لحظات من السعادة يتمطى الزمن فيها ويتراخي . . صفاء وطمأنينة . . فى غير ثقل وكثافة . قد امتلأ حجما دون ترهل وطفح خصبا دون ضوضاء . يسير الهوينا فى خفة ورشاقة وهو واقف لا يريم حتى كأنه طوع إرادتك وفاقا ومؤاتاة بل أصبح ينبع منك قد فصل على نبض حياتك تفصيلا.
وانزوت الساعة فى ركنها متضائلة فى سكون لم تعد ترى تواضعا وحياء كأنها الضيف استثقل وجوده . . ابتذل تفاهة وسخفا.
تمام الرضى والارتياح سواء جنحت الى العمل أو أقبلت على الراحة تتذوق على مهل نضرتها المتجددة وتقتات بثرائها المتصل وتقف فى حضرة الحياة وجها لوجه وهي بين يديك عارية قد أمكنتك من نفسها عطاء جما بلا ساب .
ههنا زمن آخر . إنه البحر على قيد خطوات منك أبدا يطرق سمعك لا يفتأ يخفق هادرا صاخبا أو لاهثا همسا لا يكاد يبين . . لا يغيب صوته عنك رفيقا لك متسللا حتى فى تضاعيف نومك.
البحر والسماء اتصلا وائتلفا الى غاية الاتحاد عند هذا الافق القصى القريب . ازدوجا حتى لا تدرى أيهما أكرم على صنوه . . هذه نسقيه ريا لا ينقطع من فيضها الدافق وهو فى زهوه وطربه يزيدها صفاء وإشراقا ويضفى عليها زرقة عجيبة خصت بها سماء البحر دون غيرها.
وفى كل صباح جولة على الشاطئ الساكن الوادع . . وجبة من النور والنسيم . . رشفة هانئة من حوض البحر المترامى.
انظر ناحية المشرق فاذا الماء يتلألأ كأن عليه ملايين الأصداف العائمة . . صفحة متوهجة الاشعاع تكاد تعشيك اشراقا . .
وأحول بصرى نحو الغرب أو الجنوب فاذا نور كالظل هادىء رصين . . سهل من النور سلس مطواع . . مروج مشعشعة اللون تتخللها جزر مترامية ناصعة الزرقة يسبح فيها النظر ويغوص ويمرح ثم يستقر فى واحات بنفسجية عند حافة الأفق الحالم البعيد.
وتعود إليه عند الزوال وقد احتضنه النور فترى الموج يهتز ويربو وينتصب لحظة فى رشاقة الحية حتى اذا بلغ الاوج توترا واستقام دق وشف لمعانا بلوريا . . اشعاعا خاطفا متقدا ثم يلتوى زحفا إلى الشاطئ كأنه يسابق نفسه لافظا زبده فيتبدد ويضمحل وتلتئم شظاياه متراجعة الى الوراء متسربة فى تضاعيف الجحافل المتلاحقة المتدافعة الى الشاطئ . وهكذا يموت ويحيا بعثا مطردا متجددا .
وكأن البحر قلب هائل عملاق تصغي الى نغمته الموزونة المتصلة.. تحن إليها مرتقبا إياها فى شغف حتى إذا دوت في أرجاء نفسك هممت على عجل باستبقائها . .
كترجيعة " السنفونية " تشتاقها وترتجيها . لقد غابت عنك وسط زحمة الانغام الهادرة ولكنها ماثلة فى نفسك تستحضرها وتستعيدها عفوا . . ولا يقر قرارك إلا حال عودتها مشرقة باهرة فتذوب نشوة لسماعها وقد التحمت بها واتحدت أنسا وهياما .
ماذا أقول ! ؟ هذا الصوت . . لكأنله نفسي يسكن أحيانا ويخفى حتى أظنني افتقدته . . أو كأنه دقة قلبي تهدأ وتغور فأتحسسه قلقا مذهولا .
وإنه ليتلون مع الليل والنهار ويتطور مع الطقس والرياح .. تارة همسا أو همهمة كصوت النسيم . . هديرا كالوابل الضخم .. كالمطر المدرار أو العاصفة الهوجاء تتلاعب بها الرياح كيف شاءت لا هوادة ولا انقطاع . وتارة كالنفس القوى الهادىء . . نغما رصينا منتظما ينتهى بزفرة رهيبة محببة مأنوسة حتى كأن البحر مارد بغط فى نومه يرجع الشاطئ اصداء أنفاسه . . .
وأحسانا كحفيف الأشجار . . كخشخشة ملايين الاوراق تهدهدها الرياح . . أو كرفرفة ملايين الطيور تنطلق فجأة تبغي الفرار.
هذا البحر الذي همت به صغيرا وحرمته حينا فى الدهر . . .
هو ذا طوع هواك . . قد زف إليك واستجاب مهرا جموحا تتحسبه . . تباشره بكامل كيانك . . تلقفه بكل جوارحك
انها ساعة الوصال وتزول الرهبة ويتعطل الخشوع اذ تهفو الى الماء وتسعى الى لقائه فاذا انت تلاعب الموج تلثم وتعانق وتضم وتحتضن . تارة تعنف الماء تهزه هزا وتارة تسلم نفسك إليه استسلامة حب منتشية .
لقد عبثت ما شئت وأذبت فورة جسدك القلق الظامئ وسط الامواج المكتنزة الناعمة وخرجت الى الشاطئ وقد اشتفيت وارتويت وكانك تخلصت من سحر البحر وجاذبيته وحسبته مجرد بركة أو حمام بارد ولكنه سرعان ما يستعيد سلطته وهيبته وروعته وبهجته لقد انبعث سويا كأن لم تجز حماه ولم تفتض بكارته هل رأيت البحر يضحك
اذا هبت ريح الشمال على بحرنا وما أعنف الشمال حتى فى أطيب أيام الصيف ! - تحير الماء واختلج واهتز وانكمش كما لو كانت الريح تدغدغه معاكسة وتطارده فترى على وجهه أخاديد متلاحقة . . تحاعبد رقيقة سريعة الانسياب حتى كأن الامواج هاربة من الشاطئ تفتر عن مثل الدر المتناثر
وتمد بصرك أبعد فأبعد فتلمح مويجات بيضاء لا تكاد تبين . . أرشاش من الزبد متطاير ؟ أم أسراب من النورس تنط على سطح الماء وتحوم . . حثيثة الحركة دائبة المرح كأنها تغوص بحثا عن القوت وتحلق فى آن معا ! ؟
وتريد أن تملأ عينك من البحر قبل أن يحجبه عنك الظلام فتقف عشية بعبدا عن الشاطئ وما ان ترنو إليه برهة حتى تستخفك الزرقة العميمة المترامية تشملها ببصرك وتستهويك . وتتسع لها نفسك تكاد تحتويها .
هو ذا الحسن فى تعدده ووحدانيته ، فى منتهى قراره وتحوله يغريك ويتحداك سرابا قائما لا يحول .
وتعجب لهذا المدى اللازوردى الشاسع . . لهذه الكتلة المتراصة لا حد لها ولا نهاية كيف تآلفت عناصرها وانسجمت مطلق التساوى والاتحاد . . ضربا من التواطؤ يبعث على الحيرة والارتياب . . جبهة مديدة لا خلل ولا ثغرة فيها . . سهولة ممتنعة يرتد البصر دونها ويقصر الفكر عنها آيسا مقهورا
واذا المنظر على عظمته وامتداده وتباعده وامتناعه قريب من نفسك شديد القرب كأنه جزء منها . . هبة خارقة أعطيتها فحأة . . أمنية معجزة زفت إليك عفوا . . كما لو انقادت الدنيا بأسرها ودان لك الزمان واستجاب لك الدهر صاغرا ذلولا
لقد وليت ظهرك الى البحر تسعى الى القرية قد حفت بك الظلمة ولكن صورته معك منطبعه فيك ، قد شربتها نفسك حتى كأنها اللوحة اقتنيتها من معرض أو الصورة يضعها الطفل فى جيبه .

