كل ما فيها يعبر عن شئ . . وعن أشياء . . . وعن اللاشئ ، وكل ما فيها خليط من انسان يتنفس لكى يعيش ، ولا يدرى أهو يعيش فعلا أم هو في وجود يتراءى كالسراب . ان ضحكت فلأن شيئا فى داخلها قد تفاعل فانفتح فمها نتيجة ذلك التفاعل ، لكنها لا تعرف كيف تبكى . . انها تجهل البكاء ، وتجهل داعي البكاء ، ودواعى الضحك . . حتى ان انفتح فمها وانطلقت أساريرها فذلك شئ أملاه الطبع ذاته . . هذا الطبع الذى لا يعرف التوازن . . . صورة الابهام فى محياها ، وصورة اللاإبهام فى محياها . . وصور عديدة متناقضة تبدو وتتلاشى لكى تظهر من جديد فى كل حركه من حركاتها ، وفي كل نفس من أنفاسها . . . تبدو لك حينا وردة فيحاء قد تفتحت بعد طول انغلاق أو كأن الجمال ومشتقاته قد صبغها فبدت كالعروس . . بعد ليلة العرس لا قبله ، أو كأنها لوحة داعبتها يد فنان عبقرى ، فكانت ربة الجمال والأنوثة . . . وربة الحب
. . . تلك هى ٠٠ هي ٠٠ وتلك هي اللاهى فى صورة اخرى مباينة شكلا وقالبا . . ويتراءى لك وجهها فى انكماش متضارب ، وصرخات تأتيك صامتة ، حزينة ، تصفعك في كل نفس من أنفاسها . . وحنجرة تلفظ الكلمات قسرا . . وان عبرت فهي تصيح بين ألحان الحزن والغناء لتقول : اني لا شئ أمامكم . . . إنكم ترونني وأنا مغمضة عينى لكى لا أراكم . . انتم مصدر تعاستى . . . وأنا سعيدة لأني لا أراكم
- هذه صورة فتاة عرفتها ناكرا فضل الظرف الذي جعلني أعرفها وأعرف من خلالها ان الانسان يمكن ان ينتحر دون ان يموت ، ويمكن ان يسمع الثناء وعباراته وهو لا يسمع سوى أن فى الوجود خليطا من اناس يتكلمون أى شئ ويعبرون عن كل شئ ، دون الاعتراف بأن الموت يمكن ان ينتحر وان يضرب لحائط برأسه ، وان تتحرك السكين فى اتجاه موقع الموت ، لتقتله فيموت الموت
وتعلمت كيف يموت الانسان ويضمحل وجوده ويدفن فى تراب من الكلمات ومن اللافهم . . عرفت أن هذه أصعب ميتة ، وأشد وقعا على وتر الروح وعلى وتر الفناء . .
. . . وكان لقائى بها فى " همبورغ " وقد لعنت هذا اللقاء ، وهمبورغ ، والعالم كله ، لأننى أردت ان لا اتعلم أشياء تفوق قدرتى النفسية ، ومع هذا ، ورغم كل شئ ، وجدت نفسي اتحدث معها فى حي " سان باولى وكأني في عالم بعيد كل البعد عن عالم الأحياء . . أسمع . . ولا أصدق ان الموت نفسه يمكن أن ينتحر . .
وقالت : عرفته شابا ، ولا يزال - كما هو عالق فى ذهنى - صورة تملأ نفسي ، لا تزال كلماته تعاد في ذهنى فى كل ثانية من حياتي .
وقالت : عرفته وأنا يائسة انتظر بصبر ساعة مغادرتى هذا الكون . لأن مرضى عضال لا شفاء منه . . . وصارحته من أول لحظة بكل شئ ، ولا مجال لكى أقول انى أحببته ، لأن الحب في نظري عقار مسكن للأحياء يستعملونه متى أرادوا مزيدا من الشجاعة لمواصلة السير فى درب الحياة الطويل . . صارحته ان ساعاتي قليلة وانه بامكانى ان أغادره وأنا أتحدث . .
وضحك طويلا بجنون ، وقال لى : انت ستموتين ، وانا سانتحر عقب موتك ، أو ربما قبل .
لم أصدق . . ولكن ذلك الذى كان أمامى يجعلك تصدق كل حرف ينطلق من فمه . . وضحكت بدورى ، ولا أدري لأى شئ ضحكت ، وان كنت فى ما بعد قد ندمت على ضحكتى ، لأني بها قد سببت كارثة لنفسى ،لا لأحد غيرى . .
مرت الأيام ، وفي كل صباح أقول ودون يأس ان هذا اليوم هو آخر ايامى ، ومع هذا كنت سعيدة وأكثر ، وسبب سعادتى اننى عرفته . . دون ان أحبه وان كان كل شئ فيه يحب ، أو ربما رفقا بنفسي أرغمت نفسى ان لا احبه ، أو قد أكون قد اختزنت حبى لأنعم به فى اخرتى . .
اما هو فاحبني بجنون . . كان حبه أهوج ، عاصفا . لم يكن يعطف على ، بالعكس كان يعاملني بقساوة وكأنه يتعجل موتى . . وكنت صاغرة
أمام هذا القضاء الذي لا راد له . . وكأني لا أملك ذرة من التحكم فى مصيرى . وأذكر انه جاءنى يوما وكل ما فيه يضحك ، وقال لى : لقد انتابني شعور وكأنك ستموتين اليوم ، واليوم بالذات . . وضحكت لاني أنا نفسي أريد أن أنفرد بحبى فى العالم الآخر وأسعدتني كلماته . .
ان الايام تمر جريا وانا ما زلت بعد حية انتظر دورى بقلق متزايد ، وكل من حولى يعلم ان أيامى معدودة وان المرض يستفحل فى داخلى باطراد ، ومع هذا انقلبت الثوانى الى ساعات . . وانقلب كل شئ فى الى سعادة . . اني سعيدة به وكفى . . وان كنت لا أحبه ، أو على الأصح أمهل نفسي على الانسياق في مثل هذه العاطفة التى لا تجدى . . ولو الى حين . وكانت لقاءاتنا فى بادىء الأمر متلاحقة الى ان اصبحت لقاء واحدا متصلا . . ومدني بأحسن هدية . . هدية انسان أحب في كل شئ حتى أخطائى التى قللت منها طمعا فى الخلود وارضاء لخالقى ، كي يأخذني الى جواره راضية مرضية
إن أطبائي يعلمون الى أى حد يمكن لى أن أعيش ، ويعلمون أيضا أن لا دواء لدائى . وعاد يوما فقبلني أكثر من العادة ، وشعرت انه مريض وان بدا لي اجمل وأبهى مما كان عليه ، ودعاني الى فراشنا باكرا ، وكانت آخر ليلة اقضيها معه ، لقد تركني وذهب . . . مات . . انتحر دون ان ينتحر . . أ ما أنا فالى الآن لم أمت ، والى الآن يقول أطبائى انى سأموت . يا للبلاهة . . إني مت دون أن يعلم أى كان انى مت بعدما فقدته وفقدت وجوده . . وحبه الكبير الأهوج الذي طالما مدني بالصبر ، وأعطاني القدرة على مزيد التمسك بالحياة . وها أنا الآن اعيش فى انتظار الفجر الذى سيلحقني به . وإذ ذاك سأحبه أكثر ٠٠ وأكثر ٠٠ .

