الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

عيسى الناعوري صديق اخر يرحل

Share

يوم الجمعة فى 1985/10/4 غيب الموت الصديق الدكتور عيسى الناعورى ، امين عام مجمع اللغة العربية الاردني ، وهو فى تونس للمشاركة فى ندوة اقامتها مجلة " الفكر " ويوم الثلاثاء فى 1985/10/8 نقل جثمانه الى عمان ودفن فى احتفال كبير . وقد أرسل أصدقاؤه الكثيرون المنتشرون فى كل مكان عشرات البرقيات معزين بوفاته المفاجئة اثر نوبة قلبية ، وبعضهم حضر شخصيا لوداع هذا الاديب الكبير الذي ترك موته - وهو فى قمة العطاء وأوج النشاط - حسرة لا تنطفئ ، ولوعة لا يخمد لها اوار ، لما كان يتمتع به من مودة صادقة ، ومحبة صافية ، وسيرة نقية ، وخلال كريمة ، وتفان في خدمه الآخرين .

لا أذكر التاريخ الدقيق الذي بدأت فيه صداقتي للدكتور الناعورى ، ولكنها على أرجح الظنون بدأت في السبعينات بالمراسلة ، ثم توثقت بالقاءات المتكررة في كل من عمان ودمشق ، دمشق التى كان يحبها حبا ولا أصدق وكان لها فى نفسه منزلة خاصة ، لانها تحتضن طائفة من ذكرياته الحميمة على ضفاف بردى وفي دمر ، مع نخبة من ادبائها وشعرائها ، مند مؤتمر الادباء العرب الثاني في بلودان عام 1956 ، أذكر منهم على سبيل المثال مدحة عكاش ، سعد صائب ، عزيزة هارون ، فاضل السباعي ، الياس سعد غالي ، يوسف عبد الاحد ، ميخائيل بلدى ، ميخائيل عيد ، د . عبد السلام العجيلي ، د . عدنان الخطيب ، د . شاكر الفحام ، حسان الكاتب ، عدنان مردم بك ، مهاة فرح الخورى ، كوليت خورى ، ألفة الادلبى ، وجيه الخورى عبد الله بوركي حلاق ، سلمى الحفار الكزبري ، على عقله عرسان . .

كنت أتلقى منه رسالة كل أسبوع تقريبا ، وكنت اشعر اننى لا استطيع اللحاق به فى سرعة الرد ، فأية رسالة تصله منى ، أو من سواى ، لا يتأخر فى الاجابة عنها أكثر من ثلاثة أيام ، ولذلك بلغت رسائله الى حوالى مئتي رسالة ، علما بأننى واحد من عشرات الاصدقاء الذين يراسلهم في الشرق والغرب

كان - رحمه الله - عدة رجال في رجل واحد ، يكتب ويقرأ ويؤلف ويترجم ويسافر ويحاضر ويشترك فى المؤتمرات والندوات والاجتماعات الادبية ويخوض المعارك الادبية منفردا بجرأة بالغة ، يصل ليلة بنهاره ونهاره بليلة ولا يستسلم للراحة اطلاقا ، كأنه كان يريد أن يختصر الزمن ، ويقول كل ما عنده للناس ، قبل أن يشهر الموت سيفه عليه ، حتى بلغت كتبه المؤلفة والمترجمة من شعر ورواية وقصة قصيرة ومقالة ونقد ادبي ودراسة وسيرة ذاتية وأب أطفال سبعة وخمسين كتابا ، ورغم أنه أصيب بنوبة قلبية من قبل ، وأجريت له جراحة فى القلب ، فانه ظل يتابع مسيرته ، ويواصل عطاءه الادبى والفكرى بلا انقطاع ، وظل يصعد السلالم ، ويركب السيارات والطائرات ، غير مبال بما يتهدده من أخطار ، حتى توقف قلبه الكبير عن الخفقان ، قبل أن يتجاوز السابعة والستين

كانت أعمال مجمع اللغة العربية الاردني تقع كلها على عاتقه ، ومع ذلك يؤديها باخلاص وينهض بأعبائها الثقيلة دون تذمر ، ولا سيما حين يعقد المجمع دورته فى ايلول من كل عام ، كما يتابع شؤون مجلة المجمع ، وينظر فى موضوعاتها ويصححها ثم يعمد بعد ذلك الى السفر خارج الاردن ،لا ليرتاح وينعم بجمالات الدنيا ، بل ليتصل بالادباء ، ويكتب عن رحلاته وجولاته ولقاءاته الادبية ، وهذا ما فعله فى رحلاته الى كل من : اسبانيا وايطاليا ، وبلغاريا ، وأميركا ، والاتحاد السوفياتي ، والهند ، والمجر وفرنسا ، وبريطانيا ، وبانكوك وباقي دول الشرق الاقصى .

كان كلما زار بلدا بعث لى بالبطاقات الجميلة ، وراح يحدثني بإختصار عن مشاهداته وعن الاشياء الغريبة التى لفتت انتباههه ، وأثارت اعجابة ، وقد أغنت هذه الرحلات المتعددة - وكان مغرما بالسفر الى حد بعيد كتاباته وأمدته بفيض من الانطباعات والمعلومات والذكريات . كان جواب آفاق ،لا يقر له قرار ، كأنه كان يدرك في قرارة نفسه أن الحياة قصيرة ، وانه اذا لم يسابق الزمن سبقه ، وطواه الموت قبل أن يقول كلمته ، ويبوح يمكنوناته ،

ويفضي بكل ما تزخر به نفسه من أشياء مكنوزة . كان يعتقد أن الانسان يجب ان يعيش مئة عام على الاقل ليستطيع ان يعطى على أكمل وجه

لقد مات الدكتور الناعورى وفى نفسه أشياء لم يقلها ، وكلمات لم يسطرها ، وأفكار لم يعبر عنها . مات بعد أن رفد المكتبة العربية بسبعا وخمسين كتابا مطبوعا ، أما الآثار المخطوطة والمذكرات والرسائل والمقالات التى لم يتح له أن يجمعها ، فلا أبالغ اذا قلت : إنها تعادل ما طبع ، ان لم تفقه كمية .

يكفيه عطاء أنه ألف كتاب " أدب المهجر " الذي قررت تدريسه معظم الجامعات فى الوطن العربي ، وطبع فى دار المعارف بمصر أربع طبعات منذ عام 1959، وبعد هذا الكتاب الضخم موسوعة أدبية وافية لا نظير لها الا موسوعة " أدبنا وأدباءنا فى المهاجر الاميركية " للشاعر المرحوم جورج صيدح ، ولعله فاق صيدحا فى التوسع والشمول والاسهاب فى دراسة نتاج أدباء المهجر دراسة مستفيضة

يكفيه عطاء أنه نقل الينا روائع الادب الايطالى الذى كان مجهولا بالنسبة للقارئ العربى فلولاه لما عرفنا جوزيبي او نغاريتي ، وأوجينو مونتالى وسلفاتوره كوازيودو ، وديبيغو فاليرى ، وأومبرتو سابا وايلزا مورانته ، وغيرهم من الشعراء . ولا جوزاف فانشولى ونيللو سايتو والبرتومورافيا ولويجى بيرانديللو وغيرهم - وكانت تربطه بمعظمهم صداقات شخصية . ولا عرفنا رواية " الفهد " لجوزيني تومازى لامبيدوزا ، ورواية " الرجال والرفض " لايليو فيتورينى ، ورواية " فونتمارا " لسيلونه ، ولذلك قال فيه المستعرب الايطالى فرنشيسكو غبرييلي انه من أعظم المشتغلين بالثقافة الايطالية بين العرب اليوم ، ومن اقدر مترجمي الشعر والنثر الايطاليين المعاصرين : من فيرفا الى لامبيدوزا وكوازيمودو "

لم يتوقف الناعورى عند الترجمة عن الايطالية ، بل ترجم عن الانكليزية ايضا ، وكانت هاتان اللغتان نافذتيه اللتين اطل منهما على الكثير من آداب الشعوب ، فكتب عن : ايليوت ، وديكنز ، وأوسكار وايلد ، وسمرست موم واندريه جيد ، وبودلير ، وديستويفسكى ، ونيرودا ، وجول رومان وشاندور بيتوفى ، وغاراي غابور ، وميكلوش ردنوشى . وغيرهم

لقد أتاح له اتقانه اللغتين الايطالية - التى درسها صغيرا فى دير الملاتين - والانكليزية - التى درسها على نفسه - أن يكثر من الترجمة ، ويبحر فيها شرقا وغربا ، وساعده في ذلك قلم سيال ، ودأب متواصل ، وسرعة خاطر ، ولغة مطواع ، وموهبة فطرية ، فكأنه ولد ليكون أديبا ، ناهيك عن رهافة الاحساس ، وسلامة الذوق ، والقدرة الفائقة على التمييز والنقد والحكم

كان جريئا فى قول كلمته ، وطنيا فى عقيدته ، لا يحابى ، ولا يداهن ولا يرائى . يتعصب لما يحب أو يكره الى حد الصلابة . يعجب بنزار قباني ويدافع عن هذا الاعجاب بحرارة واصرار ، لانه - فى رأيه - صريح فى التعبير عن تجاربه وأحاسيسه ، صادق مع نفسه ، واضح فى كل ما يقول ، ويكره المذاهب الشعرية الجديدة عن ادبنا كالسيريالية ، والرمزية ، والدادية التي زادت شعرنا تعقيدا ، وألقت به فى غياهب التعمية والابهام

اشترك في نشرتنا البريدية