الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

غرام في العالم الثالث

Share

قصة

هذه المحاولة أخذت عن المسرحية حوارها ، وعن القصة سردها . فلتكن بلا اسم كأخبار قدماء العرب.

شخصان ، على طاولة متقابلان . فتاة في العشرين ، وشاب تخطاها بقليل ، علبة مذياعية الشكل صغيرة ، كتب وأوراق وأقلام مهملة .

الشاب يشعل سكارة ، يطرق ، ... ينظر في وجه الفتاة المطرقة طويلا .. يفتح فمه ، يهم بالكلام ، ويطرق من جديد .. يأخذ قلما ويداعبه كمن فى موقف رسمى حرج .

الشاب : أنت .. من غير شك .. لا أنا طبعا .. أعرف : لا نفع           للكلام ولا جدوى ... ما دام الوجه لك .. ما دمت له           ربة .. وما دمت أنا ..           ما دام الصيف قد انقضى ، صيف الشوق والحنين والنار ،           منفى الرهبة والخوف .          العار !. لا لم يعرفه أحد قط . ولا أنا ...

تهم الفتاة بالكلام ولكنها تسكت ، تحاول القيام ولكنها تجمد ، تظل برهة كالمشدوهة ، ثم تضع راحتها على يد الشاب تحببا ولطفا .

الشاب : (يواجهها بنظرة غضبى ويجذب يده) اليك عنى .

الفتاة : (هامسة فى اطراق) ولكنى أحبك .

الشاب : وأنا أيضا .. هل نسيت .. البلفدير ، البركة فى البلفدير ،           ورمضان ، والناس صيام الا نحن ، يوم جلسنا ، مع           الغروب .. كنت غاضبة .. ألا تذكرين ؟.. وكنت           لا أصبر .. لا عليك ولا على الدخان ..           والحارس كلب أمين ، بعين الحسد يرمقنا ، والمارة ،

نلوي أعناقهم .. والدموع فى عينيك الساحرتين ، والخوف في أعماقي أعماقى أنا ، أنا القائل يوما : (( الخوف في الرجل ... )) ما علينا ، والنسيم المسائي يعزف ألحانه البائسة ، ويدي الى خصرك تدنيك مني ، والوحدة والالم .

أنسيت ؟ شعرك الطويل يداعب وجهي كلما .. آ .. أنت نسيت .. كيف ؟! أما كنت ، أما كنا ؟. ولا شيء غيرنا .. حتى المياه تدعونا الى البكاء فلا نحزن ، لا ولا نضحك . حتى الغروب .. يالهما غروبان في غروب واحد : غروب التعارف واللقيا ، وغروب الجهد والخلق .

أنسيت الحارس ينصرف وقد مل ، والشرطي يقاوم الاخلاق ، يدعوني ، يأخذ أوراقي ، يسألك من أنا فتقولين وعلى شفتيك احتضار ابتسامة باهتة (( هو أنا .. نحن )) والظلام !. تذكري الظلام وقد حجبنا عن الاعين السارقة ، والفوانيس المنتحبة والمطر .. والشفاه !. أنسيت طعم الشفاه عطشى ، رائحة طعم الشفاه عطشى تنتحر عليهما النظرات قبلا خرساء .

الفتاة : (مغتاظة) يكفي ! لا أفهم . أنت قلت شيئا ؟

الشاب : (كمن يعتذر) لا .. أبدا .. أنا ما قلت . أنا كنت ورأيت .            أنا سمعت .. هل تسمعين ؟!

(يعالج العلبة المذياعية فينبعث منها صوت الماضي وقد سجل للشخصين مواقف لسنة خلت ) .

صوت الفتاة : ما لك يا عزيزى ؟

صوت الشاب : لا شىء .. ان هو الا الشوق أضناني

صوت الفتاة : الشوق أضناك ؟ كيف ؟!

صوت الشاب : أشعر كأنما الضلال يعاودنى .

صوت الفتاة : أى ضلال ؟! .. (وقف).. تكلم .. ألا تدين بالتعارف ؟!

صوت الشاب : التيه .. التيه يا عزيزتى التيه .. صحارى القلق ،                   سبريات الرتابة والملل ، وما تقدمنا خطوة واحدة.

صوت الفتاة : المعميات ، دائما المعميات .. هات ما يفهم .. قل ..                 تكلم ؟

صوت الشاب : أخشى اذا تكلمت يوما ان تنطبق السماء على                   الارض ، وان يختل النظام فتفسد الدورة ..

صوت الفتاة : كلامك لا يفهم يا هذا .

صوت الشاب : حبذا الهذا من فمك الجميل .

صوت الفتاة : أحقا هو جميل ؟

صوت الشاب : حبذا لو أخطىء .

صوت الفتاة : أو تحب الخطأ .

صوت الشاب : بل أرجوه .. ليتنى كنت كأيها الناس ، أقنع بما                   يقنعون ، وأطمح الى ما يطمحون .. أعيش معهم                   وكأني منهم ، لا الابعاد تشغلني ، ولا الإرادة                   تثقل كاهلى .

صوت الفتاة : وماذا تريد ؟! ... ألا أخبرتنى .

صوت الشاب : (وقد أصبح ساحرا) . هو حلم طالما راود تصورات                   الفلاسفة يا عزيزتى .. أن أجعل من شخصين                   اختلفت ثقافتهما وتباينت أفكارهما ، وتنافرت                   طبائعهما ، وتضاربت أجناسهما ، شخصا واحدا                   ثقافة وافكارا وطبيعة ..                   وحدانية المثنى هدفي ، نفي المستحيل رجائي ،                   وطمس العدم لاناس تعودوا التحليق في سموات                   الخيال مناى ..

صوت الفتاة : (مجارية) .. بديع .. ولكن كيف ؟

صوت الشاب : لا تقولي كيف ، دعينا من الكيفيات فعهد النظر                   انتهى وباد ، بل قولي بم ، بأية وسيلة ؟

صوت الفتاة : (مجارية) . نعم بم ، بأية وسيلة .

صوت الشاب : بأن نتلازم الى حد الإ تحاد ، بأن تكونى حيث                   أنا وبأن أكون حيث أنت ، بأن نرى كل شيء                   معا ، ونحس كل شيء معا ، فتجارب الحياة                  شموس تمحو مختلف الالوان لتصنع البياض .

صوت الفتاة : وهل فعلت عكس هذا ؟!

صوت الشاب : لا .. وانما أدخلت في حياتك رجلا جعل القرابة                   لك طريقا .

صوت الفتاة : قلت لك لا علاقة لي به ؟!

صوت الشاب : ليكن .. ونفيك لما في ماضيك جعلك أنت :                   كتلة من الاحاسيس تتضارب ، يمزق بعضها بعضا                   وينهش ، تتألمين وتؤلمين كالنفس تبحث عن                   مخرج داخل وعاء من نار مخنوق .

صوت الفتاة : تقصد ذلك الرجل .

صوت الشاب : ليكن رجلا واحدا أو رجالا عدة .. لا أبالي ..                   فالذى يهمني هو أن أعرف . أنا قبلتك كما أنت                   تماما .. أريد أن أعرف الشموس التي جعلتك                   أنت حتى .

صوت الفتاة : حتى ماذا ؟

صوت الشاب : حتى أقابلها بأضدادها ويكون لنا الغد .

صوت الفتاة : لا أفهم .

صوت الشاب : (منفجرا) . أعني اننا لم نعد في حاجة الى انسان                    كأيها الناس ، انظري خلفك .. أما ارتعت ؟..                    هذه الوجوه المسوخة لكائن لم يوجد بعد                    هذه القرون تمضي وملايين الحشرات .. أما ارتعت ؟                    أما تعبت مثلي من هؤلاء العباد ، هذه المخلوقات

سكرى يأكل بعضها بعضا ، يبكي بعضها بعضا ، والقوانين والاديان ، والحواجز والخرافات والاقاصيص ألا يبعث فيك كل هذا النقمة والسخط . أما اغتظت ؟!

صوت الفتاة : وماذا تريد ؟

صوت الشاب : أريد القمر ، لا بل الشمس ، لا بل الله .. لا بل ذاتي ..

صوت الفتاة : (ضاحكة) جنونك يناديك .

صوت الشاب : دعينى أفعل .. دعينى أفعل .. ولأكن .

(يعالج الشاب العلبة المذياعية فتصمت) .

الفتاة : كنا .. كنا سعيدين .

الشاب : (يقف .. يبتعد عن الطاولة .. يطرق مليا ..) لا أتصور           البشرية في مثل حمقك حتى ترضى بالسعادة هدفا           لعظمة الوجود .

الفتاة : (حانقة) حمقى ؟!

الشاب : ما علينا .. تلك هي بدايتي .           بيد أنى سأسمعك حوارا بينى وبين ذلك الرجل .

الفتاة : (مرتاعة) لا .. لا أريد .

الشاب : بل تريدين .

(يعالج الشاب العلبة المذياعية ، بينما تضع الفتاة يديها على وجهها تقززا ورعبا .)

صوت الرجل : وجهك مضطرب .

صوت الشاب : كمن دخلت فى حياته امرأة .

صوت الرجل : ماذا ؟ هي فعلت بك هذا ؟ لا أكاد أصدق وانت                 خالقها .

صوت الشاب : كل الآلهة انتحرت ..

صوت الرجل : انها تحبك .. أراهن على ذلك .

صوت الشاب : كما أحبتك أنت .. دعنا من الحب ومن الرهان .                   فما كان للحب هذا الوجه .

صوت الرجل : وماذا تريد منها ؟

(الفتاة تعصرها الذكرى فتنفجر باكية .. الشاب فى وقفة صنمية) .

صوت الشاب : الإخلاص والتعارف .

صوت الرجل : المرأة إذا أحبت أخلصت .

صوت الشاب : هراء .

صوت الرجل : صدقنى .

صوت الشاب : كيف أصدقك والكارثة على الابواب .

صوت الرجل : تصد لها .

صوت الشاب : انى فاعل .. ولن أتراجع .

صوت الرجل : تفعل ماذا ؟

صوت الشاب : ( بكل تحد ) أمحو ذكراك من فؤادها محوا ،                   أنتزع عطفها على قريبها من حنانها انتزاعا ..                   أفهمت . لا .. لن أهن وليكن الدمار .

صوت الرجل : ما أراك الا فاقئا عينك بأصبعك .

صوت الشاب : قبل أن تفقأها أقداركم وآلهتكم ومكتوبكم .

صوت الرجل : هذا والا فلا .

صوت الشاب : يجب أن تبدأ الخليقة من حيث أنا الآن .. أما ما                   مضى فمجرد تحفز وانتفاض .

صوت الرجل : على قدر التحفز يكون الوثوب .

صوت الشاب : فى عالم المساحة والمقاييس .

صوت الرجل : وعالمك .

صوت الشاب : المطلق واللا نسبية واللا معقول .

(يعالج الشاب العلبة فتخرس ثم يلتفت الى الجدار ، ويتأمل لوحة زيتية تمثل جبالا سوداء تحجب وجه الافق ، ورجلا في السفح يصعد بعينيه فى القمم ..)

الشاب : ثم .. رأيتك في الحلم .. لا بل في الواقع .. كان شيئا            كالحلم .. أو كان واقعا وأنا الحلم ..           رأيتك في بلد غير بلدنا . كنت وحدك . ثوبك الاخضر           اشترينا قماشه معا ، وشعرك الطويل لمعته (( جفافة ))           اقتنيناها معا . وعيناك . كأنما أتلفت سحرهما مخالب           النسور ، وشفتاك أضر بهما الجفاف .. وكلمتك فاذا بك           لا تسمعين .

وذكرتك الإتفاق والعهد فاذا بك لا تفقهين . كنت ، والصيف ما انقضى بعد ، كمن تنكر للوعد وجفا .

(يلتفت اليها .. يحدق فيها طويلا .. يهم بالكلام ، يتردد .. ثم يقول)             أذكر أني فارقتك وعلى محياك من القلق جراح .. كان             ذلك قبل المحنة بأسابيع ، محنة الحلم أو .. لعلها محنة             الواقع ..

تذكري صبيحة يوم ، والشمس كالمرآة في الافق الشفاف ، والحشرات تثاؤبات أرض ملت الإنسان ، والركض يجلد وجنتيك بسياط من لهيب ، وأنفاسك يقطعها الانبهار تقطيعا .. هل نسيت ؟

(يهم بمعالجة العلبة ، لكن الفتاة ترتمى عليه صائحة)

الفتاة : دعنى بربك دعني .. لا تذكرني .. (في حشرجة)         ماذا أقول .. أنا لي رجل .. انتهى ما ... فماذا تريد .

(انتهى ما يشبه المرحلة الاولى .. بداية صراع تمثله الاصوات الى حد الآن ، وبداية نهاية انهيار يمثلها شبه الحوار العادى)

اشترك في نشرتنا البريدية