الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

عهد جديد

Share

كان الفتى قد بلغ السادسة عشرة من عمره ، وكانت الاحلام المعسولة تتراقص امامه . . كما تتراقص مياه الغدير الصافى للظمآن فى الفيافى الجرداء ، وكانت الحياة فى نظره رؤى واحلاما . . فيها الكثير من الغموض والاظلام . . وقد اكسبته الحوادث والاحداث الجسام التى مرت عليه قطعانها ، وهو ناعم الاظفار ، مرونة محدودة ودقة نظر غير بعيدة الإهداف فى الحياة والاحياء ، وكان الفتى خجولا منطويا على نفسه محبا للعزلة انى وجد اليها سبيلا . .

وكان لا يبتسم لشئ بقدر ما يبتسم للدرس والكتاب وما يستتبعانه من حفظ ومطالعة وتكرار . .

وكان انطواءيته فتحت له افاق الدأب على تحصيل ما يرسم له من علوم ، فكانت متعته وهجيراه ان يتخيل نفسه وقد بز الاقران وصار علما في العلم يشار اليه بالبنان

وكانت لديه مع ذلك نفس مكبوته نزاعة الى الالمام بهذه العلوم العصرية التى بدأت تستهويه نغماتها القادمة من آفاق مصر والشام - كما استهوت نغمات سلامة ، ابن ابي عمار المشهور بالتقي لعبادته وتقواه  . ولكنه فى حالته الراهنة وهو الطالب بالمسجد

النبوى لا يكاد يشعر بوجود أية فجوة ينسل من خلالها الى ذلك الروض الذى يتخيله انيقا كل الاناقة والذى يحن الى الاستظلال بأفيائه كل الحنين وفيما هو كذلك ، واذا به فى أمسية من أماسى الربيع الباسم أمام شخصية بعيدة الصيت اشتهرت بالعلم والصلاح وفعل الخيرات ، وقد تسربت الى الفتى اشاعات بان هذه الشخصية مزمعة ان تفتتح معهدا لتعليم الناشئة ، ينهض بمستقبلهم ويوجههم توجيها سديدا راشدا . .

فيتقدم بالفتى استاذه ومربيه الى هذه الشخصية ، ويجرى بينهما امامه حوار لا يتذكر الفتى اكان قصيرا ام طويلا ، ولكنه يتذكر على كل حال انه كان حوارا ممتعا رصعت حواشيه بالبسمات وحسن التفاهم وتبودلت خلاله عبارات المجاملة والتقدير .. وكان الفتى طيلة جلوسه بين يدى الشيخين المتحاورين يحدق النظر بملء عينيه وبقلبه ايضا الى هذا الرجل الذي بدأ يستشعر له الحب والتقدير برغم بساطة مظهره وتواضعا الجم ، وسرعان ما علم الفتى من استاذه عقب افتراق الرجلين انهما - فى تلك الجلسة الرزينه الهادئه - قد وضعا تصميم الاتفاق على دخول استاذ الفتى

في المدرسة الجديدة الناشئة رئيسا للمدرسين بها ، كما علم انه قد فتح له بابد " عهد  جديد " ، حيث تقرر ان سيكون ضمن طلاب هذه الدرسة فى عهدها الاول .

ومن الحق ان نقول ان قلب الفتى قد امتلا غبطة ورضا بهذا النبأ السار الذي يحمل في طياته تحولا جديدا فى مجرى حياته بما سيفتح له من اجواء معرفة اوسع مدى من المعرفة التى هو بسبيلها . .

وبقدر اغتباط الفتى بهذه الناحية كان اغتباطه ايضا لما ادركه - عقب دخوله المدرسة - من ان المدير قد قرر صرف مكافات شهرية للطالبين بقدر جدهم وتفوقهم . . ولم لا يغتبط الفتى بهذه الاعانة التى ستمهد له قسطا وافرا من حياة الاستقلال الذاتي وتساعده على التفرغ لتحصيل العلم ؟  فهو ، وان يك مكفى الشئون لدى مربيه ، الا انه مع ذلك كان يشعر من زمن الطفولة الغضة أنه يتيم ، ومن دأب اليتيم ان يشعر بانه فى حاجة الى كل معونة مادية تضئ مستقبله الغامض المجهول . .

وقد ازداد جد الفتى وتضاعف اقباله على التحصيل وواصل ليله بنهاره ولم يرض مطاقا ابان دراسته الا أن يكون الاول فى كل الاختبارت وأثر النصب على الراحة واعرض بالكلية - وما كان من قبل مقبلات عن الوان اللهو والمتع التى كانت تستهوى أقرانه الآخرين ..

وكان الفتى مغتبطا بهذا العهد

الجديد أيما اغتباط ، وقد شعر المدير بما يحمل قلبه من حرص ومن اجتهاد فما قصر في اغداق المساعدات عليه وحباه بمختلف الرفد والمعونة وصار يعهد اليه فوق ذلك ببعض المهام الادارية والكتابية امعانا في تنشيطه ورفعا لمستواه الفكرى . .

وقد ظل على ذلك المنوال حتى اتم مقررات الدراسه العالية ، واذا به يدخل فحصا طويلا مرهقا ويخرج منه وقد تحصل على أرقام الدرجة الاولى ونال الشهادة العالية أول من نالها . .

وكم كان اغتباط المدير بنجاح الفنى وزميله وكانا وحدهما يمثلان الفوج الاول من خريجى هذا المعهد ، وقد لمح المدير للفتى بانه مزمع تعيينه مدرسا عقب تخرجا مباشرة ، الا ان مطالب الحياة دعت الفتى إلى ان يقبل وظيفة كتابية بأحد الدواوين الحكومية وقد احس حينئذ بشىء من وخز الضمير تجاه مديره الذى طالما عطف عليه فذهب الى داره مبكرا ليقدم له جميل العذر وانه ليصافحه اذ يسأله فى تأثر . .

- احق انك وظفت بالديوان ؟ ، - اجل يا مولاى لقد قضت بذلك ضرورات الحياة . وساخدم المدرسة التى لها على فضل كبير وانا خارج منها اكثر مما اخدمها وانا فيها . .

وكانت هذه الجمل التى خرجت من قلب الفتى يتهدج بها صوته فى نبرات الصدق والإخلاص بلسما

لجراح قلب المدير الكبير فيوجة الخطاب إلى الفتى قائلا :

- سنرى ما يكون من البر بوعدك  الذي اقتطعته على نفسك . .

وتلا ذلك صمت عميق وتبادر  الفتى فى تلك اللحظة الدفيقة ان المياه قد عادت الى مجاريهما . فيستأذن منصرفا إلى تأملاته فى الحياة والوان

تطوراتها فى المستقبل القريب والبعيد

ماذا كان امره والى ماذا صار ؟ .. والى ماذا سيكون هذا الامر ؛ والى ماذا يؤول ؟ ولكنه لم ينس قط . لا في تلك اللحظة الدفيقة العابرة ولا في  تلاها من لحظات وساعات وشهور . وسنين ، واجب البر : بوعده الذى اقتطعه على نفسه يومئذ لتلك الشخصية النبيلة الممتازة . .

اشترك في نشرتنا البريدية