الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

عيون حزينة في قطار

Share

ضاقت المحطة بمن فيها . . . تزاحمت الحقائب . . تكدست كنصب الاضرحة . ترددت الاصوات واختلف الكلام . . . علا صياح الباعة . . . باعة اللمج والمشروبات المتنقلة . . . طال الانتظار ونظر المسافرون المرار العديدة فى ساعاتهم لكن الوقت كان يكبو رويدا رويدا كمسافر عجوز على طريق وعرة . . . ثمة ملل وهناك ضجر . . . يبرز بائع من نوع آخر . . . إنه يحمل حزمة من الورق الخفيف . . . لن يسأل أحد عما يحمل هذا البائع ما دام قد اعتاد رؤية أمثاله . . .

ظل يقفز وينادى : العمل - الصباح - لابراس - لموند . . .

تهافت عليه بعض الشباب . . . الانباء مهمة هذه الايام :

(( السادات يتحول الى اسرائيل ويخطب فى الكنيسات . . . احتجاج بعض المسؤولين العرب على موقف السادات . . . ماذا عن ندوة جوتاف القادمة ؟ . . . الأمر بمنتهى الأهمية ! . . .

(( كل شئ له أهمية إلا حياتى أليس كذلك ؟ )) هذا ما خامر نفس تساهيل الواقفه فى الزحام . . . لا شئ يميزها عن البقية إلا تلك العيون الهادئة وذلك الصمت المخيم . . . بأية حال ليست محل نظر ولا موقع حديث . . . وفجأة اهتزت الاعناق فتسلل الاطفال وأسرع المسافرون . . . ما الذى غيرهم ؟ . . . جرى كلهم نحو القطار كخروف يسعى لملاقاة أمه . . . وسرعة ابتلعهم وحقائبهم . . . احتلت تساهيل مقعدا وجلست كعادتها فى هدوء . . . ما الذى تراه ؟

. . . أماكن شاغرة ومحتلة فى نفس الوقت . . . هل كل الركاب أقارب حتى يستحوذوا على المقاعد ؟ واذا كانوا أقارب فهل حكم الوراثة يطبق حتى على مقاعد القطار ؟ . . . أمعنت فى التفكير . . . لماذا تطالعها مثل هذه الاسئلة ؟ لماذا تتحامل على هؤلاء ؟ أليس لعدم وجود قريب معها ؟ . . . صحيح ليس معها انسان تعرفه . . . كل أقاربها ساهون عن مرافقتها . . . بعيدون عن الطيبة . . . يكفى أنهم أسموها تساهيل . . .

هل صحيح أنها ستوفق فى أعمالها لمجرد أنها تدعى بهذا الاسم ؟ . .

قالوا لها اقبلى الامور كما هى . . . كما هى وعلى وعلى الله التساهيل . . . ضحكت عند هذا المعنى ونادت فى داخلها : (( أماه ! بنتك مغلوبة )) . وتلت ضحكتها ابتسامة ظاهرة ولكنها عابرة وتحركت شفتاها لتعلنا بصوت خافت : (( لكن بحكم العادة )) .

القطار غاص بالناس وتساهيل تعيش وحدها . . . ذكراها البائسة لا تدعها تعيش داخل هذه المجموعة الصاخبة المتضاربة الآراء والاتجاهات . . . آلامها الدفينة تحرم عليها كل شئ حتى الكلام . ما الذى فرض عليها هذا الحزن الدائم ؟ من الذى سلط على عينيها هذا الخمود المستمر ؟ . . القطار يجرى ويسرع . . . يجرى ليقف فى محطة جديدة ، ليصل فى الوقت المعين . . . أما تساهيل فانها تسرح ناظريها فى الخلاء . . . إنها لا تتأمله ، وأى معلومات ستحصل عليها لو فعلت ذلك ؟ . . تعرف جيدا أن ثمة مدنا وقرى ، أن هناك بقاعا قاحلة وأخرى غناء ، انه يوجد أناس يغلب عليهم المجون وآخرون فى بساطة وخصاصة . . . إنها تثبت كل ما تتوقعه فلا داعى إذن للتأمل . . . تأملى نفسك يا تساهيل وانسى جراحك . . . ليتها تستطيع أن تئد أفكارها . . . لن تبكيها أبدا . . . لكن إن لم تبك الماضى فستندب الآتى . . . واثقة أن مستقبلها يغص بآلاف الليالى الموحشة وأن طريقها وحل وأن الابواب التى ستطرقها قد اغلقت بقوة . . .

اجتاز القطار جسرا فحدث دوى هائل . . . أطبقت عينيها فتطايرت أفكارها . . . ذهبت فلتذهب ليست أكثر خلودا من الحضارات . . . نظرت فى ساعتها . . . الزمن يهزا بها . . . لقد ترك آثاره على جلدها . . . لن ترحمه لو وقع فى قبضتها . . . ضحكت ساخرة من نفسها عند هذا المعنى . . . تعحبت من موقفها إزاء ذاتها . . . أهى أيضا تعرف القساوة ؟ . . .

استردت شجاعتها لكن عبثا فالمأساة ليست هناك . . . تساهيل كل قضاياها خاسرة حتى الموت . . . القدر يسلبها كل شئ فى وضح النهار . . .

. . . اختطف أباها - أعز الناس لديها - من أمامها . لطالما آلها منظره وهو يصارع الموت ويجهش بالبكاء . . . رمى بأمها فى أحد المستشفيات ولا أمل لها فى شفائها . . . قدرها صفعها أمتارا وها هى تراه رابضا بين الأزقة المظلمة كقاطع الطريق . . . قدرها أسود لا يسكن إلا الظلام . . . إقامته فى النور والضياء يثير غضب البيض عليه . . . إنه لعلى صواب إذ اختار لنفسه مثل هذه الاماكن . . . قد راعى مصلحته لكن يا تساهيل لن يراعى فيك شيئا ما دام حزنك طويلا كشجر الحور . . . ما دامت حياتك غبراء كساحات الاعدام . . . من يوليها اهتمامه ؟ . . . تذكر أنها أجلسته على منديل أبيض كالأرز يوم صادفها على الرصيف . . . أحضرت له ملف دموعها ورقم خدها وطلب الاسترحام .. . أنف آنذاك من مجادلتها . . . قال لها : (( راجعينى غدا فى مكتبى القائم بين العوسج والصخور )) . . .

أقول أنف واستنكف إلا أنه طمع فى منديلها فشوهه وألقى به فى الوحل ثم عبر بسرعة كالمدين أمام حانوت دائنه . . . أطرقت فى الارصفة وبكت . . .

كيف لا تبكى ؟ كيف لا تحمل وحدها حزن الأبدية ؟ . . . ماذا بين الصخور والعوسج ؟ . . . آه ! كم تتمنى لو تكون محمومة فى قرية بعيدة . . . لم تعد تبالى . . . مستقبلها فى قبرها . . . لاحت لها من بعيد معالم العاصمة فبعثت بكل ما خامرها فى تهيدة طويلة . . . أين تذهب آهاتها ؟ . . . قد تتجمع فى السماء فلتنتظر بكاء السماء . . . فلتترقب فاعلية اسمها . . .

وصل القطار وتأهب المسافرون للنزول . . . ولاول مرة تلتفت لمن شاركها المقعد وهو شاب فى مقتبل العمر كان يتحفز التفاتتها ليلقى على سماعها :

لا يعرف الشوق إلا من يكابده         ولا الصبابة إلا من يعانيها

. . . ضحكت عند حد قوله إذ لمحت مرماه ووجهت له : (( اعتذر الامر ابعد من هذا )) . . . حملت حقيبتها ونزلت الشارع حيث تنتظرها مآس جديدة . . . فليس من عادة مآسيها أن تأتى صدفة . . . لن ترتبك عند التعرض لها فهى تعرف من زمان أن غيمة سوداء قد سقطت فوق ربيعها . . . ستهرع لها كالعاشق فى موعده الاول . . . ستنتظرها لو تأخرت هذه المرة . . . كل ما تريده أن تصل بأقصى سرعة الى مستقبلها لكن جل ما تخشاه أن يطول عمر الشقاء . . . أن تجد نفسها ذات ليلة فوق جسر متداع لا تصله حتى الغربان . . .

اشترك في نشرتنا البريدية