الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

عندما يكبر الحلم

Share

لم يعد البيت يسعهما بل لم يعد يسع الصمت الذى كان يقتات من أعصابهما . . كانا بعد ان يعودا من العمل يتناولان ما يسد الرمق ثم يخرجان يجوبان الشارع وكأنهما يبحثان عن شىء قد ضاع منهما

لماذا يكون مزاجة متقلبا فى هذه الايام ؟ ولماذا لا يستقر على حال ؟ كأنها لم تعد تعرفه كأنه ليس زوجها . . فى تصرفاته شئ من الغرابة لو ارادت ان تنسبه الى بلد مادرت الى اى بلد تجعله ينتسب ولو حاولت ان تجعل ينتمى الى ثقافة ما درت الى اى نوع من انواع الثقافة ، هو ينتمى .

بالرغم من انه يمارس حياة قد تبدو قريبة من النضج والتحرر فهو يبدو ضائعا في قرارة نفسه لم يحدد بعد ما يريد وما لا يريد

قال لها مرة .

وكانه يعتذر عن شئ صدر منه :

يحس الا تحكمي على ، بما ترينه احيانا من تصرفاتي . . هناك لحظات تدفعنا إلى ان نمارس فيها اشياء ربما كنا نريدها وربما كنا لا نريدها ومع ذلك فنحن نمارسها "

ماذا تقول . . يخيل اليها انها لم تعد تفهم لغته فى هذه الايام .

كانا كلما أعياهما السير يقصدان البحر يستمعان الى الموج ويرقبان المياه والرمال والمراكب الآتية من بعيد .

ساعتها كانت تحس باأشياء كثيرة تتحرك بقلبها

القصور العابقة برائحة العز الغابر والمدن الاثرية التى ركضا فيها معا فتصبب عرقهما وتعالت ضحكاتهما وانطلقت بهما الاحلام الى ابعد من الخيال

أحبت وهي معه كل فصول السنة وخرجت تجوب معه الشوارع فى أيام الشتاء الثلجية وفي أيام الصيف القائظة . .

كان يحب فيها دفء الانثى وكانت ترى فيه أفقها واكتمالا طبيعيا لذاتها وكان اسمها أجمل شئ سمعته ينطق به

كانا يشعران في أحيان كثيرة بحدة القيد الذى كان يعطل سيرهما ولكن شيئا غامضا لم تفهمه ولم يفهمه كان يجعلهما يذوبان رغم بعد المسافة بينهما ورغم التنائى ورغم الترحال .

كان يكفيها ان تكون معه وكان يقول لها فى كل مرة يراها فيها :

" جميل جدا ان نكون معا " كان يقول ذلك دون ان يضيف شيئا آخر

وكانت - وباخلاص - تحس بهذا الجمال وهى فى رفقته

الدنيا تبدو لها أجمل مما هى عليه عادة .

كانا يسرحان ويمرحان  كالاطفال وكانت لقاءاتهما فى غاية لعذوبة والبساطة . . كانت سعيدة به وكان سعيدا بها وكانا فى قمة الفرح لا يشغلهما التفكير فى الغد القريب .

غريب كيف تذبل العواطف بمثل هذه السرعة ؟

اثر مشاحنة بينهما تقول :

كنت أجدك لطيفا مشرقا خفيف الروح والحركة ما . قبل ان تكمل يقول فى غضب

ألم تتبيني بعد مدى التحول الذي طرأ عليك في هذه الايام الاخيرة أيتها السيدة ؟

تجيب وكأنها تزكى ما قاله :

" بلى ، منذ ان عرفتك وانا أسعى الى ارضائك اعلم ان كل شئ فى قد تبدل وانت صاحب الفضل على فى ذلك فانت الذى علمتني التحدي وانت الذى علمتني خرق ما تعارف عليه الناس .

علمتني كيف أتمسك برأيي وكيف احتقر الساذج والجاهل وكيف أتمرد على عادات وتقاليد خرافية .

" المفروض والحال هذه ان تعجب بما صنعته يداك وان تزداد مني اقترابا

يرد عليها فى تبرم :

" بالعكس أصبحت انكر فيك يا سيدتى ما ابتدعته يداي لقد اجهزت على تلك الطيبة الصافية التى كانت سر انجذابي اليك

اليوم فقط عرفت اننى كنت أحمق . . كنت أجهل ان الذى فتننى فيك هى تلك البراءة العذرية التى لم يعكرها دهاء . . "

تقول وابتسامة سخرية ترتسم فوق شفتيها

" الى أى شئ كنت تطمح اذن بتوجيهك اياى تلك الوجهة التى اردتها ؟ يرد :

" أردت أن أربى فيك الارادة بان تعتمدى على نفسك فى تصريف شؤون حياتك أردت أن أجعلك تقدرين المسؤولية حق قدرها حتى تكونى لى سندا وحتى تهتمى بروحى وفكري كاهتمامك بجسدى وبمالى "

تقول فى زهو وكأنها تتحداه

ليس من اليسير أن نبدل أخلاق الآخرين وعاداتهم وتقاليدهم التى تعارفوا عليها جيلا بعد جيل . .

" ولكنني وكما ترى - تبدلت قويت ارادتى وتحررت مما كان يضغط فوق ذهنى من خرافات وبدع وأصبحت جريئة أعبر عن رأيي بكل ثقة وأدافع عنه بكل قوة وأصبحت أحلامي التى كانت تنحصر فى ان يصبح لدى طفل أمسكه بين ذراعي - والتى كنت تسخر منها وتضحك أحيانا .

تتسع الى ان أشاركك أحلامك وأفكارك واهتم مثلك بقضايا كبرى تشغل بالك

لماذا لا تفخر بي وقد أصبحت كما تحلم . . ؟ ! معى شهادة عالية وشخصية قوية وآراء تقدمية كنت تطلبها فى بالحاح . . "

بجيب فى نبرة كلها ألم وقد خفت صوته قليلا

الذي حدث اننى أصبحت أخافك . . لست المرأة التى كنت أريد . . "

تقترب منه تقول :

ألم تردني جميلة . . متعلمة . . ذكية وجريئة . ماذا تطلب أكثر من ذلك ؟ "

تخرج الكلمات من بين أسنانه محدثة صوتا مزعجا :

لم اعد أرى فيك غير الانانية وحب الغطرسة والانفراد بالرأى "

تقول وقد عيل صبرها وعلا صوتها :

لماذا لم ترض بي على علاتى اذن ؟ "

يخفت صوتها : تواصل يوم كنت احلم بأن أمسك بين ذراعي طفلا له لون عينيك " .

كانه يحدث نفسه يقول :

كنت استمع الى اصدقائى يقولون وهم في شهر العسل : ارجو من الله الا يغير الزمن من اخلاق زوجتى وطباعها شيئا لم أقدر ما كانوا يقولونه الا بعد ان فقدت فيك المرأة التى أحببتها . . وفقدت بفقدانها حلمي الاكبر جهاد الذى كنت حريصا على ان أربيه حسب قواعد ارتايتها مسبقا تؤهله لان اجعل منه جهاد المنتظر كان جهاد - وأنا معك - حلمي الاكبر "

تقول فى استسلام :

ان شاء الله سيأتي يوم تراه فيه " .

يقول فى أسى :

لقد تركت صديقتي الباريسية لا لشئ الا لانها كانت تنكر على من اكون تنكر على كوني أتشبث بما يتشبث به أهلى لم أكن أحسب اننى سأصوغ منك مخلوقا على مثالها . . "

هى فى غيظ :

ها هو حلمك يتحقق فترانى امرأة " كاملة " جديرة بأن تكون أما لابنك " . .

يقول وقد اكتسي صوته شيئا من المرارة :

" أين . . أين هو ابنى الذى تتحدثين عنه ؟ "

تقول وقد اشتد بها الضجر

لماذا تدهشك مني هذه الجرأة وهذا العزم وانت الذى دعوتني اليها تبدو انك لم تكن تقدر ما فجرت في من قوى .

لم تعد حياتي بالقرب منك خاملة تهدد شخصيتك وعملك ووضعك وسط الآخرين

الم نتفق على الا يأتي جهاد الا بعد ان نحصل على الشهادة ؟ تذكر ! " يجيب في تهكم وعلامات الأسى بادية عليه :

واليوم وبعد ان مضت خمس سنوات على زواجنا يقول الطبيب : تريثا قليلا . . فلقد كان لوسائل منع الحمل اثرها البالغ على الرحم . أسمعت يا سيدتى . . ؟ "

ترد عليه وكان صبرها قد نفذ :

اسمح لي بأن أقول لك انك يا زوجي العزيز مصاب بجنون العظمة زين لك خيالك الجامح ان تجعلني اشبه صديقتك الباريسية وأمك في ان واحد واني لأصارحك بأن تعاملك معى قد ارهقني ولفنى فى شبكة من الضجر والتعب نعم لقد تعبت .

أتعبني خوفك مني .. على شخصيتك وعلى عبقريتك واليوم خوفك على تواصلك وعلى احلامك يظهر انك لم تتحرر بعد من قيودك لم تعرف بعد ما تريد وما لا تريد

ألست أنت المذنب . . فلم كل هذا الحنق ؟ ألم يقل لك الطبيب ان المسألة تتطلب صبرا وطول نفس فعلام القلق ولم هذا التبرم ؟

لقد تعبت . . تعبت . . تعبت

قالت لها الممرضة وهي تقودها الى غرفة العمليات :

" أرجو أن تكون لك القدرة على التحمل " .

أجابتها بلهجة صارمة :

أنا واثقة من قدرتى .

قالت الممرضة :

" ليس المهم أن يصبح لديك طفل الاهم ان تنجح العملية وان تقومى سالمة "

لماذا تحاول هذه الممرضة ان تبعث الرعب الى نفسها وان تزيد من مخاوفها ؟ "

تواصل الممرضة لتقول بصوت هادىء عميق :

" انه لفخر لى ان أرى امرأة فى مثل شجاعتك . . ولكن . . وكما تعلمين . القضية ليست مضمونة مائة بالمائة وهي قضية حياة أو موت لقد حذر الدكتور زوجك من النتائج التى يمكن أن تسفر عنها العملية . . "

كانت جالسة فى السرير ومستندة الى وسائد خلف ظهرها .

لم تستطع ان تحبس دموعها طويلا فتركتها تتسابق في صمت

دخل عليها زوجها فجأة قال :

أتبكين ؟ "

كانت تنظر اليه وكأنها تري عقدة الذنب معلقة في نظراته المتوسلة اليها لم تستطع ان ترد عليها بشئ . .

احتضنها وكأنه يستنجد بها قال

" الامر بسيط جدا لقد أكد لى بعض اصدقائى الاطباء ذلك

لته سكت لبته لم يتكلم لماذا بغير لها وجه الحقيقة ؟

بدأ شكله اذ ذاك غريبا ومضحكا . .

لماذا تخاطر بحياتها فى سبيل قضية لا ذنب لها فيها ؟

من يضمن لها انها ستعود الى الحياة مرة ثانية ؟

أيعتبر عملها هذا بطولة منها وتضحية ؟

أم انها هي الاخرى تريد طفلا يفتق لديها مشاعر أمومة طاغية ويعمق لديها الشعور بأنها تحيا ؟

لم تعرف نفسها سخية الدمع كما هى اليوم .

جاءت الممرضة لتعطيها دواء مسكنا . . قالت :

لم هذا البكاء ؟ "

ردت عليها فى ثبات

لفرحتي بأنني سأصبح قادرة على ان يكون لدى طفل احتضنه وأمنحه دفئى وحنانى

اغرورقت عينا الممرضة بالدموع قالت : كان الله معك " .

كان المطر في الخارج أشد ما يكون غزارة . . وكانت بين خطوة واخرى تغوص في برك المطر فتنهض من جديد لتعاود المشي وتظل تمشى حتى تصل الى بناية عالية . . انها الشركة التى يديرها زوجها . . تلقى بنفسها فيها وهى نصف مبللة يرحب بها الحاجب ويقودها الى مكتب زوجها . . يهرع الزوج لاستقبالها يقول فى خوف وقد بدت الحيرة على وجهه .

" هل حدث شئ ؟ ما الذي أتى بك ؟

ارتمت بن احضانه وهى تضحك وتبكى قالت :

لقد جئتك اقرأ عليك برقية وصلتني اليوم فحواها : أبى . . انني قادم . . لا تخف ،

اخذ يحدق فيها خائفا ومشدوها انه لا يكاد يصدق ما تقوله

يسأل اانت حامل ولم يمض على وقت العملية غير شهور قليلة ، ؟ !

أومات اليه برأسها وقد اختلط دمعها بضحكاتها قالت

" ذاك ما أكده لى الطبيب قبل حين انها قدرة ربنا "

- " حبيبتى " قالها فى حرارة وهو يضغط على الحروف ضغطا وقد فاضت لفرحة من عينيه لتشمل كل كيانه .

أحاطها بذراعيه يقبلها كواحد مخبول تقول : " لا تنس اننا بمقر عملك " .

يقول : " أريد أن أعلن على الملا فرحتى انها فرحة الانسان الذي حالفه القدر برغم بؤسه - شكرا لك يا رب "

ويعود الى احتضانها والى تقبيلها وكانه قد نسى أين يوجد ومن يكون

ظلت واقفة تتابع حركاته وكانها تحلم كانها تشفق عليه لقد استحال فى دقائق الى طاقة جبارة حية بعد ان كاد اليأس يقتله

وتساءلت بينها وبين نفسها :

" لو لم تنجح العملية أى مصير كان ينتظرها ؟ "

ادركت اذ ذاك ان الحلم عندما يكبر يكون الحافز على الفرحة ويكون القوة ويكون النعمه وان كان يدفع صاحبه الى ان يفتديه بعذابه وبدمه وبأعصابه وربما أخذ هذا الحلم حجما أكبر من حجم صاحبه ففتك به كما يفتك السرطان بالخلايا التى يصيبها .

اشترك في نشرتنا البريدية