عن جيفارا عز العرب ، عن الوحش ، عن أبى الليل ، عن لؤي أن نتائج الغارة الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد (أبو سفيان) سبع الليل..
.. وبمهابة شُيّعت جنازته ، وعلى طول الطريق من مستشفى المواساة حتى مخيّم اليرموك ظلت سيارة الإسعاف المثقلة بأكاليل الزهور تُطلق النفير بشكل متواصل..
فَتحتْ حليمة باب نافذتها ، وأطبقت جفنها على دمعة ، ثم همست " الله يكون بعون أمه "
والنجار صالح ، أخرج كمشة المسامير من فمه ، ووقف بمهابة على الرصيف ( ٠٠ فوت . . فوت . . وتحيا الثورة) .
والمجند أبو صطيف ، ترك باص يلدا يغادر الموقف ، وضم كعبيه في وقفة عسكرية ، وأدَّى التحية للموكب ..
وصبي الفرّان سعدو ، أنام الدراجة على جانب الرصيف ، وتهيأ مُقلّدًا المجند ثم رسم بإصبعيه علامة النصر ، وحده (أبو الرائد) ، كان يفكر ، عندما كانوا يُنزلون التابوت في مقبرة الشهداء. .
وحده كان يفكر بقِطع اللحم المتناثرة المتجمعة في هذا الصندوق ، والتي كانت قبل ساعات تنبض فيها عروق (أبو سفيان) بالحضور والتوثب ..
عن جيفارا عز العرب ، عن الوحش ، عن لؤي ، عن أبي الليل أن (أبو الرائد) .. هو الذي شاهد الكلب ( نجم ) يبسط ذراعيه ، ويغفو وراء التلة ، عند المكان نفسه الذي..
عن جيفارا . . عن جميع عناصر القاعدة ، (أن أبا سفيان) التقط الكلب ( نجم ) من الشارع ، عندما كان جروًا مُلقى مع القمامة ، فى اللحظة التي كان يُشرف فيها على الموت جوعًا حمله بين يديه ، نفخ عليه بكل الحرارة والدفء . .
فتح أزرار قميصه ، وخبّأه في صدره ، تمامًا عند القلب . . وعندما عاد من إجازته ، أحضر (نجم ) معه إلى القاعدة . . صنع له مهدًا من القش في خيمته. وبيديه سقاه الحليب ، وأطعمه فتافيت الخبز . . وفي غضون أسابيع قليلة، تفتحت عينا (نجم) ، وأزهرت فيهما نظرات عميقة . .
وأصبح (نجم) قويًّا ، يذرع أرض المعسكر ، ويتمرغ فوق العُشب ، ويُسابق الريح عبر الأرض المحروثة.. ويتقاتل مع الفراشات والجنادب والهواء النشيط..
وكان ينمو ، ينمو ويمرع مثل أغصان شجر الرمان . . ويتفتح مثل الزهور البرية البيضاء ، البيضاء للغاية . .
أصبح جزءًا " هامًّا " من موجودات القاعدة ، يتمسّح بالشباب ، يداعيونه ، يقوم أمامهم بحركات مُضحكة . .
لؤي علَّمه كيف يمشي على رجليه الخلفيتين.. وأبو الليل ، درّبه على أداء السقطة الأمامية. . وجيفارا عز العرب درّبه على القفز عبر حاجز من النار . . وأبو الرائد دربه على حمل الرسائل من النقطة ( أ ) الى النقطة ( ب ) داخل القاعدة . .
حتى ذلك الحين ، كانت القاعدة هي عالم (نجم ) الوحيد.. وكان يحد هذا العالم الطريق من الشرق والأحراش من الشمال والتلة من الجنوب والغرب..
مما وراء التلة لم يكن ( نجم ) يعرف شيئًا . . كان أحيانًا يقعى إلى جانب شجره التين ويُغمض عينيه ليتقي أشعة قرص الشمس الذي يسقط نحو المغيب
وإذ ذاك ، يربت (أبو سفيان) على ظهره ، فيبسط ذراعيه ويغفو. المرة الأولى التي اكتشف فيها ( نجم ) عالم ما وراء التلة كانت يوم المناورة التي أجرتها القاعدة. .
استيقظ بادرًا ، وكعادته ، تمرَّغَ فوق العشب ، وطارد الفراشات التي تطير بتباطؤ بسبب الندى الذى يُثقل أجنحتها ، ودار حول المطبخ ، ثم انطلق يعدو في كل اتجاه . .
عندما صفّر له أبو سفيان بفمه ، توقف (نجم ) ، كان أبو سفيان يحمل على
كتفه مدفع هاون وقاعدته.. أقبل نجم يتقافز مثل مُهرة أصيلة تستعرض نفسها في عُرس عربيّ..
وعندما وصل ، صفّر له لؤي ، فوقف على رجليه الخلفيتين . وأشار له أبو الليل ، فتراجع ثم اندفع واثبًا في الهواء..
وأوعز له جيفارا فتبع المجموعة ، ثم ما لبث أن تجاوزها.. منذ ذلك اليوم ، أصبح عالم نجم أوسع ، وأرحب ، وأكثر امتدادًا . . . صار (أبو سفيان) يصطحبه إلى ما وراء التلة وهو يحمل بندقية الصيد . . وعندما يعودان وقد تدلى من وسط (أبو سفيان) كومة من العصافير ، كان نجم يتقافز جذلاً كأنما يُمنّي النفس بوجبة عشاء دسمة ..
وفي نوبات الحراسة ، كان (نجم) يساهر جميع العناصر . يقترب من الجمرات التي يرقد فوقها إبريق الشاي. . يبسط ذراعيه ، ويغمض جفنيه ، فيبدو كما لو كان نائمًا ، ولكن ما إن تلتقط أذناه المنتصبتان صوتًا غريبًا حتى يَهُبَّ واقفًا ، ويملأ الفضاء نُباحًا ..
عن جيفارا عز العرب ، أن الغارة الجوية أسفرت عن استشهاد (أبو سفيان) سبع الليل ، إذ سقطت عليه قذيفة مباشرة مزّقت جسده ، فالتصق لحمه بأغصان الأشجار وحوافي الصخور ، وتطايرت أجزاء من جسده لمسافات بعيدة
وأبو الرائد عندما عاد ، بعد تشييع الجنازة ، تفقّد آثار القصف ، وعند الظهر عاد بوجه مُرعب وهو يحمل في يده ساقًا بشرية كانت ساق (أبو سفيان) . . قُطِعَتْ من الفخذ واحترق جزءٌ منها ، ولم يبقَ سوى بقايا قطعة قماش تلتصق في الركبة . .
فاضت عيوننا بالدموع ، وبعد صمت طويل ، صرخ (أبو الرائد) : " لا أريد أن أرى أحدًا يبكي . . أبو سفيان لم يكن يخاف الموت " . .
ثم أضاف بصوتٍ هادئ ، وبشيء من الخشوع:
" ندفن الساق في القاعدة ، وراء التلة ، فى أعلى مكان يُشرف على القاعدة" ..
عن جيفارا ، عن الوحش ، عن لؤي ، عن أبى الليل ، أن نجم اختفى فجأة.. مضى اليوم الأول ، بحثنا عنه طوال النهار ، ومضى اليوم الثاني..
فقدنا الأمل في العثور عليه ، وأخذ لؤي يُرجّح أنه كان أثناء الغارة الجوية الى جانب ( أبو سفيان ) وان القذيفة ربما تكون قد اصابته ومحته من الوجود.
في اليوم الثالث ، صعد أبو الرائد إلى التلة ، ومن بعيد ، شاهد نجم ، كان يبسط ذراعيه ويغفو بجانب المكان الذي دُفِنَتْ فيه ساق (أبو سفيان) ، كانت أذناه تنتصبان ، وعندما أحسّ بصوت الأقدام ، فتح جفنيه ، واستيقظ ، ولما أبصر القادم ، عاد وبسط ذراعيه من جديد ، كان يبدو حزينًا مثل حمامة زغلولها طار ولم يعد ، وفي انتظاره تذوب في الهديل ..

