الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

غربة ... ويا طول الطريق !

Share

منذ الصباح وهو جالس فى هذا الركن من المقهى يلفه الصمت ، يعانقه الفراغ ، العيون تتطلع الى وجهه الاصفر الجامد ، الى عينيه الغائرتين ، الى البريق الغريب الذي يشع منهما ، العيون تتساءل عن سر هذا التغيير المفاجي الذي طرأ عليه ، تلح فى السؤال ، السر يبقى غامضا ، وهو ساكت والشمس معلقة فى الفضاء والريح تلاحق اللاشئ .

الطريق ينزلق تحت قدمي ، يتقلص ، يمتد ، يصبح طويلا موغلا في الطول ، ينزل ، يصعد ، يلتصق بالسماء ، يصبح نقطة سوداء ، فراغا ، زرقة ، أحاول أن أرى نهايته ، ليست له نهاية ، نهايته متصلة ببدايته ، لكل شئ نهاية ، لكن أأصل الى نهايته اليوم ، بعد ساعة ربما بعد شهر او شهرين ، ربما بعد اعوام ، لا أعرف بالضبط مدة السير على هذا الطريق الذى ينزلق تحت قدمى . يتقلص يمتد ، يصبح طويلا ، طويلا ، موغلا فى الطول ، وهل تعرف أنت ؟ وانتم هل تعرفون ؟ ما لكم تنظرون الى هكذا . تسألني عن المسافة التى قطعتها ، لا أعرفها ، لا اريد أن اعرفها ، لست فى حاجة الى الالتفات الى الوراء لمعرفتها ، الالتفات الى الوراء نقمة ، زفرات تحسر على ما فات ، لوعة ، فرح ، حزن ، قهقهات ، عبرات ، كؤوس تشرب ، صلوات ترتل ، انظر دائما الى الامام حيث لا تلتصق السماء بالطريق ، لا أريد الالتفات الى جهة أخرى ، نسيت اليوم الذي بدأت فيه السير على هذه الطريق التى تنزلق تحت قدمي ، تمتد ، تصبح طويلة ، طويلة ، موغلة فى الطول . احاديث الرواد

الجالسين او الواقفين حول المشرب تصل الى سمعه بدون معان ، قهقهاتهم بدون صدى ، هبت عليه نسمة من هواء رطب ، مسحت على قسمات وجهه فأفاق من ذهول له كأن يدا ناعمة أتته من حيث لا يدرى ولكنها انتعاشة انتحرت على هذا الغلاف السميك الذى يحيط به ، يضغط عليه ، على كيانه ، على رأسه ، يحاول أن يقاوم ، أن يفعل شيئا ، أن يتحرك ، أن يقتل ، أن يكسر شيئا ، ولكن جمرة الحياة قد انطفأت فتراخت عضلانه وسرى الهمود في أوصاله ، دقات الساعة المنتظمة الحادة مطارق تنزل على رأسه بألم حاد . تساءلت شفتاه : لماذا اخترع الانسان الساعة ؟

علمت أن أمي فرحت كثيرا فى ذلك اليوم ، زغردت ، ضحكت كثيرا ، فرح الجيران يوم بدأت السير على قدمي الصغيرتين اللينتين ، لكن بعد أيام انقلب ضحك أمي الى بكاء ، زغرداتها الى شهيق ، وفرحة الجيران الى حزن عميق ارتسم على وجوههم الصفراء القبيحة الوسخة رجلاى الصغيرتان تشققتا وسال الدم منهما أودية ، أرادوا ان يمنعوني من السير فرفضت . .

نظرات الناس تتكسر على الغلاف السميك ، السيارات تجرى لاهثة فوق الطريق الذى يئن من شدة الحرارة ، العرق يتصبب على جباه المارة ، امرأه عجوز تطلب الرحمة ولا رحمة ، لا ينظر اليها أحد ، نظرت الى السماء فلم ترا شيئا والطفل الصغير يصيح بين أحضانها يريد لبنا ، اشعل سجارة جذب منها نفسا طويلا ثم أخذ ورقة ليكتب رسالة الى صديق بعيد : صديقى يجب على أن أعيش المأساة حتى نهايتها ، يجب على أن لا أنزعج من المصائب إذ المصائب والمآسى فى هذا العالم وهذا الوجود الاحمق لا تنتهى ، ان منبع شقائى ذاتى ومصدر اتعابى نفسى ولذلك سوف لن انتظر العون من الخارج لانى غريب . غريب فى هذا العالم ، غريب عن هذا الحي ، غريب عن نفسي ، فعندما تشرق الشمس اعرف انى سأعيش حياة جديدة وعندما تغرب أعرف أنى سأبدأ حياة أخرى جديدة .

انظر الى رجلي ، مازال الدم يسيل على الطريق ، انظر حولى ، المشاهد متشابهة ، كثبان من الرمل انتشرت هنا وهناك ، المشاهد غارقة فى صمت رهيب موحش ، لاشئ يدل على أن هناك حياة الا الريح التى تهب هبات متقطعة فيثور الغبار حاملا معه بعض العيدان الصغيرة ، دقات رجلى المنتظمة الخافتة يحملها الهواء بعيدا ، ارهف أذني لسماعها ، انها تشدني الى هذه

الطريق التى تنزلق تحت قدمى ، تتقلص ، تمتد ، تصبح طويلة ، طويلة ، موغلة فى الطول ، انصت اليها ثانية ، اصبحت خافتة لا تكاد تسمع ، كادت أن تتلاشى ، لقد تعبت ، العرق ينزل مني غزيرا ، الشمس الحارة تحرق الرمل والطريق وخطواتى قصيرة ذات صدى لا يكاد يسمع ، هذا الصدى أصبح قطعة منى .

لم يستطع ان يكتب اكثر ، التصقت ملابسه بجسمه ، طوى الورقة ونهض ، حاول ان يستحضر تلك اللمسة فلم يستطع ، حركة النادل لم تفتر والريح تلاحق اللاشئ ونظرات الناس تنتحر على الغلاف السميك الذي يحيط به والشمس معلقة فى الفضاء والليل لم يسدل ستائره بعد .

قال الاول : مسكين . حياته أصبحت بلا طعم ولا رائحة يعيش هائما على وجهه فى المدينة بدون هوية !

قال الثاني : ان سبب هذا التغيير والقلق هو فشله المتواصل فى عمله .

هز الثالث كتفيه .

الريح تحمل الى أنفى رائحة العرق النتنة ، أتنفس ملء رئتى ، يجب أن استريح حتى اجتاز المسافة الباقية ، حتى اصل الى نهاية الطريق الطويلة ، لكنى سأفقد وقع خطواتى . . لا . . سأواصل السير . . لا يمكن أن أعيش بدونها ، أشعر برغبة ملحة فى الكلام . . ليس هناك من سيسمعني . . انظر أمامى ، بجانبي ، ليس هناك أحد ، كل واحد يسير فى طريقه الخاصة .. أعيد النظر أمامى . . الى النقطة السوداء ، الى الفراغ ، تنزل دمعة على خدى ، تلحقها دمعة أخرى . .

اشترك في نشرتنا البريدية