شكوى ! - ما ضاع حق وراء طالب - ليس هذه فقط ذنوب العمدة ، انه غاطس حتى أذنيه فى الخطيئة - انه رجل دجال ٠٠ يحب الثناء - أنانى . . . استولى على . . وعلى ٠٠٠٠
وعامر معتصم بالصمت ٠٠ حتى رموه بالجبن . كان عامر يعتزم السفر الى أوروبا للعمل وكان عليه أن يقدم تلك الاوراق ولما رفض العمدة امضاءها عدل عن ذلك ، وأطلع العمدة بعض خاصته على مدى نفوذه :
- أرأيتم . . . بكل بساطة عرقلت جميع مشاريعه . وذات يوم كان العمدة في دكانه مع جمع من جلاسه وحاشيته اذ دخل عامر عامر رجل طويل . . عريض المنكبين ، عيناه براقتان يتطاير منهما الشرر دخل غاضبا . ارتعدت فرائص العمدة . . كان يلبس نفس الثياب التى كان يرتديها عندما هاجم مع ثلة من زملائه من المقاومين منزل العمدة وشهر فى وجهه مسدسا . .
وقف بقامته تلك المديدة فسدت مدخل الدكان . . . التفت العمدة الى يمينه ويساره فلم يجد أحدا كان الدكان يعج بالجلاس أين ذهبوا ؟ والصبى أين ذهب ؟ . . . صرخ بأعلى صوته . . ضرب على المنضدة . . دق الجدار بقبضته عاد يصرخ ٠٠ وعامر بقامته - التى أخذت تزداد طولا ، يقهقه قهقهات المردة . . . ملأت الدكان الصغير . . . واصل العمدة الصياح حتى بح صوته . . . ولم يعد يسمع صوته فقد طغى عليه صوت عامر الجهورى وقهقهاته المدوية . . تقدم عامر ببطء وأسنانه تصر . جذب من جيبه خنجرا لمع نصله وكاد يخطف بصر العمدة . . ارتد العمدة الى الوراء يبحث بعينيه عن شئ يدافع به عن نفسه فلم ير شيئا . ألقى بنفسه على قدمي عامر يلثمهما صرخ متوسلا . . رفع عامر خنجره وغرزه بقوة فى ظهر العمدة
عندما عاد الصبى وجد العمدة على الارض ملقي . . والدم ينزف بغزارة من ظهره ووجد سراويله مبتلة

