المنظر - غرفة جلوس مريحة بمنزل تحيط به مزرعة جميلة ، على يمين المسرح يوجد موقد به نار مشتعلة والى جانبها مقعد ذو ذراعين تجلس عليه السيدة " برودنس " تستند بمرفقها الى طاولة عليها مصباح مشتعل ، عليه باجورة خضراء ، وعلى اليمين يقع باب يؤدى الى الغرف الأخرى من المنزل كما يقع بالجانب باب يؤدى الى الخارج ، وفى وسط الغرفة توجد طاولة كبرى عليها ايضا مصباح مشتعل ، ويسبح مؤخر المسرح فى شبه ظلام ، وعلى مقربة من الباب المؤدى الى الخارج توجد نافذة ارخيت ستائرها . الوقت حوالى الواحدة من صباح عيد الميلاد ، ويبدو عند ازاحة الستار رجل متقدم فى السن وقد فرغ من قفل الباب الخارجي كما لو كان يقفله عند خروج أحد من البيت ، يلبس لباسا يغطي بعض اجزاء جسمه ويحمل بيده مصباحا مشتعلا .
برودنس - حسنا ماذا قال لك ؟ الرجل العجوز - لم يقل شيئا لقد ذهب ، ما دام في هذا راحة لك . . .
برودنس - فى ذلك راحة لى من دون شك ، لانني لا أريد أحد يطرق على الباب فى هذه الساعة المتأخرة من الليل
الرجل العجوز - في مكنتك ان تنظرى اليه من النافذة ، انه ينتفض من البرد حتى لقد كنت اسمع اسنانه وهى تصطك فى بعضها . .
برودنس - هل يمكنك أن تصفه لى
الرجل العجوز - شاب صغير السن معروق الوجه له لحية صفراء ، واسع العينين
برودنس - حسنا . . اذهب الى فراشك ياعم
العجوز - كلتا يديه مضمدتان ، حتى لقد رأيت عليهما آثار الدم .
برودنس - وماذا أيضا . . لسنا على استعداد لاطعام كل متسول يأتى الينا . . !
العجوز - يطل من النافذة - انه ما زال ظاهرا لم يغب بمفترق الطريق ، واستطيع أن أناديه اذا أردت . .
برودنس - أقول لك ارجع الى فراشك ، ودعنى أقرأ قليلا ، الى ان يعود - بيتر - . .
العجوز - ) وهو فى طريقه الى الباب ( لقد جعلتينى أفكر فيه يا برودنس . . نعم عدت افكر فيه من جديد . . .
برودنس - كفى . . . اذهب الى فراشك ودعك من الكلام .
العجوز - نعم . . نعم . . سافعل . . ولكن . . .
برودنس - أراك لا تزال تتكلم كأنك لا تفهم ما اقول لك . . .
العجوز - ولكن ماذا لو فتحت فمى الآن واخبرتك بما لا زلت أذكره تماما حتى هذه اللحظة ، ألا أكون بذلك قد فعلت معك معروفا أشكر عليه . .
برودنس - لن يصدقك احد مهما قلت . . العجوز - لن أريد أو أطلب من أحد ان
يصدقني ، ما دمتما ، انت وبيتر ، تتجاهلان ذلك ، فليس من اللياقة أن اتكلم ضد احد من اقربائى
برودنس - لم يحدث شىء بهذه الغرفة . . العجوز - هل يمكن أن انسى الثلاثين ورقة فئة المائة دولار التى عدت أمامي على هذه المنضدة ؟ !
برودنس - قلت لك اذهب الى فراشك . . العجوز - انني ذاهب . . ذاهب ولكن مما يسرنى على الاقل أن أرى من يفعل ذلك أن لا يبخل بكسرة من الخبز على المحتاجين فى يوم عيد كهذا ، لما فى ذلك ، كما تعلمين ، من مزيد الثواب والاجر
يخرج العجوز من الغرفة ، وتسير برودنس وتغلق الباب خلفه ، ثم تنصت لحظة ثم تطفئ المصباح وتضعه على الطاولة الكبيرة بوسط الغرفة وترجع الى مقعدها بجانب النار تقلب في صفحات الكتاب الذي بيدها ، وتضعه مقلوبا على ركبتها ثم تضع يدها على عينيها ) يبدو المسرح حينئذ مظلما تقريبا الا من الضوء المنبعث من المصباح الذي على الطاولة الصغيرة ومن النار الضئيلة التى بالموقد ، يفتح عابر السبيل الباب ويدخل الى الغرفة . تتحرك برودنس قليلا ويسقط الكتاب من يدها على الارض فتصحو من غفوتها على سقوطه ، وتجلس وهي تنصت ، يغلق عابر السبيل الباب ويحكم رتاجه من الداخل (
برودنس - لقد تأخرت كثيرا الليلة . . الزائر - نعم . . أظن ذلك . يهز الباب ليتأكد من اغلاقه . .
برودنس - كفى جلبة ، مالك وما للباب ، أتريد ان يأتي العم على صوت الباب فيمعن فى ازعاجنا . . .
الزائر - أردت أن أتأكد منه تماما . . برودنس - ما لصوتك متغير هكذا . . .
الزائر - لقد التصق الضباب المتراكم على النهر بحلقي ف . .
برودنس - ) تنهض ( قرب نفسك مني . . دعني أراك فلم اسمعك قط تتحدث بمثل هذا الصوت من قبل
الزائر - ) يتقدم على نور المصباح حقا . . فلم يسبق ان تحدثت اليك بهذا الصوت .
برودنس - يا حفيظ . . لقد ظننت أنك زوجي . .
الزائر - ) يتقدم خطوة اليها ( . . هذا ما فهمت عند استقبالك لى . .
برودنس - ابعد عني والا صرخت . . ماذا تريد ؟ . . من تكون انت . .
الزائر - ما الفائدة من اخبارك بذلك ؟ برودنس - قف بعيدا والا صرخت وجمعت عليك الخدم ، من أنت وماذا تريد ؟
الزائر - انك امرأة شجاعة ، أراك لا تخافين منى . . !
برودنس - لا غرو فى ذلك وزوجى يتركني وحيدة اكثر من نصيف ليالي العام ، والمتسولون يترددون على بابى كالفئران طوال النهار والليل . . .
الزائر - انك تتكلمين كلاما حسنا ، ولك صوت حنون مؤثر كالرياح الباردة فى ليالى الشتاء ، لقد كنت اتوقع ان تدعونى للجلوس الى جانب النار وتقدمين الى شيئا ساخنا فى هذا البرد القارس ولكنك . .
برودنس - ليس لك على الا ان اخرجك من الباب الذي دخلت منه ، واسلط عليك كلبى ينهش ساقيك
الزائر - يا لها من ضيافة ظريفة في فى يوم عيد كهذا اليوم . . !
برودنس - من انت ؟ ! الزائر - اسمى غبار الطريق يا سيدتي - رجل ككل الرجال . . .
برودنس - يبدو لى من نظراتك انك احد المتشردين ، بل شى آخر اسوأ من ذلك . .
الزائر - متشرد . . هل تسمين من يخرج لتسلق الجبال وتنسم الهواء النقي للترويح عن النفس بهذا الاسم ؟ ! هل تعديني انا مثل من يتسكعون من بيت لاخر ومن مكان الى مكان فى طلب فتات الموائد وفضلات الطعام ؟ ! الحقيقة اننى لست من اولئك ولا هؤلاء ، اننى كأسمى لا اكثر ولا اقل
برودنس - مهما يكن الاسم الذي نسمى به نفسك ، فلا طريق لك على الدخول والبقاء بمنزل رجل محترم فى منتصف الليل . .
الزائر - ) يخرج غليونا من جيبه ويملؤه بالطباق ( هل تتوقعين ان يصل زوجك قريبا ؟ !
برودنس - من المتوقع ان يأتى الان فى اى لحظة فاذا كنت تفكر فى السرقة فخير لك ان تعجل وان كان لا يوجد لدينا الكثير من المال
الزائر - ) يشعل غليونه ويجلس على طرف الطاولة الكبيرة ( ارى ان تبعدى يدك عن الحلية التي في عنقك . وتمسكى عن الملاعق والاشواك الفضية ، فانا شخصية غير محترمة . . متصيد ليل ، خائن للصداقة ، لا املك شيئا مما تسمونه بالذوق السليم ، انني ممن ياكلون عيشك ويقبلون يديك ويقومون ضدك بعد ذلك بفعل قدر لا يليق بما اسديت لهم من معروف . . نعم لست من اولئك في شئ لان لى قصدا آخر . . نعم فلم آت الى هنا كي ازعجك . .
برودنس - حسنا ولكن ماذا يقول زوجي عندما يشتم رائحة الطباق ؟
الزائر انني في انتظار ان اقابله بنفسى عندما يعود
برودنس - هل تريد ان يحطم رأسك على جرأتك هذه واقتحامك الى منزله فى غيابه ؟ !
الزائر - نعم سأقابله و ليكن ما يكون . . برودنس - انك تتعب نفسك بالجلوس هكذا وهز ساقيك . . .
الزائر - اننى افكر فى نفس الوقت فى ماذا اريد ان اقول لك . .
برودنس - انك لن تجد فرصة للتفكير اذا ما اتى وانهال على رأسك ضربا بقبضته الحديدية
الزائر - ) فى برود وبصوت منخفض حاد ( قولى لى لماذا ابعدت ذلك المتسول قبل هنيهة يا برودنت استيل ؟
برودنس - ارى انك تعرف اسمى ايضا ؟ الزائر - نعم . . ولكنه اسم به دليل على القسوة والظلم ، كما ان معاملتك وكلامك ونظرتك الى ذلك الرجل الفقير ظلم وقسوة ايضا يا عزيزتى . . . !
برودنس - لقد اجحفت كثيرا فى حقى يا سيد . .
الزائر - لماذا طردت ذلك الرجل الفقير ؟ برودنس - طردت من عن بيتي ؛ الزائر - الرجل الاعرج صاحب اليدين والرجلين الجريحة الذى طرق بابك منذ لحظات ؟ !
برودنس - ما شأنك بذلك ؟ ! لقد كنت واقفا فى الطريق ورأيته وهو يطرق الباب ورأيت الباب يفتح قليلا ثم يغلق فى وجهه مرة اخرى ورأيته وهو يبتعد من هنا كما رأيته وهو يبتعد عن كثير من البيوت الاخرى . . . !
برودنس - لا بد انه من احدا صدقائك الزائر - لقد كان قديما صديقا لى اما الان فهو صاحب دين باهظ . . .
برودنس - يبدو انه سيواجه صعوبات جمة فى تحصيل نقوده
الزائر - من السهل . . والسهل جدا تحصيل النقود فى بعض الاحيان ، ويمكنك الآن إذا أردت أن تحصلى على بعض النقود من جيوبى - يهز جيوبه فتسمع رنين النقود -
برودنس - حسنا . . ادفع اليه اذن بعض النقود وارحه من التعب والنصب الذى يقاسيه وازعاج الناس والتسكع على الابواب . .
الزائر - ليس المرء مسئولا دائما بدفع ديون الآخرين ، كما انه من الصعوبة تحصيلها فى بعض الاحيان كما تقولين لم يجمعنى به طريق واحد الا هذا اليوم من السنة وقد سرت فى أثره والنقود فى يدى حتى التقيت به منذ قليل على باب منزلك وقدمتها اليه فأدار وجهه عنى . هل تريدين أن أريك النقود ؟ يمد يده فى جيبه ويخرج يده بالنقود - ها هى ذى النقود ثلاثون ، قطعة فضية من النقود المسكوكة فى أورشليم - يضئ وجهه حينئذ بضوء أزرق خفيف وأخذ فى الزيادة بالمضى فى التمثيل - .
برودنس - تنظر فى ذهول الى النقود - انك تخيفنى . . ما هذه البقع التى عليك ؟ !
الزائر - دم يا عزيزتى . . انها نقود دموية
برودنس - دم من هذا ؟ ! الزائر - انه من دم الرجل الذى طرق بابك قبل لحظات
برودنس - ماذا كان يريد ؟ الزائر - لقد اتى ليعطي لا ليأخذ . . برودنس - اى متسول هذا الذي يجوب البلاد طولا وعرضا لينفق لا ليستجدى ؟ !
الزائر - نعم ايتها السيدة برودنس استيل ، اى متسول هذا الذى ينتقل من
مكان الى مكان ليعطي لا ليأخذ انها معضلة اطلب اليك تفسيرها . .
برودنس - اظن ان لديك شيئا تريد أن تعطيني اياه الآن ؟
الزائر - نعم لدى شئ اريد أن أعطيه لك ولكننى لا اظنك تقبلينه مني ؟ !
برودنس - هه . . تكلم ماذا . . نصيحة على ما اظن فهى ارخص شىء اعرفه . . ؟
الزائر - اجلسى - تجلس برودنس - ان الباب الذى طرقه الرجل المضمد اليدين والرجلين سيعود فيطرقه مرة اخرى كلما ابعد عنه ، افتحى له الباب وسأقف انا فى الخارج ارقب فى اغتباط ما ارى ، انني حقيقة رجل غريب الاطوار لا اظنك فهمت ما اقول ٠٠ ؟ !
برودنس - كلا . . . الزائر - لا بأس . . لقد اردت أن أقول إذا قرع ذلك الرجل الباب مرة اخرى فدعيه يدخل . .
برودنس - ماذا تقصد . . الزائر - قلت لك دعيه يدخل واكسبى اجره . .
- يسمع وقع خطوات فى الخارج ، والباب وهو يهتز -
بيتر - من الخارج - هيا افتحى الباب . . . برودنس تيقظى وافتحى لى الباب ! .
برودنس - تمر بيديها على عينيها فى فزع - هذا هو بيتر . . زوجى قد اتى
الزائر - افتحى له الباب - تهرع برودنس الى الباب وتفتحه ، يدخل بيتر فتتعلق به فى عصبية ، يبقى الزائر مكانه من الطاولة الكبيرة ويتلاشى ويختفى الضوء من وجهه -
برودنس - بيتر . . بيتر . . . الحقني يا بيتر . .
بيتر - ماذا جرى لك . . . دعى يدى يا امرأة . . هل تريدين ان تنشبى اظفارك
فى معطفى وتنزعينه عني
برودنس - اخرجه من هنا . . ابعده من هذا المكان . . انه يفزعنى . . . يخيفنى . . .
بيتر - ابعدى يديك عني . . برودنس - اخرجه من هنا . . . بيتر - أخرج من من هنا ٠٠ ؟ ! برودنس - ذلك الرجل . . . ذلك الرجل الجالس هناك . . .
بيتر - اى رجل . . . ؟ ! برودنس - لقد دخل هنا بدون ان يقرع الباب ، لقد ظننته انت في أول الامر . . . يا له من رجل مخيف . . . مجنون . . . انظر الى عينيه . . اخرجه حالا من هنا . .
بيتر - اذهبى لشأنك لا تكونى حمقاء . . لا يوجد احد هنا . .
برودنس - هناك . . كان واقفا الى جانب الطاولة ، تلك الطاولة . . . لقد ذهب . . . لا بد انه بمكان ما بهذه الغرفة . . - يتجولان معا بأرجاء الغرفة ولكن لا يجدان احدا . . لقد ابتلعه الظلام
بيتر - لا بد انك كنت نائمة ورأيت حلما مزعجا ما زلت متأثرة به ، ما كان عليك ان تنتظرينى الى هذا الوقت ، لم يكن احد هنا مطلقا . . أنت واهمة . .
برودنس - استطيع ان اقسم لك بالله وبكل من تريد انه كان هنا . . .
بيتر - فى خشونة . . لا تحلفي لى بأحد ، اذهبي الى فراشك . .
برودنس - أين كنت . . ؟ ! بيتر - كنت فى المعبد وقد حضرت جلسة دينية هناك ، ثم توجهت متمهلا الى هنا .
برودنس - هل قررت ما علينا ان نعمله ؟
بيتر - اذهبى الي فراشك ودعيني افكر وسأخبرك في الصباح عما تريدين . .
تتوجه برودنس نحو الباب فيستدعيها بيتر -
برودنس - اسمعي . . عليك أن تلتزمى الصمت ، وان تظلى كذلك دائما .
برودنس - نعم - تستدير كأنما تريد أن تقول شيئا -
بيتر - اخرجى من هنا ودعيني بمفردى - يجلس على الكرسى الى جانب الموقد ويضع وجهه فى يديه ، تخرج برودنس ويبدو الزائر على الاثر -
الزائر - حسنا يا بيتر استيل . . هل من السهل عليك ان تحلف كذبا وتسرق فى صباح يوم العيد المبارك ؟ !
ببتر - بالله . . ! من هذا الذى يخاطبني
الزائر - شخص مذنب اكثر منك . . . بيتر - ينهض - لقد رأيتك الآن ايها الخبيث . . أين كنت مختبئا عندما دخلت ؟ !
الزائر - لا يهم . . بيتر - اذن فزوجتى لم تكن تحلم الزائر - انها لا تقل عنك في شىء . . بيتر - لقد افزعتها ولكننى سأضع حدا لجرأتك هذه - يأخذ فى التشمير عن ساعديه -
الزائر - لقد اعطيتها نصيحة صغيرة . . هذا كل ما هنالك . .
بيتر - وسأعطيك أنا شيئا آخر - يتقدم نحو الزائر .
الزائر - في برود - اجلس مكانك .
بيتر - اخرج بنصحك من هنا : . . قلت لك اخرج من هنا وان القيت بك الى الخارج . . .
الزائر - في خشونة من غير ان يتحرك - اجلس مكانك . . .
بيتر - لا تظن انك تخيفني بكلامك هذا . . فأنا رجل أمين أعني ما أقول . .
الزائر - لقد كنت انا كذلك فيما سبق بيتر - ماذا تريد مني ايها الحبيب . . ! الزائر - ان ما هو واضح لا يحتاج الى بيان ، وما هو معلوم لا يخفى ابدا . .
بيتر - يتنهد في ارتياح - آه . . لقد عرفت الآن انك واعظ متجول . . .
الزائر - كلا . . وان كنت قد سافرت فى زمانى كثيرا حتى لم أدع مكانا تقريبا على وجه المعمورة لم ازره . .
بيتر - أكون مجنونا لو عرفت شيئا مما تقول . . .
الزائر - ستعرف ذلك فى الحال . . بيتر - ولكنني لا أريد ان اصغى لما تقول . . .
الزائر - هل تعرف ما أريد ان أقول لك ؟
بيتر - ومن أين لى ان اعرف ما ستقول . ! الزائر - سوف تصغى الى ما أقول لك يا بيتر استيل لاننى سأخبرك عن شىء يخصك وستعلم انه لا يجانب الحق فى شىء . .
بيتر - اذا كان احد قد اوعز اليك ان تأتى لتزعجنى هنا فخير لك ان تذهب والا اتخذت ضدكما كل التدابير القانونية اللازمة . . .
الزائر - لقد كان لك صديق تحبه يا بيتر استيل ، كان يترك اليك حق التصرف فى شؤونه الخاصة ، وقد خدمته باخلاص حتى وثق بك . . .
بيتر - ومن هذا الذي لا يثق بى ويأتمننى ، لقد كنت ولا أزال رجلا أمينا مخلصا . . .
الزائر - لقد أتى اليك فى هذه الغرفة كان ذلك فى الربيع وقد بدأت الحرب وكان قد التحق باحدى الفرق العسكرية وقبل ان يسافر الى ميدان القتال احضر اليك نقودا . . أودعها لديك باسم ولده
بيتر - هذا كذب . . أفهمت . . محض افتراء ، فهل لك ان تقول لى ما الذى جعل الولد يفكر فى ان والده قد أودع لدى مالا باسمه ؟ ! ألديه ايصال بذلك أم وجد بدفاتر والده ما يشير الى هذا الامر ! ! ؟
الزائر - كلا . . يا بيتر استيل ليس لدى الولد ايصال ولم يجد في دفاتر حسابات والده اشارة بذلك . .
بيتر - وانت ما الذى يجعلك تظن ان رجلا تبلغ به الحماقة لدرجة أن يودع نقودا لدى احد ويتركها سائبة هكذا من غير ان يستوثق منها ؟ !
الزائر باعتبار انه كان يثق بك . . بيتر - لم أتسلم نقودا من احد . . أفهمت ؟ ماذا لديك عن هذا الامر بعد هذا ؟ !
الزائر - كانت الطبول تدق على قارعة الطريق وكان صديقك الكابتن يرتدى لباسه الرسمى وكان سيفه موضوعا على الطاولة بجانب الباب وقلنسوته على ظهر ذلك الكرسي ، وكنت أنت جالسا فى مكانك هذا ، وكان هو واقفا ازاءك على الجانب الآخر من الطاولة ، وكانت ، زوجتك تجلس على ذلك المقعد وعمها جالسا هناك الى جانب النافذة
بيتر - من اخبرك بكل هذا ، ما هذه الاباطيل التى تريد أن تلعبها على ؟ !
الزائر - وضع صديقك النقود على هذه الطاولة ، ثلاثين ورقة مالية من فئة المائة
دولار وقال لك : " اريد ان تحتفظ يا بيتر لديك بهذه النقود الى حين رجوعى من ميدان القتال ، فاذا لم ارجع ، فابقها وديعة لديك الى ان يكبر ابني ويبلغ سن الرشد ، فاعطها له ، انه مبلغ فائض عن الحاجة في الوقت الحاضر فليبق كنواة لديك ينتفع به حين يكبر ، ولم ارد اطلاعه عليها خشية ان يتكل عليها في حياته ، ليجهد اولا فى تكوين نفسه وبناء مستقبله " . قال ذلك وصافحك ثم ذهب وتوقفت الطبول عن الضرب ، وعندما ساد الهدوء فى الغرفة بدأت تصغى الى صوت النقود .
بيتر - يالله كيف عرفت كل هذا ؟ ! الزائر - لقد كان في نيتك ان تظل أمينا له يا بيتر استيل ولكنك لم تدخل الثلاثة آلاف دولار في دفاتر حساباتك . . . ولم يرجع الرجل وأريت اسمه فى احدى قوائم الضحايا فجعلك ذلك تفكر فى الولد ونقوده . . ومرت السنون وأخذ الولد يعمل ليكسب رزقه وانت ترقبه ينمو ويكبر ، ولم يخطر ببالك قط انه يعرف شيئا عنها ، ثم تذكرت في الاسبوع الماضي ان ما لديك من مال يستحق الدفع فى اليوم التالي من عيد الميلاد فجلست تحصى الفائدة للمبلغ طوال ما مر من سنوات ، فقد احسنت استغلال النقود ، وجهدت في الحصول على خير معدل للربح فهالك ما بلغ اليه المجموع من ربح طائل فحاولت ان تجعله بنسبة ثلاثة بالمائة ، فرأيت ان المبلغ ما زال كبيرا فجلست تفكر في هدوء وصوت النقود يهمس في اذنيك قائلا : " ولماذا تدفعه اليه اصلا ولا أحد يستطيع ان يثبت شيئا عليك ؟ !
بيتر - لن يستطيع أحد ان يثبت ذلك فلا زوجتى ولا عمها يستطيع احد منهما ان يقسم انه شهد النقود تدفع الى ٠٠ ؟ !
الزائر - طبعا . .
بيتر - ولن يستطيع الولد ان يظهر سندا على بذلك . .
الزائر - كلا . . . بيتر - لست أدرى من اخبرك بكل هذا ولكنك لن تريد بذلك ان تبتز منى نقودا فارجع من حيث اتيت فقد خاب فالك . .
الزائر - انني لن ازعجك مرة اخرى مهما اتخذت من قرار بشأن النقود . .
مبتر - هل لك ان تحسني اذن عما دعاك الى المجيء إلى هنا ؟ !
الزائر - جئت لانصحك ان تعطى النقود للولد باختيارك ومحض ارادتك . . .
بيتر - ها . . . ها . . . وماذا أيضا ؟ ! الزائر - لا شئ . . بيتر - ألا تقول لى من انت ايها الرجل الغريب ؟ !
الزائر - اقترب مني . . بيتر - استطيع أن أراك جيدا من هنا . الزائر - اقترب مني وانظر الى جيدا . . ألم تسبق لك رؤيتي من قبل ٠٠ ؟ !
بيتر - كلا . . والحمد لله لم يحصل هذا من قبل . . .
الزائر - انظر الى عيني . . - يتقدم بيتر نحو الزائر كأنه فى حلم . . .
بيتر ان عينيك تلمعان كعيني القط تماما . .
الزائر - انهما تلمعان من اضواء الغروب المنعكسة عليهما فى فرقة الفرسان . . انظر الى عنقى . .
بيتر - يتراجع قليلا الى الوراء - ارى علامات كالتى تظهر على رجل . . .
الزائر - لقد شنقت نفسي على فرع شجرة عجفاء على احدى التلال الصخرية . . والآن انصت الى هذا الصوت - يخشخش بالنقود التى فى جيبه -
بيتر - انه صوت نقود . . الزائر - ثلاثون قطعة فضية من العملة
الرومانية المسكوكة فى أورشليم ثمنا لروحي عبرت بها شاطئ الحياة للشاطئ الآخر منذ تسعة عشر قرنا مضت . . .
بيتر - قل لى بربك من أنت ؟ ! الزائر - الرجل الذى يدرك تماما الثمن التافه للشئ الذى تندفع الى بيعه عن طواعية ورضا منك . . اننى جوداث اف كيروث احد الحواريين - يتقدم نحو بيتر الذى يسوخ فى مقعد الى جانب النار فزعا منه -
بيتر قلت لك اذهب . . دعنى وشأنى . . دعنى وشأنى واذهب الى حال سبيلك .
الزائر - لقد كنت رجلا أمينا يا بيتر استيل ، تدفئك الشمس بحرارتها ، وتملأ سمعك الطيور بتغريدها فى المزارع والحقول تتمتع بمنظر الشمس فى شروقها وعند غروبها وهى تجتاح باشعتها الواهية الروابي والسهول الممتدة أمامك مؤذنة بانتهاء اليوم ، وكان الرجال والاطفال يرمقونك فى سيرك باعتبار ويتحدثون اليك فى خشوع وأدب فما حملك لان تبيع حياتك وافراحك واعتبارك بهذا الثمن البخس ؟ ! بثلاثين قطعة من النقود لا تسمن ولا تغنى من جوع . .
بيتر - دعنى أكن ما أكون لقد اصبحت رجلا آخر وصار للنقود منزلة كبرى لدى بهذا العام ، وما الذى يهمنى من تغريد الطيور ، دعنى وشأنى . . دعنى ابيع روحى كما أريد فهي ملكى اتصرف بها كما أشاء .
الزائر - نعم . . نعم انها روحك التى تبيعها . . تبيعها مرات عديدة اذا شئت وقد يكون الثمن فى هذه المرة اكثر من سابقتها مع ما يتبع ذلك من غطرسة وكبرياء وراحة للجسم ، والخوف من الناس ايضا ، والحق انك تبيع روحك يا بيتر استيل فى أول مرة يقع فيها الثمن فى يدك . . !
ستر - هذا من حقى وليكن ما يكون
بعد ذلك . .
الزائر - ولكنك ستضيع على نفسك الشعور بالغبطة . . والاحساس بالاكتئاب وانت ترى أوراق الشجر الصفراء تتساقط على الارض ، ستفقد الشعور باللذة بالموسيقى وهي تعزف وضحكات الطفولة المرحة ، الاحساس بالدفء بالنار التى تفرقع وتشتعل على مقربة منك فى الليالى القارسة البرد . .
بيتر - لم يكن شئ من ذلك يستهوينى من قبل لآسف على فقده . .
الزائر - ولكن الرجل الامين يتمتع بكافة الهبات والنعم الالهية يحس فى نفسه بالعرفان بالجميل للمنعم من غير ان يشعر بذلك وبما كان يتمتع به من غبطة الا عندما يفقد الشعور كلية ويموت فى ذات نفسه الاحساس بما يحيط به من جمالات . .
بيتر - دعنى وشأنى . . الزائر - انك ستسير فى الطريق المشرق فلا يلحقك منه غير الغبار الخانق وسترى البحيرات الصغيرة الجميلة فى احضان التلال كالشراب الاحمر فى الكؤوس الزبرجدية الخضر فلا تحس من منظرها غير الالم ولا من الضياء الا ما يؤذي عينيك وسوف تضطجع لتنام تطل عليك النجوم بنظراتها البلورية الصافية فلا تحس بغير فراغ الليل وظلامه الحالك ، انني اعرف تماما ما سيحصل لك يا بيتر . . .
بيتر - ماذا تريد مني أن أعمل ؟ ! الزائر - أريد ان تعطى الولد ما له من مال عندك بمحض ارادتك . . .
بيتر - وما الذي يهمك فى أن ترانى مستقيما فى معاملتى أو غير مستقيم ، هل كلفك احد بذلك ؟ !
الزائر - فى بطء - شئ واحد هو ان أموت ميتة حسنة ، اكسب بها الفوز فى الدار الاخرى . ان امضى هكذا اعاني
صنوف الآلام والمشاق انقذ انسانا هنا وآخر هناك لازيد في رصيد حسناتي واكفر عما اقترفت في حياتي من سيئات
بيتر - لتزيد فى رصيد حسناتك ؟ ! الزائر - نعم بان اصرفك عما انت مقبل عليه من سوء فاضيف بذلك الى حسناتى ، وهو حساب طويل لا أجد فرصة أمامى لذلك غير هذا اليوم من السنة . .
بيتر - دعنى وشأني ولاكن ما أكون . . الزائر - هل تريد ان تسرقني أيضا ؟ ! بيتر - يسند رأسه الى يده - دعنى افكر .
يفتح الباب الداخلى وتدخل منه برودنس وهى متلفعة بازارها تحمل مصباحا فى يدها ، فلا يكاد الضوء يسرى الى جانب الغرفة حتى يتلاشى الضياء من على وجه الزائر ويختفى عن الانظار ، يبدو بيتر ويده مستندة الى رأسه كما تركته برودنس عند مغادرتها للغرفة
برودنس - بيتر . . . بيتر . . هل أنت نائم ؟ !
بيتر - يصحو فزعا من تأملاته - ٠٠ كلا . . كلا . .
برودنس - لم لم تأت الى فراشك . . لقد أوشكت الشمس على الطلوع . .
بيتر - كنت افكر يا برودنس . . كنت أفكر .
برودنس - تفكر . . . تفكر بماذا ؟ ! بيتر - قول ما شئت . . كنت افكر فى السرقة والكذب فى يوم العيد . . كنت افكر فى بيع روحى ، بثلاثين قطعة من النقود - ينهض - ولكن حمدا لله اننى لم أبعها بعد . . .
برودنس - تتوجه نحوه - آه . . بيتر . . بيتر . . .
بيتر - سوف يحصل الولد على نقوده من غير تأخير . . انني رجل أمين . . أمين يا برودنس . .
برودنس - آه . . كم انا مسرورة . جد مسرورة بذلك . .
بيتر - سيأخذ الولد ماله كاملا مع الارباح من غير نقصان .
برودنس - انه مبلغ طائل . . . ولكنني جد مسرورة بذلك . . .
بيتر - انه مبلغ كبير من دون شك ولكنه لا يقاس بالفرحة الغامرة التى تفعم قلوبنا فى صباح يوم عيد الميلاد . .
برودنس - لقد أردت ان أقول لك عن شئ . . لقد حاولت ان أنام . . ولكن على غير جدوى . . !
بيتر - هل كنت تفكرين مثلى فى ذلك ؟ برودنس - لم أكن أفكر فى النقود : ولكن كنت افكر فى رجل اعرج اتى الينا قبل مجيئك الى هنا فابعدته ، لقد انزعجت لذلك يا بيتر وتأثرت له واسفت لطرده كثيرا ، لقد رآه عمى وهو جريح مضمد اليدين والرجلين ، واظن بل أكاد أجزم انه ما زال يتجول بمكان ما من هذا الحي . . .
بيتر - من أى طريق ذهب ؟ ! برودنس - نحو اشجار الصفصاف هناك عند منعطف الطريق . . .
بيتر - يتناول معطفه وقبعته - لا بد انه يريد ان يتظلل ويستريح هناك - يندفع صوب الباب الخارجى . .
برودنس - الى أين تريد ان تذهب ؟ ! بيتر - اننى ذاهب لافتش عنه وآتي به معى ولا ندعه يتجمد من البرد - يذهبان معا الى الباب الخارجى ويفتحانه ، فيريان أضواء الصباح قد عمت فى الخارج - .
بيتر - لقد طلع الفجر ونحن لا ندرى ! برودنس - هل رأيت الفجر قط وهو يشرق على الارض المغطاة بالجليد ؟ !
بيتر - كلا فى عمرى كله - يقبلها ويذهب -
برودنس - تهتف فى اثره - ساعد لك القهوة ريثما تحضر . .
ستار

