مد " أحمد عبد الصمد " ساقيه المحروقتين لشمن شتائية متسكعة وراح بتردد بين الحلم واليقظة ، بين الحياة والموت وسط مواكب الاشعة ورذاذ الضاب . آتكأ على سبعين حولا ، حصيلتها " لفت " و " بصل " ، يحسها عمارة مهدمة الشرفات ، متعددة المتاهات ، مسوسة الحجارة . " من هنا مر فارس اخضر ، إسمه أحمد عبد الصمد ! وفى حين راحت ظلال الذكرى نتراض فوق معابر العمر المائل الى الغرب لتطمر تحت سنابكها القاسية الواقع هيكل العجوز ، اخرج كلبه لسانه لاهثا يقتنص ذبابات اغرتها الشمس بالطيران والحياة وطارت ذبابة طانة لتحط على عين العجوز وتغرس خرطومها فى سفح العين المترية ، ويعجز جفن " أحمد عبد الصمد " عن الحركة وتثقل يده المرتعشة فلا يقوى على رفعها ولكن الذبابة تيأس من قحل العين المرهقة فتطير لتحط على الشفة المضة . ومرة اخرى يشعر " أحمد عبد الصمد " بالعدوان ويعترف بالهزيمة
هذا انت يا عبد الصمد ، تتحداك ذبابة شتائية هزيلة :
ويفهم الكلب مأساة صاحبه فيقفز وينتصب على ركبتيه ليلعق الوجه القديم المتوارى خلف الغضون والأخادي ، وتسقط من عين العجوز دمعة يتيمة ، فتشق طريقها فى مشقة بن التلال لتنصب فى عين الكلب فترتفع اذناه الطويلتان ويدس رأسه فى ثنايا معطف سيده . يشعر الاثنان وهما يعانقان الشمس البخيلة أن كل الثلوج المكدسة على قمم الجبال تذوب وتسيل عبر المسارب الصخرية ماء دافئا يخصب الارض وينبت الزهر . ثم ترتفع يد العجوز فى جهاد وترت على ظهر الكلب الوبرى " انت الوحيد يا صاحب ادركت ان المصير للدود والذباب . . وأن عيني سيدك يغشاهما التراب وتزحف نحوهما أسراب الديدان "
نام الكلب وعينناه مشرعتان فتلاحقت انفاسه صاخبة ، وبقى " أحمد عبد الصمد " ينظر الى الحديقة العارية فى تعب . لم يكن مرتاح البال ولا مطمئنا كل الاطمئنان .
عاوده حلم اللية الماضية بكل شاسة . وجد نفسه على قمة حبل اجرد البحر قدام وخلف فى هيجان مرعب ، والكلب اسفل الجبل يعوى وسفينه يركبها قرصان تدنو ، تدنو . . . ثم يرمى شبكة على الكلب فيرتفع عواؤه وتردد اذاان الجبل اصداءه . ثم تختفى السفينة ويختفى الكلب وبتلاشى العواء
وللمرة الثانية تمر يده المرتعشة على وجه الكلب وظهره وذنبه المعقوف تناهت إلى سمعه طلقة رصاص ثم أعقبها عواء كلب ، فظن ذلك شظبة من شظايا الحلم ولكن الحيوان الجاثم على ركبتيه انتفض وازداد اندساسا فى معطفه ، وتدلى لسانه الوردى فى خوف مباغت ، واخترق لهاائه المتقطع ضلوع العجوز ليستقر فى عمقه قنبلة مؤقتة الانفجار . من يدري ؟ انهم يقتلون الكلاب فى المدينة ويعلللون ما اقترفوا بانتشار داء الكلب حدث ذلك منذ سنين ومرارا متكررة
اخترقت سماء الحديقة طلقة ثانية ، وتيقن أحمد عبد الصمد " أن صوت الرصاص حقيقة لاحلم . قرفصت نغمة الطلقة على هام الشجر الاجرد ثوانى معدودات ثم نفذت كسهم مشتعل الحد الى قلب العجوز فانفرت القنبلة المؤقتة شطايا يا من ريبة وخوف وتوجس . عاد الصمت ولكن أذني الكلب بقيتا في استنفار تشربان الموت والدم ، وترجم " أحمد عبد الصمد " أنفاس صاحبه إيقاعات نواقييس تعلن خبرا خطيرا فى مدينة قديمة . أجهد النفس على سل رقام الجسم من حرارة الشمس ولذة التراخي ومن أعوامه السبعين ولكنه أحس انه يجرب الحركة ونقل الخطوات للمرة الأولى ، فمد عنقه وتحسيس عروقا حضراء متورمه هنا وهناك تتلوى كأغصان كرمة أعطت طويلا . وبدأت الرحله إلى الخلف والى الأعماق ، ولكنها هذه المساء رحللة ذات طعم خاص يعبرها آزيز الرصاص وحشرجات الكلاب المحتضرة . متاهات خربة علوها الغبار وينعق فى ارجائها اليوم ، وأبواب تتلوها أبواب .
يذكر سنة ستين شوارع المدينة صحراء والمطر كثيف ذلك اليوم من برس منسى طويلا ، عازما على قتل السؤال الذى بدأ يطل برأسه كوليد غير مرعوب فيه او حربه لامعة فى الظلام . لم يلتفت اليه وافتعل التلهي بالماره رطوابير اليسيارات . يذكر انه وقف أمام واجهة بلورية مضاءة فيبرز له وجهه الحجعد وراى الشيب يكتسح سواد رأسه ، وعندئذ استطاع مواجهة الواقع " لقد تقاعدت عن العمل يا عبد الصمد . فما أنت فاعل بالحياة ؟ وما انت فاعل عيك ان تترقب عزرائيل الآن لن تقوم من النوم باكرا لتذهب الى الشركة ولن تصبح ولن تمسى . . صرت أمسا غابرا وماضيا دابرا !
يمضغ " أحمد عبد الصمد " هذا الكلام وهو يمد ساقيه للشمس ، فيجده مالحا ، ويحسه ثقيلا كتراكم الجبال . أمن أجل أنه وعد الكلب بعلبة سردين عندما يتقاضى منحة التقاعد والكلاب تعوى الآن تحت الرصاص ؟ باغته عاصفه من سعال وحاول أن يبصق فلم يجد فى جوفه ما يبصق على مدينة تقتل كلابها
عاد يوم تقاعده الى المنزل عند الغروب . هو يعيش وحيدا منذ أن طلق زوجته . يوم وقع على وثيقة الطلاق لأنها خانته بعد عشرة طويلة بكي أمام القضاة وتمتم : " الكلاب أو فى من النساء ! " . استقبلته الغرف استقبالا غريبا . كل ما فيها ينطق " لا عمل بعد اليوم . إنها المجانية والتقاعد " . الكرسي الكبير أمام المدفأة متأهب لايواء سيده طول المدة السابقة لتنفيذ الحكم . وصورة الريف المعلقة على الجدار تفقد زخم الحياة . أين ريف العرق والحصاد والفتوة ؟ والسرير يفتح ذراعيه فى تراخ . وقف " أحمد عبد الصمد " طويلا أمام تثاؤب الاثاث ، ثم طارت نظراته الساهمة لتقع على صورة قابعة حذو السرير . رجل آخر اسمه " أحمد عبد الصمد " . " أحمد " سنة أربعين ، على الشفلة ترف ابتسامة مغتصبة ، والشعر اسود يتحدى الثلج والضباب ! وإلى اليمين " رفيعة " زوجته ، وجه " الجواندة " ملوث بالوحل . وإلى اليسار " سمير الذي سقط ورقة فى الربيع ، يخزن رجلا آخر اسمه " أحمد عبد الصمد "
ذلك المساء كان بداية السفر الى الداخل والتيه فى الأغوار . المسجد واحة من ينتظرون عزرئيل . هو لم يصل طوال عمره ركعة واحدة . والحانة إغراق لثمالة العمر تحت تلال القوارير . يذكر انه وجد نفسه فى المسجد وسط رؤوس تتعاورها الحصر والسوارى وتنبت كالفقاقيع ، والزخارف على الجدران عبث وسأم
" إن الله يكره العبد البطال " مكتوبة بخط كوفى . تأملها جيدا وفهم أن البطالة تساوى الكره فى عرف النفس والناس والله . ثم قذف أقدامه خارج . المسجد ، فاذا هو فى شوارع قذرة وأحياء تموج بالصبية والصراخ واذا صبى صغير يسأله : " أصحيح أن للكلب سبعة أرواح . لذلك فهو لا يموت ؟ " .
عادت يده تربت على وبر الكلب الناعم فى حنو ورقة . " ذلك اليوم كان بداية تعارفنا أيها الحبيب كتلة من صبية يرشقون بالحجارة جروا صغيرا دفعهم عنه وأخذه بين يديه . كان أنفه الصغير راعفا وكانت مزق من جلده الرهيف قد تطايرت تاركلة بصمات زرقاء تنز بالألم . تلك الليلة لم ينم * أحمد عبد الصمد " . سهر على الجرو يجرعه الحليب ويضمد منه الجراح
عواء كلب وأزيز رصاص ! غامت الشمس ثم انطفأت شمعة هبت عليها عاصفة وعاود العجوز السعال فأخرج منديله يتمخط
بخطى ضاربة فى وحل السنين غادر " أحمد عبد الصمد " الحديقة وخلفه يعدو الكلب فى رهبة . يسيران جنبا الى جنب وظلاهما يبدوان ويتلاشبان وروحاهما تتهامسسان الألفة والمحبة . ابتسامة عسيرة الولادة من الانسان وتحريكه ذنب مترددة من الحيوان حتى اقتربا من المنزل ، فأز صدر العجوز بسعال حاد وبحث عن منديل فلم يجده ، نظر الى الكلب بخطره بذلك فاندفع عدوا على الأعقاب بحثا عن منديل سيده .
عاود " أحمد عبد الصمد " وهو يقف أمام الباب عواء الكلاب والرصاص فترسم طريق صاحبه . " لن يقتلوه ! لن يقتلوه . ولكن ما أنت فاعل ، أنت موشك على الموت . الأعوام التى تمنح للانسان بعد التقاعد هى اللحظات الأخيرة فى حياة محكوم عليه بالاعدام
" سيقتلونه . . لن يفرح بعلبة السردين . الوحدة . الذباب . الديدان الموت وحيدا وحيدا . . لن يبكيك انسان . . لن سكيك كلب " عواء كلب وأزيز رصاص !
وقف عبد الصمد " على مشارف الحديقة . ذنب كلب يتشحط فى الدم فرصان يقف على امتار ودخان من مسدس . عربة قمامة تقترب ، تغوص في بحر الدم . حبل بجر كلبا . ويختفى الكلب وتختفى العربة . وتبقى لطخة الدم " ما أنت فاعل بالحياة يا عبد الصمد ؟ " .

