الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

عود بأدبنا الى ما قبل خمسين عاما، الشاعر العالم، الشيخ ابراهيم اسكوبى، ١٢٦٤-١٣٣١ ه

Share

ومن قصائده اللامعة " مديحيته " لصديقه الذي أسماه فى مقدمتها : (اخاه) الا وهو " سعد بن محسن الحيديرى المدني الحربى وقد أرسلها له من مكة الى المدينة فى سنة ١٣١٩ ه وهي :

الاهل بقى لى فى الهوى قدم تخطو              وفودى من وقع المشيب به وخط ؟

وعهدى به والليل مرخ سدوم                  على جانبه ، مثل ما انسدل المرط

فما فرحتى عاد يعدو، مشمراً                  جلابيبه ، والصبح من خلفه يسطو

وهل روع البيض الغوانى كعارض                تعرضه فجر من الشيب منعط ؟

فقدر الذى لاح المشيب برأسه                 لدى كل سودء الغدائر - منحط ؟

فما اعلق العين الظباء بوفرة                    منشرة الضفرين ماعا بها شمط

يتيه بها غض الشباب تدللا                     على كل من فى وحفها يسبح المشط

فقل لقرين الشيب ما أنت والتى                توفر فى ابهى الجمال لها القسط

ومد عليها الحسن فضل روائه                   وباهى نقي الدر من ثغرها سمط

واياك لا يغررك لين قوامها                       فان من القامات ما يذبت الخط

ممنعة من دونها البيض شرعا                      حذاء خباء طنبته القنا الملط

عقلية فرم لا يهدم حوضه         كريم ؛ ولا يرويه ، إلا دم عبط

أمن برت الايام نحض ضلوعه                    ومر عليه الجور في العمر والقسط

وقاوم اعباء الليالى بغارب                        صلى نية الترحال والشيل والحط

وما رست الايام منه مجربا                        فلم يطفه خصب ولم يرغه قحط

وجنب عن غى الشباب وأهله                   فلم تلوليتا منه قرط ولا علط

كمن ظل فى حفقى من العيش مترف            يشق عليه الرحل ما مسه ضغط

يبيت بعيد الهم عن كل همة                      بصاحبها فى شامخ المجد تشتط

مناة سماع للاغانى وقهوة                         معتقة من عهد سابورا سفنط

يرى دعوة الداعى الى الاكل مغنما              وإن تاب مكروه عن الجار يلتط ؟ !

فما تبتغى منى العذارى ولمتى            قد اشتملت شيبا كما اشتعل النفط (١)

وانى وإن طارت غرابيب لمتى            فمن أشهب البازى لها خلف غبط

وذا أدبى فى مرتع الفضل رائع           وذا قلمي في مربع الفضل يختط

وإن كنت ممن  أصلد الزند حظ        واورى بكف النكس ذى الحظوة السقط

فان زمان السوء احمق معجب          بكل اغم الوجه فى عقله خلط

ومن نكد الايام انى ارى العلا           بايدى رعاع لم يعينوا ولم ينطوا

ولم يبق من أهل المرؤة لى سوى         صديق كريم البجر فى كفه بسط

أخى همة وافى الاناة ضبارم             قدوم على فعل المنى عزمه سلط

سرى إذا ما فى المسلم هززته           هززت به العضب الذي ما نباقط

فان تصف لى ياسعد سعد بن محسن          رفيقاً فدع سعد العشيرة نقط

وان سلمت لى منك نفس كريمة               تساوى الرضا عندى عن الدهر والسخط

فملء يميني منك يملأ ناظرى                  سروراً دنت بى ام تباعدت الغبط

على ان لى ياسعد شوقا الى اللقا             واقلقني مابى من البعد يمتط

وكانت تقر العين منك رسائل                 فألثمها من قبل ان يقرأ الخط

تحل من السوداء منى فى الحشا               ومن مقلتي يخلو لها المنزل الوسط

فيا عجباً هل غيب الخط خطها              عن العين نسيانا ام اعوج بى الخط ؟

لعمرك لم يملأ من الناس مقلتي                سواك ولو امسى له الحل والربط

فحسبى منك الماجد الشهم من إذا           تعدى زمان فهو لى وحده رهط

فمثلك من يغنى جميل اخائه                  باخلاق سام ما تردى به هبط

ومن بك رام السبق حين تقارنت             هوادي العراب الجرد تم له الشرط

فديتك سباقاً الى كل غاية                    اذا مدت العلياء عنقاً به تعطو

وكم لك عندي من صنائع اعجزت          لكثرتها من ان يقوم بها ضبط

أجللك ان تصغى لواش مموه                 يحاول ان تسعى بسحر له . رقط

وما الناس الا أن تجرب اولا                  فان خانك المسرى فما ساءك الخبط

عداك الردى إني الذي من علمته          تطايرت الواشون عندى ام انحطوا

نل المجد ، واحرز ما تشاء من العلا        ودع حبل قلب الحاسد الوغد ينقط

ودونك بكراً ، زفها لك وانق              بودك في عقد المديح اتب تخطو

باوصافك الحسنا تتيه تحلياً                 ومن دونها زهر الكواكب تنحط

ودم غير مبقوص لابناء حيدر              ولى ياوحيداً كسبه المدح الفرط

ولا زال ناديك الرحيب مطالعاً             بطالع "سعد" منك تزهى به البسط

وبلغت في النجل السعيد ابى الســ          عود لا ترتجى لا يعترى عزكم كشط

وفي هذه القصيدة مميزات كثيرة يجعلها فى طليعة قصائد شاعرنا ، فاسلوبها

جزل مماسك رهين ، وكأنها صادرة من احد فحول الشعر العربي في عصره

الذهبى اللامع وشئ آخر هو هذه القافية (الطائية) الصعبة المراس التى التزمها الشاعر فلقد طوعها قلمه تطويعاً بيناً فى انسجامها وفي عدم تكرار الفاظها وقد وردت في القصيدة - تبعاً لعلو كعبها فى اللغة - الفاظ لغوية عويصة ، ولكنها ليست بالمتنافرة ولا الثقيلة الغريبة ؛ منها مثلا : " منعط . الوحف : بخض . برغه . ليتا . علط . اسفنط . يلتط . غبط . ينطوا . ضبارم . سلط . ينقط الغبط . يمتط . تعطوا "

اما إذا عدنا الى متن القصيدة لنحلله فاننا نجدها ثلاثية الموضوع ، لقد بدت بالغزل الرقيق كالعادة المالوفة ذلك العزل الذي يحمل فى ثناياه طابع الشاعر ووضعيته الخاصة ، وانسابت من الغزل الى المديح الصافي الرائع الصادر من اعماق نفس مخلصة وفية تحدوها عوامل الشوق والحنين الى معين الصداقة القديمة الخالصة من الشوائب يتخلل ذلك حكم وامثال جاشت بها تجاريبه الماضية والحاضرة فى الحياة والمجتمع . . وما اروع قوله فى الغزل :

ققدر الذي لاح المشيب برأسه            لدى كل سوداء الغدائر منحط

وقوله :

ممنعة من دونها البيض شرعا            حذاء خباء طنبته القنا الملط

وقوله:

فما تبتغي من العذارى ولممتى              قد اشتعلت شيباً كما اشتعل النقط

وما أبدع قوله فى شكوى تصاريف الايام

ومن نكد الايام انى أرى العلا              بايدى رعاع لم يعينوا ولم ينطوا !

وقوله :

فان زمان السوء أحمق معجب          بكل أغم الوجه فى عقله خلط

وقوله :

وما الناس إلا ان تجرب أولا       فان خانك المسرى فما ساءك الخبط

وما اجمل قوله فى المديح :

فان تصف لى يا "سعد" سعد بن محسن         رفيقاً فدع سعد العشيرة ينقط

وان سلمت لى منك نفس كريمة                 تساوى الرضا عندي عن الدهر والسخط

فملء يمينى منك يملاء ناظرى                   سروراً دنت بي أم تباعدت الغبط

لعمرك لم يملاء من الناس مقلتى                 سواك ولوامسى له الحل والربط

وكان " سعد " هذا وجيها فى المدينة ايام الدولة العثمانية وكان كريما وفيا مقصوداً كان المخرج الرسمى للدولة . فمن طريقة تورد الارزاق لجنودها المرتبطين فى المدينة وتصدرها ، وقد جر ذلك اليه ثراءاً طويلا عريضاً وما كان بالبخيل فى ماله وكان يتذوق الأدب ويكرم العلماء والأدباء في وقت كان اكرامهم يستنطق السنتهم بالثناء ويضفي على مكرمهم الوان التقدير وباقات الثناء العاطر من الناس ويبدو ان الممدوح كان معجبا جداً بالشاعر ابراهيم أسكوبي لمكانته فى قومه ومكانته العلمية والادبية ، ولشئ آخر هو خفة روحه ولكونه راوية واسع الاطلاع عذب الاحاديث محمود الروحات والحبيات ثم لمكانته كذلك لدى امير مكة ووجاهته لدى الدولة القائمة يومذاك ولهذا كله اصطفاه وجعله صديقا حميما ولابد انه كان يضفى عليه من بره ومن كرمه مايؤ كدعري هذا الود الاصيل وقد تأكدت أو اصره جداً وتوطدت دعائمه الى حد بعيد حتى سمعنا الشاعر الاسكوبي يقول :

فان تصف لى يا سعد سعد بن محسن       رفيقاً فدع سعد العشيرة ينقط

لعمرك لم يملأ من الناس مقلتي               سواك ولو امسى له الحل والربط

فحسبى منك الماجد الشهم من إذا          تعدى زمان فهو لى وحده رهط

ومن بك رام السبق حين تقارنت            هوادى العراب الجرد تم له الشرط

وكم لك عندى من صنائع اعجزت         لكثرتها من ان يقوم بها ضبط

ومن مميزات الشاعر الاسكوبي ان ديوان شعره " صورة مصغرة " لسجل حياته ووقائع عمره ؛ فانت اذا قلبت هذا الديوان ودرسته بأمعان تجلت لك صور حساسة موشاة من حياة الشيخ متسلسلة واضحة المعالم . . وعلى ذلك فقد

ضمن هذه القصيدة عتاباً رقيقاً الى صديقه الذي يبدو انه تأثر بوشاية واش حيال اطمئنانه الى بقاء صديقه القديم محافظاً على عهد الود القديم ، فلازاحة هذا الستار القائم على الوهم البغيض الخيالي خاطبه بقوله :

أجلك ان تصغى لواش مموه          يحاول ان تسعى بسحر له رقط

هذا وما امتع قوله فى الحكمة :

أمن برت الايام تحض ضلوعه                ومر عليه الجور فى العمر والقسط

وقاوم اعباء الليالي بغارب                    صلى نية الترحال والشيل والحط

وما رست الايام منه مجربا                    فلم يطغه خصب ولم يرغه قحط

وجنب من غي الشباب واهله               فلم يلو ليتا منه قرط . ولاعلط

كمن ظل فى خفض من العيش مترف       يشق عليه الرحل ما مسه ضغط

يبيت بعيد الهم عن كل همة                 بصاحبها فى شامخ المجد تشتط

هذا ولشاعرنا ميزة اخرى اكتشفناها من دراسة شعره فان له للفتات لماحة يسجل فيها احوال بيئته كلما تسنى له التسجيل ، ويرسم فيها ظلالا واضحة لمعالم حياة عصره مادق منها وماجل ، وما وضح وما خفي ، وما عظم وما تفه ، وما ثقل وزنه وما خف وزنه ، لا يبالى اى ذلك سجل ، فهمه الوحيد ان يرسم لهذا المجتمع الصاخب الرا كد الذى يعيش فيه الواحاً فنية خالدة ، تعطى للاجيال القادمة فكرة عامة صحيحة عن مظاهره ومخابره وقد رسم فى قصيدته هاته كاغلب قصائده - لوحا من هذه الالواح الرائعة لمجتمعه ؛ فارانا من كتب ان أكبرهم الكثير من ابناء الجيل اركدن الى الترف والراحة والخلود الى المتع الهنية من الدنيا ، اشتباع بظن واذن ؛ وصدوف عن مرابع العلا وفطان المجد ؛ وقد سجل لنا عناية ذلك الجيل بالترف والدعة فى صورة خاطفة وضعها بين ايدينا تمثل لنا حياة القوم فى الاصائل والبكر والامسيات في انديتهم الخاصة والعامة وفي مسامراتهم وفي سهراتهم قال

مناة سماع للاغاني وقهوة         معتقة من عهد سابورا سفنط

يرى دعوة الداعى الى الاكل مغنما وان ناب مكروه عن الجار يلتط

وقد اختتم قصيدته الحسناء بالدعاء للممدوح كدأبه فى جبل قصائده المديحية وهذه لازمة لا استحسنها وهي جنوح بالشعر الى ناحية "فقهية" ترمز بوعى أو  بغير وعي الى رضوخ الشاعر تقاليد العلماء والفقها والمتصوفين ولا استحسن صيغة " الشيل " والواردة في قوله .

وقاوم اعباء الليالى بغارب           صلى نية الترحال و"الشيل" والحظ

فالشيل هنا عامية وان كان لها اصل من الفصحى وقد شوهت جمال تركيب هذا البيت المنسجم القوى بعض الشئ على ما اراه .

ومن تقرير الواقع ان هذه القصيدة إذا وضعناهما فى " ميزان " النقد والمقارنة فاننا نجد قوة وتماسكا فى هيكلها سمى بها كثيراً عن شعر شعراء بجيل ناظمها فكانت محاولة طيبة منه لارتفاع بطائر الشعر الحجازي على قدر الامكان في عسر ساده الجمود وجلله الاعياء الفني اللازب ومع ان التوفيق حالف الشاعر في الهيكل فوثب بالقوالب الى مستوى رفيع بالنسبة لشعر زمنه الاننا نلاحظ على "الجوهري" إذا جردناه انه لم يرتفع كثيراً ولم يحلق بعيداً فالهداف عادية أو قريبة من العادية المألوفة وقد حلت القصيدة من الابتكار والتجديد من هذه الناحية فكلها صور واصداء للشعر القديم فى أسلوبه ومراميه ومناهج تفكيره .. وكفى الشاعر ذلك فخراً وبروزاً وتحليقا بالنظر الى العهد الذى عاش فيه وهو عهد ليس من شأنه ان يشرف الادب ولا ان يسمو بطائره الى أى مستوى رفيع أو قريب من الوفيع.

للبحث صلة

اشترك في نشرتنا البريدية