الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

عودة

Share

.. . ادخل حامد يده الى جيبه وأخرج سيجارة ، ثم دخل المقهى التى يمر بها كل صباح لتناول قهوة . . وفيما هو يرفع الى شفتيه فنجان القهوة حس بأن الايام تمر متشابهة ، رتيبة . . مملة .

وجرع قهوته بسرعة ثم اتجه نحو عمله . . وعاد اليه احساسه بالرتابة والملل عند ما دار مع المنعرج الذي يقوده الى مقر عمله ، . . لقد مر من هذا المنعرج مرات كثيرة حتى أصبح ينتهى اليه ويعبره بدون أن يرفع رأسه أو يفكر في هيئته ...

كم فقد هذا المنعرج من بهجته ؟ بل كم فقد لديه هذا المنعراج ذلك الوقع الجبيل وتلك الاحاسيس التى هفت بذاته وهو يعبره أول مرة ؟

وانتهى حامد الى بناية عمله . . انها منتصبة فى مكانها ، ساكنة ، بلونها الشاحب ! واستقبله البواب كعادته بابتسامته الباردة :

- صباح الخير سيدى حامد ؟ ورد عليه حامد باشارة . . ان البواب أيضا لم يعد يضحكه بقامته لقصرة او يتململة فى مشيته او بعينية المتراقصتين بل فقد لديه كل شىء ؟

واخيرا أحس أنه يدور فى خضم دوامة آلية قاسية . . واستقبله زملاؤه وزميلاته بكل بشاشة ... كالعادة ؟ فأخذ يرمقهم فى شئ من السهوم ...  وأخرجه صوت مريم أكبر الزميلات سنا ، من صمته :

- أقدم لك سلوى ؟ رفيقة جديدة فى العمل ؟ - أهلا ؟ تشرفنا ؟

وانطلق لسانه فجأة ، من عقاله . . وتحدث فى مواضيع مختلفة كثيرة ، وطغى على الموقف . فقالت احداهن مداعبة : انى أبغض الفلاسفة ؟ واستطردت اخرى : اني أبغض الفلسفة لا الفلاسفة ؟ ثم علق أحد الزملاء : لان الفلاسفة ثنائيون . . ؟ واسعفه الجرس فافترق الجمع .

وقبل اتجاهه الى مكتبه ألقى نظرة عابرة الى الموظفة الجديدة فألفاها تميس فى فضاء خطواتها المتزنة ، الحذرة ...

والتفت الى الحارس الذى التصق بالباب وربض هناك ، ساكنا ، . . . . ثم طلب منه أن يأتى له بقهوة ، فاضطرب . . اضطرب لانه يعلم أن شرب القهوة أثناء العمل محجر . . فأعاد له مؤكدا :

- أريد قهوة ؟ هاك ! ومد له قطعة صفراء من النقود ذات مائة مليم . فأخذها ودسها فى جيبه بسرعة وهرول الى المطبخ . . .

وعند الزوال تطوعت مريم لتوصلة على سيارتها الى بيته . . وفي الاثناء قالت له : - آه ؟ ما رأيك فيها ؟ انها غضة ؟ جرب حظك ؟

- عمن تتحدثين : - لا تتظاهر بالبلاهة ؟ انك تعرف الموظفة الجديدة وقد أخبرتني بهذا منذ قليل ؟ - أعرفها ؟ - فى مدة التربص التى . . . ؟ ولفهما صمت . . . ولما وقفت السيارة أمام البيت قالت له مريم :

- يبدو عليك تعب شديد ؟ - شديد جدا ؟ - ان شباب هذا الجيل سريعو الكلل والملل والتعب . . فلم يجبها فأضافت مبتسمة : - ولا يثمرون ثمار الكهول مثلى ؟ فرمقها : - هل تعلمين لماذا ؟ - لا أريد ذلك ؟

وشكرها على لطفها وكياستها ثم انطلق الى المطعم

. . . واجتمع بسلوى فغمرته بابتسامة حلوة أطردت من ذهنه مرارة قلق ممض . . . قالت له :

- اننا نعرف بعضنا بعضا ؟ كان ذلك منذ ثلاثة اعوام ؛ أليس كذلك ؟ وأجابته بابتسامة وبنحنحة ناعمة . . واضاف - لقد تغيرت كثيرا ؟ يبدو أن الزواج وافق مزاجك . . . ؟

- ٠٠٠٠٠٠٠ ؟ - وسقطت مريم بصوتها الاجش ؟ - صباح الخير حامد ؟ سلوى ؟ . .

. . لقد تذكر حامد الآن كل شئ ، . . تذكر سلوى الطالبة والمحاولة الغرامية الفاشلة . . وتذكر حين رفضت مرافقته بل وحين صارحته بانه يزعجها أكثر مما يجب . . أكثر مما يجب ، لان لها من تعبده ..

وأخيرا تذكر أيضا ، حتى حين التقى بها ، ليلا ، على المدرج ، وقد ابتسمت له ابتسامة فيها اقرار وتحد وعلى عينيها الزيتيتين وشفتيها الملثومتين رعشة لذة محمومة . . .

ولكنه ، ولكنه تذكر أيضا أنه نسيها بسرعة . . . وها هى اليوم تعود وفى أعطافها أطياف وعود

. . وذات يوم دعاها لرقصة . . لرقصة فى ظل عودة . . فاستجابت وماست في لهف ضم عنيف . . وتصدعت رجة انطلاقتها فى ابتسامة . . . وقالت له : في وجدانى طعم ممل ، . . طعم من يلوك جسسا مطاطيا . . . وسكنت حركات حامد فى نظرة ساهمة . . . . . وقالت له : لم أفكر في زوجي المريض وأنا أضمك وانما أحسست

أن هذا لا معنى له ولا طائل من ورائه . . اننا نخطئ ولا مفر لنا من الخطيئة ولكن بدون رجاء . . ان اجتماعنا ضرب من العبث كما ان فراقنا هو الآخر ، ضرب من العبث ، وفي هذه الذبذبة تكمن المعضلة الكبرى . . ولكن ما الذى يسكنني الى صدرك ؟ لا شىء يافلانى . . . لا شئ اذا اعتبرنا الصدفة لها معنى الشذوذ . . و . . ولان الصدفة لها معنى الشذوذ . . .

. . . وفى بيتها استلقت على فراشها وأغمضت عينيها - ، ثم التفتت لترى وسادة زوجها فصاحت : - الهام ؟ وجاءتها الهام . . الهام ابنتها . وابتسمت الطفلة ثم عانقت أمها : - ماما متى سنذهب لزيارة أبى ؟ - غدا يا حبيبتى ؟

ونامت الطفلة على ذراع أمها . . ومدت سلوى يدها اليمنى الى شعرها وأخذت تلامس ظلالا . . ظلالا كثيفة . . .

والتفتت فرأت ابنتها فى نوم هادىء مسترسل . . وتذكرت حامدا حينما قال لها ذات مرة : . . أما أنت فقد تكونين فى نوم عميق . . عميق جدا ويد مهملة ملتصقة بخصرك . . . استيقظى فى ليلة من الليالى ، فى ساعة متأخرة من الليل وافتحى عينيك سترين جسما ممدودا الى جوارك وانفاسا رتيبة ، فى حركتها المتوازنة ، ووجها مسالما . . فلعل هذه الصورة تعيد لك انسانيتك التى طالما حلم بها البشر . . .

. . . وأطلت من النافذة فرأت الخادم ، الشيخ ابراهيم ، قابعا في الحديقة صامتا ، يرنو الى الافق حالما كانه فى حضرة ساحر . . وبحواره القطة البيضاء مستسلمة لاشعة الشمس الناعمة . . وفكرت :

" ان محياه هادىء يعبر عن اطمئنان ورضى . . . وتذكرت شاعرا وشعرا :

خل عب الحياة عنك وهيا            بمحيا كالصبح طلق أديمه

فكثير عليك أن تحمل الدنيا         وتمشى بوقرها لا تريمه

والوجود العظيم أقعد فى الماضى    وما انت ربه فتقيمه

وتنس فى الحياة . . فالعمر قفر      ٠٠٠٠٠

وتزاحم النغم وتعالى واصطخب فصاحت : - عم ابراهيم ؟ فخرج الشيخ من صمته والتفت : - سلوى ، بنيتى العزيزة ؟ وارتعشت ، . . وتهالك على الشيخ دامعة . . .

- ما بك يا سلوى كما هل اشتد المرض بسيدى شهاب ؟ ولم تجب . . وسكنت الى صدره كالطفل الصغير بينما أخذت يد الشيخ تمر على رأسها فى لطف وصوته يهدهد : - سيعود لك ، يا سلوى ، سيدى شهاب ...

ورفعت له يده اليمنى . . وفاجأتها رغبة طارئة : انها تريد تقبيل هذه اليد ؟ . . وبقيت ترمق تجاعيدها وصلابتها وما فعلت بها الثمانون حولا . . . وفكرت :

" مابهي شيخوخة الرجال ؟ انها ناعمة ، فيها دفء التجربة وعمقها . . ؟ - أسيعود شهاب يا عم ابراهيم ؟ نعم يا بنيتى ؟ سيعود وسيمملأ هذا البيت بالورود ! . . وذات ليلة . . وذات ليلة اشتد به هول وحدته فأخذ يكتب لها يكتب لها او لنفسه ؟

" كلما اشتد بؤسس وقست وحشتى واشتدت رهبتى أحاول أن أراك . . ان أراك أنت ؟ واذا ما بدا لى طيفك تختفى من حولى الموجودات وتغرق فى صمتها . . أما مشاعرى فهي تنذهل . . تنذهل فتكون أنت بسمتها . . وتعلو في أبخرة الرؤى موجات اللذة الكبرى فتهتز نفسى وتنتشى : ها أنت تبتسمين وفي عينيك صفاء معنى عميق . . . ها أنت ، تلفك اضمامة بيضاء ، ترقصين . . .

لكنى سرعان ما التفت فأرى موجات سوداء تداهمنى فأحول رأسى فأشاهد يدى مبسوطة ومكتبى مبعثرا . . " " . . بذاتي تعوى حشرجات عطشى ، لاهثة . . حشرجات حائرة

عمياء ، . . انها تدوى فى صخب ، فى جنون . انها تستحثى . . انها تريبني وتلفني بهالة حمراء . . وكلما تصعدت الحشرجة أرمق الاشياء حول في سكونها ، فى همودها ، واذا بالدمع يطفر ليحرق أهدابى . . وعندئذ أراك ، . . اراك أنت هذا الكائن الغض فأرى يدك ترتفع لعيني وتستدرها . . وانت ، أنت تسكنين لدفء دمعي وتسلس نفسك وتلين وينحنى قوامك وتسرى فى أعطافك ومضة " الانسان " اني أراك ، . أراك هكذا ، انسانة تغمرك هالة القدس الاسمى . ..

ويغرق كيانى فى حلم . . وتدنو من نفسى الحقيقة الكبرى فأجنو للرحمة الرحمة الكبرى . . . "

. . فيك ما فى هيكل من حمى ، ولكن لك شفاه . . شفاه أنثى ؟ أما أنا فيبس أعصابى يحتد ويرعش عينى فأسقط من قرارا البعد السحيق .. فمن انفاسك اللينة تشع فى عناصر جسمك حياة . أما أنا . . ؟"

" . . . ها قصتنا قد انتهت ! لا تصرخى ؟ لا تبتسمى ؟ بل اسبلي جفنيك ودعى محياك هادئا واسلمى أنفاسك تتذوق خشوع النهاية . . واذا ما عبرت أفق ذاتك أنسام ذكرى . . ذكرى عودة طائشة ، ازيحي عن عينيك خصيلات شعرك واتركيها تحلق فى الفضاء البعيد ، فى صور مطموسة ، متذبذبة . . دعيها ولا تنزعجى سترين أقصى ما يمكن أ يجنيه الشخص من حياة . . .

اشترك في نشرتنا البريدية