يبدو أن مقص " أبى دلامة " الذى جاءت الاشارة اليه فى افتتاحية " الفكر " ( 1 ) ، كان يمتاز - فضلا عن الاعوجاج - بميزة أخرى ، تنسجم مع الاعوجاج وتكمل صورته البديعة . . . وهى ميزة الحفا .
فالمقص الحافى هو الذى اذا حاولت أن تقص به شيئا ، جاء أعوج منحرفا .
واذ كان الاعوجاج علامة من علامات القدم والتآكل ، فان الحفا هو كذلك من تلك العلامات البارزة ، إن لم يكن أبرزها .
وقد تعود الناس ألا يلقوا بالمقص الحافى فى مجامع " الخردة " والمهملات ، إلا بعد أن تعييهم الحيلة فى سنه مرات ومرات . لكن ضيق ذات اليد ، كثيرا ما كان يحول بينهم وبين الاستغناء عن استعماله - رغم الاعوجاج الذى يحدثه فى ضحاياه من المقصوصات ، وتلك كانت حالة أبى دلامة فيما يظهر ، فالشعرة المعوجة التى راض نفسه طويلا على تقويمها - فلم يفلح - إنما زاد فى عنادها وإصرارها أن المقص الذى عالجها به أو عالجه بها ، كان حافيا أيضا ، وقد عجز صاحبنا - رحمه الله - عن توفير مصاريف السن ، وتكاليف الصقل والتقويم ، لذلك المقص التاريخى العجيب .
واذا كانت آفة الاعوجاج ممكنا تلافيها بواسطة النار والمطرقة والسندان ، فان آفة الحفا ، لا تغنى فيها كل تلك العناصر مجتمعة ، مما يجعل الاضطرار الى التجديد أمرا لا مفر منه ولا مندوحة عنه .
والتجديد الذى نعنيه إنما يتصل بالجوهر والروح ، وهو فى نظرنا لا يتم الا باقتناء بضاعة مصنوعة لا مستوردة ، لأنه بالامكان - دائما - الرجوع " على "
صاحب تلك البضاعة المصنوعة عندما يكتشف فيها وجه خلل أو نقصان ، وإن ذلك الرجوع لميسور فى كل الظروف ، وقابلية الاصلاح والتقويم متوفرة " جبرا أو اختيارا " .
أما البضاعة المستوردة فتبحث عن صلتك بصانعها ومصنفها فلا تجدها ، وقصاراك - حينئذ - أن تضرب كفا بكف ، وتحول ، وتقول : " غشنى بائعها ... قاتله الله ... "
وما كان الغش - فى الحقيقة - من بائعها ، بقدر ما كان من صانعها الذى تحول بينك وبين الوصول إليه برور وبحار .
لقد بلغ الحماس بنا قبل الاستقلال ، وبعد الاستقلال ، أوج أوجه ، لتصنيع بلادنا ، والوصول الى تحقيق القدر الضرورى لاكتفائنا الذاتى من أهم الحاجيات المصنوعة .
وحال ذلك الحماس الكبير بيننا وبين تحديد تلك الحاجيات ، وتصنيفها ، وترتيب أولوياتها .
ولعلنا لم ندرك - إلا أخيرا - أن أهم تلك الحاجيات هى التى رشحت لتسد حاجيات الفكر والعقل والروح .
وحين أدركنا ذلك ، تلفتنا يمينا وشمالا ، ونظرنا الى الوراء والى الأمام ، فلم نجد إلا بضاعة قديمة مستوردة ، أقبلنا على استهلاكها بنهم محموم ، ولم ننتبه الى العواقب الكامنة وراء هضمها وتمثيلها إلا بعد أن أصبنا جميعا بالمغص والغثيان .
عندئذ عزمنا فيما يبدو على تدارك الأمر .
وإنه لعزم نرجو ألا يكون قد تأخر عن أوانه ، وألا يكون مجرد رد فعل يزول ويتلاشى بزوال عوارض المغص والغثيان .
لكن حذار من أن تكون العلة أعمق وأخطر من مجرد مغص وغثيان ... فبأى آلاء ربكما تكذبان ... ؟

