مكسورة خواطرى كقلب أميرك .. ومجروحة كلماتى كقلب أميرك .. ومحاصرة نظراتى كحصار أميرك .. وممزقة مفرداتى كقلب أميرك .. ومخنوقة عصافيرى كصوت أميرك ..
وكيف يبتسم القلب وقد عذبه واضناه الفراق ؟ وكيف تزهر الخواطر وتثمر وقد حرموا اميرها الماء والهواء والشمس ؟ وكيف تستقيم الكلمات والجمل وشاعرها محاصر مخنوق يطارده البعد وتمزقه الجراحات ؟ وهل تزهر الرياحين والنبع الذى تسقى منه مالح ؟ وهل تغنى العصافير فى ارض جدباء قاحلة تحت المطر والعواطف والرياح ؟ فماذا سأكتب اليك يا قمرى ؟ ماذا سأقول لقمري وهالته ألغت جميع اللغات ؟ :
- قمري لا يصدق لغة العواطف ولا لغة العواصف ولا لغة البرق ولا نشيد المطر !
ماذا سأكتب ولغتى مضحكة وأحاسيسى هراء وخواطرى سخافات وبكائى تغريد ونايى خنجر وعبيرى لا يشم ؟ ماذا سأكتب وكلماتى احترقت امام ابتسامات اميرتى ؟ ماذا ترانى اقول وفى داخلى سمفونية باكية حزينة وشرايين قلبى أوتار تعزف اغنية فريدة من لحن قرط اميرتى اللوزى الاحمر الراقص على صحن خدها الرخامى ؟ ماذا ترانى اقول اليها والمحزمة الحمراء تشد عينى تلفنى كما تلف خصرها الملائكة الاهيف ؟
واحر قلبى ! قصيدى اضحكها ليلة ! عزائى انه لم يبكها على الاقل . واحرقتى ! احاسيسى نحوها تراءت لها كاذبة ومبالغ فيها ! عزائى الوحيد أن اميرتى الصغيرة قرأت شعرى ولم تلق به فى سلة المهملات ..!
واأسفى ! إن عينى أحيانا تفضحاننى ! ولسانى يسبقنى فيترجم لها أحاسيس قلبى رغم محاولاتى العديدة لكبتها واخفائها عنها وهى نقطة ضعفى ، نعم هى نقطة ضعف فى ،،، ماذا ترانى أقول وعقلى محشو بالخواطر ، ونفسى تزخر بالاحاسيس ، والمخاض صعب ، ودواتى تطفح بالحزن ؟ أى ارض حبستها عنى ؟ أى رياح ابعدتنى عنها ، ابعدتك عنى ؟ يا زمانا شدت فيه يدانا ، تشابكت فيه اصابعنا ، رقصت لنا الدنيا فى لحظات هى عندنا أحلى اللحظات ! ذوبتنا ، ذبنا فى غربة نشوانين كعصفورين التقيا وحيدين فى جزيرة نائية من جزر الاحلام بعد فراق طويل ، وزغردت لنا الكائنات نشوى فنسينا ما يجرى وسيشنقنا مثل نجمتين ، وسيحاصرنا حصار (( حاضن النهدين )) لنهدين يتوقان الى الحرية !!!
وافترقنا ولا أحد فى شوارع المدينة يبكى علينا ، يبكى معنا ، وهاجمنا الصمت المرعب والمخيف من كل صوب وكدنا نختنق فى ثوان ، وانى لأشعر ان البعد سيقطعنا إلى فلتين ، وسيقتلنا مثل شهيدين ، وسيصلبنا مثل قديسين ، وسيشنقنا مثل نجمتين ، وسيحاصرنا حصار (( حاضن النهدين )) لنهدين يتوقان الى الحرية !!!
أميرتى لم نر النور الا لحظات كانت أجمل اللحظات واحلاها ! حملتك فيها على ظهرى ، حملتك فيها أغنية عذبة ، انشودة رائعة ، احلاما وردية ، ونفثت فيك كل روحى ، وحملتك ما لا تطيقين ، وحملتنى ما لا أطيق ، وكنت صبورة ، كان صدرك رحبا يتسع للعالم بأسره ، وكانت عيناك زادى الوحيد ، وكنت تشعرين بافراط حبى وكلفى بك ، وتعرفت على نقاط ضعفى فكنت تميسين فى دلال ، وما دريت أنك كنت تقتليننى عرقا عرقا ، واعجبك دورك فكنت تمعنين فى تعذيبى ، وغلبتنى ، وانتصرت على ، وحلالك الانتصار ، وكسبت الرهان فى الجولة الاولى ، وكان لك ما كان ، واعتبرت نفسى فائزا ما دمت أنت طرفا فى الرهان ، وبدأت تقفزين من حين الى آخر الى مخيلتى ، فكنيت توقظيننى من نومى ، وتصعدين درج ذاكرتى فى اختيال ودلال ، وأسرح معك ، مع قامتك الهيفاء ، مع عينيك الذابلتين ، وأغيب فى ظلمة شعرك ، وبدأ الذهول يشدنى ، واصبحت أميل الى الوحدة ، ولفنى القلق ، واحتوانى الحزن ، واصبحت أتعمد اللقاء بك ، واحاول أن أجد اعذارا ولو واهية للحديث اليك ، وكثرت غياباتى
عن المنزل ، وتضاءل حديثى مع زوجتى ومع اطفالى وحتى مع الاصدقاء ، وبت لا يحلو لى حديث ولا جلوس الا معك ، فقد كنت أعيشك شعرا ونثرا ، رسائل وأوراقا ،،،
وتفطننت زوجتى لذلك فعابت علي تصرفاتى ، وحاولت اقناعها بأن حبيبتى تبقى حبيبتى أحملها بين أضلعى بسمة ودمعة ، حلما وحقيقة ، صحوا ومطرا ، ولا أحد فوق الارض ينازعنى حبها ، وحاولت زوجتى فى عملية يائسة حرق أوراقى ، رسائلى اليها فلم تفلح ،،، وحاول الاصدقاء صرفها عن مخيلتى فلم ينجحوا وكانوا كلما عيروها امامى ثرت فى وجوههم وازددت تعلقا بها حتى بت مريضا بهواها ، وكنت كلما ضاق صدرى أسرع الى القلم والى القرطاس فأبثهما أشجانى وأشواقى ، وكانت أميرتى تعي ما أشعر به نحوها ، لعلها كانت تبادلنى نفس الشعور ، وكنت احيانا اشعر بالخوف بل كنت اشك فى تصرفاتها ربما كانت تجاملنى وتتظاهر بحبى رفقا بقلبى فأعود وألعن ظنى ،،، وكثرت خلواتى بها فى النادى ، كنت أغازلها فى شوق ، وكانت بنظراتها المنكسرة وبنبرات صورتها العذب وبحركاتها البريئة لوحة زيتية متكاملة يصعب على اى فنان رسمها ومحاكاتها واصبحت اسهر الليالى الطوال خارج المنزل بعيدا عن عائلتى ، وقد لا أعود الى بيتى الا فى ساعة متأخرة من الليل ، واشتد القلق بزوجتى وكثرت الظنون بها ، ولامتنى مرارا :
- (( لم تعد تهتم باطفالك يا رجل ، لا تنس أن لك بيتا وزوجة وبنين وأن لهم الحق عليك ، أفق الى نفسك وعد الى رشدك )) .
وكنت أجيبها بكل لطف : - (( أحبكم كما أحب أميرتى ... )) .
وأذكر أنها حاولت مرة تكسير الجدار ، جدار صمتى وذهولى الدائمين ، ولما ادركت ان الحالة بدأت تسوء ، وان المدينة كلها اصبحت تلومنى على شدة تعلقى بها تأبطت ذراع أميرتى وشددت على كتفها الناعم بأصابعى وخرجت بها الى الشارع وكأننى أقول للجميع :
- (( انظروا ها هى أميرتى التى كنتم تلوموننى فيها ... )) .
كان رأسها على صدرى وكنا نسير مختالين فى شوارع المدينة ، كانت كغجرية فارسية ، وكان شعرها على كتفي كحقل قمح تحت المطر ، وكانت أصابعها تضغط على أصابعى فى جذل ، وخصلات شعرها ترقص مع هبات الريح كطرحة العروس فأحس ان العالم صار فى قبضتى .
كنت استمع الى دقات قلبها كما كانت تستمع الى دقات قلبى ، وتصدرنا أمام المقاهى على مرآى ومسمع من المدينة كلها وجها لوجه مع العذال ، وعطرنا ساحات المدينة وشوارعها وأزقتها بنفحاتنا ، وتهاطل الصحافيون علينا ، والتقطوا صورا عديدة كانت اشرطة تلفزيه بديعة ، ووجدت الجرائد والمجلات ما تغطى به صحائفها ، وكانت الندوات واللقاءات ، وأصبحت اميرتى نجمة بل قمرا ينير ليالى المدينة بعد ان توجت ، لم يكن تاجها ذهبا ولا ماسا فهى ليست فى حاجة الى تتويج من هذا النوع ، بل كان اكليلها تصفيق الجمهور لها وشهاداتهم فيها انها فعلا اميرة المدينة فى كل شئ ،،
وبعدها اعتذرت زوجتى عن تصرفاتها معى بعد ان رأت ما رأت من أميرتى واصبحت تجمع لى بقايا صورها وتلم لى شتات رسائلها لتحتفظ بها للذكرى ،، وأدرك الحساد الحقيقة ، حقيقة اميرتى وتعرفوا على جمالها وعلى ما تتحلى به من صفات عالية فاعتذروا لى واعتذروا لها ، واخذ سكان المدينة يتسابقون للفوز بها ، يتسابقون الى ناديها علهم يحضون بابتسامة منها ، واصبح النادى يعج بالناس شبابا واطفالا وكهولا كلهم يتمنون ودها والتقرب اليها حتى يملأوا عيونهم بحسنها ويستمتعوا بحديثها ويتسلموا منها المشعل ، وكانت اللوحات الفنية ، وكان الشعر ، وكانت القصة ، وكانت البحوث ، وكان الغناء والطرب ، وكان المسرح ، وكانت المهرجانات ، وصفقت المدينة لحبيبتى طويلا وكنت ارقص لتصفيقهم وكانت زوجتى تكاد تلتهمها بعينيها اعجابا بها ، وارتمت بين احضانى باكية بكاء الفرح هذه المرة لا بكاء الحزن والخوف ، وكنت أكاد أفيض غبطة . . .
فهل عرفتم - أحبتى - قمرى ، ملاكى الصغير ، أميرتى الحسناء ؟ انها كليوبترا صلابة واختيالا ، وبلقيس جمالا وثراء ، ونفرتيتى أنفة وكبرياء وعائشة عفافا وطهرا ، وعليسة ذكاء وفطنة ...
فكيف أواجه فراقها وحدى ؟ وكيف أتخلى عنها لمن لا يصون الحب ولا يرعى الود والاخلاص ؟ وكيف اجمع بقاياها وحدى ؟ وألثم قصائدها وجدى ؟ وكيف أقاوم سيف الزمان وحدى ؟ وكيف أهدم عش الحب بيدى ؟ وكيف أنسلخ عن ذكرياتى ؟ وهل تستقيم الحياة لصفصافة اجتثت جذورها ؟ كنت اتساءل ، وكنت ابكى لقسوة الاسئلة على قلبى ، وكنت احيانا تجدنى مع قول الشاعر : (( يس الفيل )) حينما رأى حبيبته شرعت تهدم عش الذكريات :
لا تهدميه فعمرى ساكن فيه وفرحة القلب تحيا فى نواحيه
لا تهدميه فأيام الهوى عبرت بنا اليه وغنت فى لياليه
هذى الحجارة كم حنت لموعدنا ! وكم احاطت بمهد الحب تحميه!
وكم تراءت على مرآتها صور للحسن يخضر في ابهى معانيه!
كنا وكانت زهور الحب في يدنا تنمو ونحن بها نختال فى تيه
هنا جلسنا ، هنا كانت أريكتنا تذوب شوقا لما كنا نغنيه
هنا ، هنا ، وهنا يا ألف أغنية قولوا لخادم هذا البيت يبقيه
وانتم - يا أحبتى - هل تعرفون دموع المساجد ليالى الاعياد ؟ وهل تعرفون دموع الثريات ؟ دموع الرياحين ، دموع العذارى ، دموع اليتامى ؟ لو كنتم تعرفون كل ذلك لصرختم مثلى ، مثل المجانين : (( كل الوجوه بعد وجه أميرتى الصغيرة نحاس وحجر ... )) .
أحاول أن لا اصدق أن الصدأ بدأ يدب الى سيفى ، وان اميرتى الساحرة ستبعدنى عنها ، وأن سيف الزمان لا يقهر ، وان الجبين المسافر فى بحار عينى سيبحر ... احاول ان اخدع نفسى أن اوهمها باننى باق على الركح ثابتا ، ان اكذب عليها ، أن أجد اعذارا ولو واهية لاهرب من نفسى ، من الحقيقة المرة فلا استطيع ؟! لان الحقيقة تظل حقيقة تنهشنى ، تأكل قلبى ، تلهب اعصابى كما تلهب السياط ظهر المقهور ، فأصرخ فى جنون : لا ! لن أهرب عن وجه اميرتى مهما حاول الحساد أن يبعدونى عنها ان يوهمونى بأنها غانية والغوانى يغرهن الثناء ، وأنهن لا يرعين عهدا ، ولا يتقيدن بميثاق ، نعم كنت أصرخ واقول : اميرتى ليست كبقية النساء انها من معدن نادر الوجود ، ولن اتخلى عنها ، وسأوصى ابنائى (بعد موتى) ا ن ينقشوا اسمها على قبرى بأحرف من نور ...
فهل ادركتم - أحبتى - أميرتى الحسناء التى علقتها شابا ، وعايشتها زمنا ، وحاولت طلاقها كهلا فلم افلح ؟ لقد ولدت فى كبدى ، وتغذت من قلبى ، ونمت فى أضلعى ، وأينعت فى مدينتى ،،،
سامح الله حبيبتى (( اللجنة الثقافية )) ما أكثر نفعها ! وما ألذ وصالها ! ولكن طلباتها عديدة وباهظة الثمن بالنسبة لى وحدى ...
