الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

عوامل النهضة القومية

Share

الأمم مثل الأفراد تعمل كل  يوم نحو النهوض و الإرتقاء و لكن حياة الفرد ومجاله في الإرتقاء محدودتان نوعا ما و ذلك لقصر المدة التى يقضيها أولا الوصول إلى هدفه ولقلة الوسائل الموضوعة تحت يده أما الأمم فنهوضها لا حد له الا السماء                                                                                   وهو أهم وأقوى وأجل ,هذا وان                                                                                      كان مظهره بطئ النمو . فحياة الأمم لا تقاس بالسنين المعدود مثل حياة الافراد ، وانما تقاس بالأجيال والحقبات . والأمم التى سارت فى اول طريق النهضة ، لابد واصلة اليها ، وظاف لان حياتها متصلة باتصال الفرد من جيل إلى اخر , وهذا يعنى اتصال دينها ومثلها و سياستها وجميع مقوماتها .

والأمة العربية كغيرها من الأمم , تواقة الى النهوض . وهذا ليس بغريب عليها ولا جديد ، فقد قادت الأمة العربية العالم لمدة طويلة من الزمن حاملة مشتعل العلم والثقافة , فكانت حضارتها منهلا يؤمه الآخرون من افراد الامم الأخرى ، فكانوا يتلقون فى هذه البلاد من العلوم والمعارف الكثير مما لم يكن من الممكن الحصول عليه في بلادهم ٠

والنهضة غاية وليست بطريق . هى هدف لا يمكن الوصول اليه الا بالحصول على أسبابها ومقوماتها . فإذا ما عرفت الأمم طريقها نحو

النهضة , ثم عملت بقوة وجد , فلا شك انها واصلة الى ما تصبو اليه .

وماهية النهضة كما عرفت خلال التاريخ - هى حالة تكون الأمة فيها أفرادا وجماعات حاصلة على أسباب المعيشة المعنوية والمادية بما يسد حاجتها وهذا لا يتأتى إلا بأن تكون الأمة منتجة لما فيه الكفاية وحينئذ تتهيأ الفرصة للأفراد كل يعمل وينال المكافآت التى يختلف مقدارها بحسب نوع وكمية إنتاجه ٠

وهنالك شروط كثيرة يجب أن تتوفر حتى يمكن للفردان يقوم بواجبه الانتاجى تجاه المجتمع وأهم هذه الشروط أن تكون الأمة مستقرة فى اوضاعها  السياسية والاجتماعية والاقتصادية أما الاستقرار السياسى فيجب أن يبدأ بالأستقلال الوطنى كما هو متعارف عليه في الأوضاع القومية وهذا يتأتى للأمة إذا مارسمت طريقها بنفسها , بغير أى تدخل اجنبي , سواء كان هذا التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر , إن الاستقلال نفسه وسيلة وليس غاية . فهو يمهد السبيل للعمل المثمر . فالنفوذ الأجنبي في أي بلد ما ، لا يهدف إلى صالح تلك البلد , قبل أن يهدف الى صالح نفسه , وقلما يهدف الى صالح البلدين . وفى أكثر الأحوال يكون هدف النفوذ الاجنبي اضعاف قدرة البلد وذلك للاستفادة من ذلك

الضعف . فالعلاقة بين البلدين تكون عكسية ، فاذا ما قوى النفوذ الأجنبى ضعف النفوذ الاستقلالي والعكس بالعكس . أما إذا كانت البلد مستقلة ، وكان أهلها يديرون شؤونها ، فانهم سيقومون بتولية الصالح عليهم ، فيكون هذا الوالي حاكما وأبا لهم لانه منهم وفيهم . وهذا الاستقلال السياسي يهيئ لعناصر الأمة وأفرادها العمل معا للوصول الى النهضة المطلوبة

ويسير جنبا إلى جنب مع الاستقلال الذاتي ، موضوع الاستقرار الداخلى ، فمتى خلت الأمة لنفسها ، وازاحت عنها كابوس الاجنبى ، امكنها الالتفات الى أمور الحكم والإدارة ، حتى يعمل المواطنون في جو من الهدوء والطمأنينة يساعدهم على الانتاج ، وبذلك يحسنون أحوالهم ، وأحوال إخوانهم كذلك .

إن الأمور الاقتصادية في أى بلد لا تقل أهمية عن الوضع السياسي لذلك البلد . إن التاريخ مشبع بأخبار الدول المستقلة سياسيا ، ولكنها لم تكن ذات شئ يذكر وانتهت أمورها الى السيطرة الأجنبية ، وذلك لأن الوضع الاقتصادى لم يكن فيها مستقرا فعوامل الإنتاج يجب ان تكون متوفرة لدى الافراد والجماعات حتى يمكن للبلد ان تصبح مكتفية ذاتيا أو قريبة من الاكتفاء الذاتي . إن مستوى المعيشة للفرد والامة يعتمد على انتاجها للمواد والسلع التى تستهلكها فاذا قل الانتاج عن الاستهلاك ، اختل نظامها ، وأصبح في حاجة الى معونة الاخرين وهنا يتدخل الاجنبى بنفوذه المالي ثم السياسي وبذلك يتحكم في

مصير الامة . اما إذا كان الانتاج كافيا ، فان أفراد الأمة ينالون مطالبهم ، ويعيشون على مستوى كاف وتكون مشكلاتهم أقرب الى الحل منها الى التعقيد . اما إذا زاد الانتاج على الاستهلاك ، فهذا يعنى رفاهية الأمة والتمتع بما تنتجه الامم الاخرى عن طريق تبادل المنتجات .

وهنالك شرط أساسي لتوفر نهضة الأمة ، فالإستقلال السياسي والاقتصادى وحدهما ليسا بكافيين للسير في طريق النهضة . ولذلك يجب على الأمة أن يكون لديها مقومات أخرى تنير لها السبيل الصحيح . وأهم هذه المقومات العقيدة والمبدأ . وهذا الامر يتخذ شكل الدين والوطنية فالفرد يجب أن تتوفر لديه عناصر الصلاح لخدمة الأخرين كما يخدمه الأخرون . ولهذا يجد الانسان في الشرائع السماوية القوانين والأوامر التى توضح للانسان طريقه في الحياة يجب أن يكون التعاون والمصلحة المشتركة رائد الافراد ، حتى يمكن الوصول الى النهضة العامة . يقوم المصلحون بتوجيه أفراد الشعب نحو المثل العليا لخدمة بعضهم وبالتالي خدمة الوطن .

وفي عالمنا الحديث ، أصبح العلم سلاحا أمضي مما كان عليه قبلا . فلا يكفى أن تكون الأمة مستقلة اقتصاديا وسياسيا ، وان يكون أهلها ذوى فضل وصلاح ، وإنما يجب ان يكون العلم قسما من حياة افراد الامة . فالعلم اليوم دعامة لجميع انواع الاستقلال ، وبه يمكن الرقي والنهوض ، واعطاء الأفراد قوة تساعدهم على زيادة

إمكانيات بلادهم بحيث يمكنها الثبات أمام تيارات المنافسات الدولية .

إننا إذا نظرنا إلى الامة العربية اليوم ، المؤلفة من دول كثيرة ، رأينا أن هذه الدول آخذة بالكثير من اسباب النهضة ، وإن الأفراد والحكومات متنبهون لما يجب ان تكون عليه نهضة الامة العربية . ان الانسان

وهو يتنقل من بلد عربي الى آخر يشعر بفخر وزهو حينما يرى البوادر العديدة التى تدل على مستقبل حسن . فالامكانيات وافرة ، والحكومات متيقظة ، والشعوب مستعدة ، والكل يعمل معا للوصول الى الهدف المنشود ، إذا قارنا ما هي عليه حالة أي بلد عربى بما كانت عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاما ، نجد أن الوضع يسير الى الامام ، وان هنالك خطوات واسعة خطتها الدول العربية للوصول إلى أهدافها . فقد أصبحت بلدان كثيرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان تتمتع باستقلالها . وهنالك جهود قوية ثابتة نحو رفع الاقتصاد الوطني وتوجيه الشعوب توجيها طيبا .

فالبلاد العربية لديها من المواد الانتاجية ما يكفى سكانها ويسمح لها بالتصدير الى البلاد الأخرى وبذلك تتمكن عن طريق الفائض من انتاجها من ابتياع منتجات البلاد الأخرى . لم يعد يعتمد الشرق العربي على الزراعة فقط ، فالصناعة بدأت تسير خطوات نحو انتاج ما يحتاجه السكان فكل دولة لها برامج قصيرة الأمد

وهذه البرامج متى تحققت ، تزيد في الطاقة الانتاجية زراعيا وصناعيا .

أما العلم ، فالمدارس أضعاف ما كانت عليه في السابق ، وستكون فى الغد أكثر مما هى عليه اليوم . وهذا أمر طبيعى ، فمتى بدأت عوامل نهضة الأمة في المسير إلى الأمام ، فلن يوقفها أى عائق عن الوصول الى ما تبتغيه .

ولا يغرك قول الحسود ، المتشائم الذي يرى الأمور بمنظار أسود . فهو قصير النظر ، لا يرى ما كنا عليه بالأمس ولا يمكنه أن يتصور ماذا سنكون عليه في المستقبل . أنه يقارن اليوم بين مايراه من التفكك والضعف الظاهرى فى حالة البلاد العربية ، بالقوة التى تتمتع بها الدول الغربية فيساوره الشك واليأس ولا يرى طريق الخلاص .

ولكن الحقيقة أننا نسير قدما في طريق الرقي . ومع ان هذا الطريق ملئ بالمخاطر والأشواك ، إلا أننا بإذن الله واصلون . فجميع الدلائل تشير الى عوامل الوحدة والاستقلال والاقتصاد والاكتفاء الذاتي واليوم الذي تصبح كلمة الامة العربية مسموعة الجانب في الاوساط الدولية لهو آت وقريب ، وما علينا إلا أن نعتمد على انفسنا ونعمل ، ونغير الخبيث من أحوالنا فنستبدله بالحسن . إن لنا في ديننا ووطننا ومواردنا ما فيه الكفاية من الأسس القوية الثابتة التى ستوصلنا باذن الله الى مكان رفيع ، والله ولى التوفيق .

اشترك في نشرتنا البريدية