١٢٦٤-١٣٣١ ه ( الحلقة الخامسة
وليس الشيخ من اولئك العلماء النظامين المتزمتين ، إنه يعجبه البيان ممن كان وفى أى مكان كان ، فيضفي عليه برود التقدير والثناء ، وقد ساعدته على هذا الخلق السمح طبيعته الاجتماعية المتوثبة من فن الى فن . . وعلى هذه الوتيرة امتدح الشيخ سليمان البستاني اللبناني العربي المسيحي صاحب " الالياذة " و " دائرة المعارف " بمقطوعتين من اجود ما نظم ، لانهما عبرتا عن خلجات نفسه الحساسة الطروب لنغمات الأدب من أية قيثارة ارسلت . . وهو فى مقطوعتيه هاتين يواجه روح العصر التجديدية سافرة وجها لوجه ، فاما ان يعجب بها وتعجب به ، فيعقد بينهما قران ووداد دائمان ، واما ان يعزف عنها وتعرف عنه ، فيروح ويغدو فى اهاب الروح القديم ، مرتاح البال ، مرتاح الضمير مرتاح الأذن ، محفوظ الحاضرة والغياب . وقد آثر الشيخ التقرب الى روح الأدب الجديد فامتدح علما من اعلامه يمثل فى عصره كل التمثيل روح التحرر من أسر الجمود وقد اعلن الاسكوبى فى مقطوعتيه - اعتناقه لمبدأ التجديد ، وانضواءه تحت علم الأدب الحديث ، وخروجه على مذاهب الأدب القديم بهذه الصيحة المدوية التى سجلها فى مديحيته لسليمان البستانى حامل لواء دمج الأدب الغربى بالعربى فى زمانه . . ويتمثل لي العحب العجيب كل تذكرت كيف سلم الشيخ ابراهيم من لذعات النقد والتجريح فى دينه وعقيدته وهو
العالم المدرس - بعد ما اعتنق هذا المبدأ الحديث . فى الادب ، وبعدمامدح زعما من زعمائه وسلم له تسليما ، وأعلن انقياد جياد الأدب المجدى لأنامله وبنات أفكاره ، ممثلة فى تعريبه للالياذة ، وقد جاهر بهذا التقدير ، واشاد فى قصديته باسم " هوميروس " مؤلف الالياذة وهو يونانى ، انني لا اقضى العجب فى كيف سلم للشيخ ابراهيم الأسكوبى عرضه من لذعات معاصريه وقد سار على هذا الدرب الذي يرون فيه كل الالتواء وكل الخروج عن مقومات العقيدة الصحيحة والطريق القويم ؟ .
واليك المقطوعة الاولى : قال :
خلب اللب ما نظمت وأطرب واتى شرحه بما هو أطرب
لا تلمنى انى فتنت بتاليــــــــــــــــــــــــــــ فك والفضل عن مزاياه اعرب
إن يقل " هوميروس " شعرا عجيبا فلعمري تعريبه منك اعجب
هذه نفحة تحررية من نفحات الشعر الحديث تهب على شاعرنا فتنقله الى رياض الأدب الراقي المجيد
ان يقل هرميروس شعرا عجيبا فلعمرى تعريبه منك أعجب
أو اتى فى نسيجه بغريب فنسيج نسجته منه أغرب
كان عند " اليونان " معناه عذبا فنقلت المعنى لما هو اعذب
هل الى حكمة اشار لها الذكـــــــ رنظمت المقصود فى خير مطلب
كان يعزي لبابل السحر قدما ولك اليوم يا " سليمان " ينسب
ثم يلتفت الى الانتاج الأدبي الذي تفيض به المطابع آنذاك فينقده نقدا جريئا اذ يقول :
كما سمعنا من التآليف فى ذا ال وقت ما حق عن اولى الفضل يحجب
من كتاب مسطر فاض جهلا وعجيب به المؤلف معجب
ورأينا " معربات " اناس ذهبوا فى تنقيحها كل مذهب
ما ملا عين من تأمل ، شئ مال منها لما يرام ويطلب
سهل النفس واليراع عليهم فملوا صحفهم بجهل مركب
ويعود بعد ذلك إلى البستاني وانتاجه الرفيع فيجلوه على ضوء قولهم : " وبضدها تتميز الاشياء " فيقول :
فندبت الآداب تحت لواء لك بالحمد فى معاليك ينصب
ومزجت " اليونان " " بالعرب " شعرا فى كتاب عذب المقاصد معرب
فهو " البستان " الذى طاب غرسا يجتني منه ما يحب ويعجب
لو شققت اسمه من النسبة الغـــــــــــــ . . راء حقا بقدره كان أنسب
ويختتم قسم المديح من القصيدة ببيت فيه اريج من نفحات الشعر الحديث فى الاسلوب والمعنى حيث يقول :
راقني روحك البعيد المراقي ونحا بى اليك خلق مهذب
ويختتم القصيدة بالدعاء المعتاد فى ختام كل قصائدة ومقطوعاتة :
دام منك النفع العميم ودامت حكم عنك ما بقى الدهر تكتب
واهن واسلم واقبل ثناء محب وصل القول فى اغر محبب
وبعد فهل هذه " الاسكوبية البستانية " من نوع اختها " الاسكوبية الشوقية " بنت الحوافز الاجتماعية المتأثلة لدى الشاعر الحجازى ؟ أم انها من نوع آخر كان الباعث عليه صلة واقعية من صداقة ووداد بين الشاعر وممدوحه اللبناني ؟ ! لا ندرى أى ذلك كان ، غير اننا نعرف من خلائق صاحبنا ما يحملنا على ترجيح الفرض الثاني من الافتراضين ، اذ لوقوبلت مديحيته من الشاعر اللبنانى بمثل ما استقبلت به زميلتها من الشاعر . المصرى اذن لقذفه بمقطوعة استيائية اخرى شديدة اللهجة كتلك التى قذف بها شوقى بعدما استيقن اصراره على الصد عنه وعدم المبالاة بتقربه منه بالمديح والثناء
الذي يقرب بين الأدباء ذلك ان شعر الاسكوبى مرآة حياته ، وحياته مرآة شعره ، كلاهما يعمل عمله الظاهر والخفى فى الآخر ، وما تتأثر به حياة الاسكوبى من دقيق الامور ومن جليلها فان طريقه الى شعره مستقيم قريب ، وما تتأثر به شاعريته فان طريقه الى نفسه مستقيم قريب ، وعلى هذا فاننا نكاد نجزم بان ظروف هذه القصيدة البستانية مخالفة لظروف تلك ، وهى تدل مع زميلتها التالية من قريب او او من بعيد على أنه تلقى نسخة من " الالياذة " ونسخة من ( دائرة المعارف ) هدية من مؤلفهما اليه .
واليكم المقطوعة الثانية :
يا مفردا وصلت اقصى الدنا حكمة وأوطأته على هام السهى هممة
أيهات ( ١ ) يدرك شأو منك فى رجل رحب الجميل ، سبوقات به شيمه
أفضى بفضل عميم نفعه وقضى ان لا نظير له بين الورى قلمه
هذى تآليفه كالشمس طالعة فى كل فن ، منيرات به كلمه
والقارىء يلاحظ فى الابيات الاربعة المتقدمة انسجام الأسلوب ، ورقته وعذوبته ، وصفاؤه واشراقه ، فالاسكوبى حينما ازمع صوغ هذه القصيدة يعرف انه انما يستقبل بها حكيما من حكماء العرب وشعرائهم الواسعي الآفاق ، الضاربين فى كل فن ، ولذلك عني بصقل اسلوبها عناية ملموسة ، وعنى بجوهرها عناية محسوسة ، وافضل عناية بالشعر ما كان فى المطلع والمقطع ، ومطلع القصيدة وضاء فياض بجم التقدير ، وكذلك الشأن فى مقطعها على ما ستراه . .
اما بيت القصيدة فهو قوله :
باهي به الغرب اهل الشرق قاطبة واكرم الناس من باهت به أممه
( للموضوع بقايا )
