ادخل يديه فى جيبى بنطلونه ، واقترب من المغازة محاولا الاحتماء من البرد بالاضواء الساقطة من أعلى الواجهة . . فكر فى كل شئ حتى في التفاهة التى تملأ أيامه . . كاد يصطدم ببلور المغازة . عاد أدراجة الى الخلف وغاصت يداه أكثر فى جيبى البنطلون ، رفع عينيه الى فوق . كانت السماء رغم الاضواء المشتعلة فى المدينة تبدو زرقاء صافية . وكأنما أحس بموجة من البرد تهجم عليه فجأة . أخذ يحرك ساقيه ملازما مكانا واحدا . . نزت قطرات عرق من جبينه ، كانت الساعة السابعة ليلا ، فجأة تساءل لماذا يقف في هذا المكان بالذات ؟ . وهل هو ينتظر أحدا ؟ . ظل دقائق طويلة يبحث فى ذاكرته عن السبب الذي دفعه الى المجيىء الى هذا الناحية . . كان الطقس متقلبا . . وأحيانا يسقط المطر دفعة واحدة . . وأحيانا تهب ريح . . وأحيانا تنفرج الحالة . . كان يريد ان يعرف . . وألح على نفسه كى يهتدى الى طرف الخيط .. لقد نام طويلا من الواحدة ظهرا حتى السادسة . . وحين استيقظ لبس ادباشه على عجل ونزل الدرج مهرولا . . ثم أسرع الخطو فى الشارع . . أما لماذا جاء الى هنا ، وتريث أمام المغازة فهو لا يدرى . لا شك أن للامر جذورا . وان هناك دوافع . جذب يده اليسرى من جيبه ، وحك رأسه ثم أعادها بسرعة .. وغادر المكان ببطء . هدأت حركة المارة . . وبدا الشارع أطول مما كان يتصور تساءل لماذا يغادر المكان فى هذه اللحظة . . انها مهزلة ان يذهب هكذا . . والى أين ؟ كان عليه أن يدرك قبل أن يقرر أى شئ سبب السرعة التى ارتدى بها ملابسه ، وهبط الدرج ، وهرول فى الشارع.
اقترب من الجدار . وضع يده على احدى المعلقات وأحنى رأسه . كان يفصله عن المغازة ما يقارب عشرين خطوة . اعتصر دماغه . . ابتسم ثم عاد فزم
شفتيه . لو لم تكن المسألة تافهة لما نسيها بهذه السرعة . . انها مسألة لا تستحق الذكر . ولكن مع ذلك!. مع ذلك ؟ أخذت تمر أمامه أحداث مبعثرة
صعد ذات يوم عربة الركاب . جلس على مقعد حديدى وأغمض عينيه ثم ظل فى حالة متواصلة بين النوم واليقظة : كان يحمل ورقة عداد الماء ، وينوى الاتجاه الى الشركة ليسلم العون المحترم النقود التى استهلك بها ماء طيلة شهرين أو ثلاثة . لم يكن يحمل نقودا فى جيبه ، وانما كان يعول على الحظ . . سيجد فى الطريق من يقرضه ذلك المبلغ الضئيل . . ثلاثة دنانير ونصف الدينار . . ان بين المحطة الاخيرة لعربة الركاب وشركة الماء أمتارا تعد بالمئات . . أمتارا طويلة غاصة بالناس . . بالاحمرة . . بالاصدقاء . . بالنساء بالسماسرة . . ألا يستطيع فى طريقه أن يجد بغلا واحدا مستعدا لاعطائه ذلك المبلغ الضئيل ؟
منذ أن اكترى محلا جديدا بنهج " رمادة " كان يدفع من جيبه ثمن ما يستهلك لشركة الضوء . ولمؤسسة الماء ، والحراسة العمارة . . لم يضايقه أحد . . كان مستقيما فى سلوكه والاجوار يعرفون ذلك . . كان مستقيما الى درجة اليبس . . حتى أن المرأة الوحيدة التى كانت تزوره يوما بعد يوم لم تثر لدى الاجوار أية شبهة . . فقد كان البعض يحسبها خادما . أما البعض الآخر فلم يكلف نفسه أبدا السؤال عنها .
حين فتح عينه ظن أن عربة الركاب لم تقطع شبرا واحدا كم يحلو له الانزواء فى مقاعد العربات . . يكفى أن يضع الانسان ثقله على المقعد ، حتى تتحول تلك البرودة الى دفء مشجع . . كم يحلو الاسترخاء!.
كانت الاشجار جاثمة على حافتى الانهج التى يمر بها . . وكان نظره لا يتحول عنها كأنما يفتش عن شىء معلق بين أغصانها . كان جيبه خاويا . والبرد يخترق معطفه الخفيف ، ويهجم على صدره وفخذيه فينكمش في مقعده أكثر .
ليست هناك طريقة لاحتمال العيش فى منزل بلا كهرباء لم يفكر أبدا فى الالتجاء الى الاضاءة بالوسائل البدائية . . رغم أن ثلاث شمعات تكفيه الليلة الواحدة . . كيف سيتمكن من تحقيق ذلك دون أن تحمر عيناه وينهكه الارهاق وحتى لو وضع شمعتين على الطاولة ، ثم وضع الشمعة الثالثة على مرفع قرب الصورة فلن يحسم المشكلة كما يريد . . ترى كيف حصل على تلك الصورة ؟ . ومتى ؟ . انها اشياء لا يمكن تحديدها.
الغرفة التى ينام فيها تشتمل على سرير صغير ، يكاد اعلاه يلتحق بالارض والعله حين ينام يحسن بأن لا شئ يفصله عن القاعة . وهناك فى الطرف الآخر طاولة شديدة الارتفاع . . حتى أنه لا يريد أن يضع فوقها شيئا ، أو يأخذ من فوقها شيئا آخر . يجذب كرسيا ، ويصعد فوقه . وهناك مطفا ؛ السحائر التى تعلو على السرير بقرابة المتر . كان حين يود لفظ رماد سيجارته وهو مدد على السرير يستوى جالسا . ثم يستند على ركبته ، وينفض الرماء فى المطفأة ويعود الى وضعه الاول
ولم يكن هذا يقلقه . . فهو يعتقد أنه ضرورى للمحافظة على صحته . . لا بد من التمدد والانحناء والوقوف ، والصعود والهبوط . لم اذن ينشرون الاعلانات المطولة عن حتمية تعاطي الرياضة . ان بيته ، والطريقة التى رتبت بها الادباش تغنيه عن الدخول الى أحد محلات التمارين.
حين دخلت غرفته لاول مرة ، تراجعت قليلا . . وعضت شفتها وسألته .
- أتنام هنا ؟
لكنه جلس دون أن يعيرها اهتماما . . ثم وقف وقام بنفس الحركات التى يقوم بها كلما دخل غرفة نومه . نزع معطفه . . قرب الكرسي وصعد فوقه . . ثم قفز فوق الطاولة ، ونفض التراب عن الصورة . . ونزل ببطء ليجلس في طرف السرير . . وترك لها الطرف الآخر . قالت .
- أردت أن أقول : إنه مكان رائع لقضاء الليل ، ثم استطردت بحماس - مكان رائع ! أجابها بهدوء - هو ككل الامكنة المعدة للنوم . حقا ان عدة أشياء تبدو مفقودة ولكنني لست بحاجة الى شئ اخر.
حين قضى عدة سنوات فى الوظيف ادرك انه يسير ببطء . . وان مهمته فى بيت التوثيق بمثابة السبة . . سنتان ونصف السنة لم يكن يفعل شيئا آخر غير قص المواضيع التى تحمل علامة حمراء . وترتيبها ، ووضعها فى صناديقها حسب حروف الهجاء ، كان يقضى سبع ساعات في بيت مملوء بالغبار . . كان يتنحنح . ويسعل . . ويضرب بيده الطاولة ..
ويربط أحيانا منديلا على وجهه . . كان يفعل حركات كثيرة دون أن يرفع رأسه عن العمل . . كان..ولكن التراب يلتحق به . . يسرح فى الفضاء. ويتجمع ثم يهجم عليه ..
سنتان ونصف . . يمضغ التراب . يشم رائحة الجير المتعفن . . يسعل ويتنفس تحت أكداس الورق ..
وضع على باب المكتبة " هيئة الموثقين " .
أحس وهو ينظر الى فارس . . والى سلام . . وجعدانة . أحس بقرف وهو ينقل بصره بينهم ببطء . لقد وجدهم أمامه حين دخل أول مرة دار التوثيق كانوا يجلسون قبالة بعضهم ويتكملون . . جعدانة هو الذي يوزع العمل وجعدانة يأمر . . وباستطاعة الآخرين القبول أو الرفض جعدانة يقول كل شئ ثم ينسى كل الذي قيل.
أربعون سنة أو خمس وأربعون - يرتدى دائما بنطلونا واسعا لا تحس ابدا ان داخله ساقين تتحركان . البنطلون هو الذي ينتقل فى الوقت الذي تتحرك فيه يد جععدانة واحدة الى الامام وأخرى الى الخلف . فقد كل شعر رأسة وكان هزيلا وملتصقا بالارض ..
فارس وسلام . . شابان كبيران . . لا يثيران فيك أى استغراب هما من عامة الناس . . قد يكونان سافلين او سكيرين . . أو تاجري مخدرات أو من عائلات فاضلة . ليس بامكانه أن ينسى الحصص الطويلة التى يقضيها كل يوم معهم.
- هذا عمل سافل ! أتظل طول النهار تعتنى بأظافرك لا غير . . هذه سبة . . ألم يجدو لك عملا . يقهقه فارس ملء شدقيه - يضرب الطاولة ويحدث خشخشة بساقية .
- أنت يا جعدانه تصطاد فى الماء العكر . أتظن أن المسألة تحتاج الى هذا الصراخ ؟
- أجل . . ولم لا . . أصرخ الى الابد . . أهناك من يقبل هذا الوضع ؟ يتنهد سلام يقزقز بأسنانه . . يقفز من فوق الكرسي ، يمرق الى الخارج ويجذب الباب وراءه بقوة
- لقد فقد دماغه يصوب نظرة تجسس نحو فارس يجده منشغلا بترتيب بعض الاوراق. - لن تقنعني أبدا بأن لك عملا . أتعتبر كتابة الرسائل الى حبيبتك شغلا اداريا ؟
- لقد ضبط محافظ الوثائق في مكتبه يضاجع سلامة . . ضبط أكثر من مرة . . عد ذلك أمرا طبيعيا - لو ذهبت وفتحت باب مكتبه لوجدته معها - كل الناس يعرفون ذلك . . الاسفل والاعلى . . وتحاسبنى انا يا جعدانه على تحرير خطاب لزوجتى ؟ - انك تتزوج في الشهر عشر مرات : ماذا أفعل .؟ من يستطيع اليوم أن يفرق بين الشريفة والعاهر - كلهن عاهرات .
- يرتدين من " الروبافيكا " حتى العنق . . ويتجولن فى الشوارع كالاميرات . . ويتصنعن التقوى . . لكنك حين تخرج مائة مليم يتحلقن حولك - ماذا تريد أن أفعل يا جعدانة اني أجرب . حتى خطيبتى الاخيرة أشك فيها - انها كالاخريات - أتثق بزوجتك يا جعدانة ؟
- أكاد أشهق بالبكاء من أجلك . . زوجتى من الطابور الاول . . - ألك بنات ؟ - أجل. - هل هن من الطابور الاول ؟ . - الطابور الاول ! - الطابور الاول - مثل زوجتك " أم هاني " - آه . . من الطابور الاول . . كيف أعلم ذلك . . وأنا اقضى كامل وقتي فى هذه الغرفة كالمسجون لا يمكن أن اضمن ذلك .
- المسألة تتعلق ببناتك ؟ - لم أعد أمسك بزمام الامور . اسكت . لا أريد أن استمع الى هذا النقيق . . اكاد اختنق بالبكاء
مرر يده على جبينه ثم نظر إلى " ريم " بلهفة . كانت تقارب الاربعين.. ملامحها توحي بجمال دفين موثق بالاغلال ليس بينه وبين الصراخ الا ان يتعري . . أن يحرك . . أن ترفع عنه الغلالة . . لم تكن لحيمة جدا . . كانت مثلما يتصور المرأة تماما . . ترتدى سفسارى كأنما لتختبئ وراءه.
مد يده وجذبها بشئ من العنف . وقال بسخرية - اننى مستعد ان اتزوجك. أبعدته برفق - ليس ذلك ممكنا. - كيف ؟ - انها أمور تحدث ثم ينتهى كل شئ - أتمانعين ؟ - لننس هذا الامر. - لماذا جئت اذن ؟ - هي أمور تحدث كذلك . أتعذب نفسك كثيرا بالاسئله حين تود أن تبدل قميصا بقميص آخر ؟ - أنت متزوجة. - ماذا يهم ! مد يده ثانية اليها . . ولكنها نهضت معتذرة - قالت له ان الوقت متأخر وسأعود مرة ثانية.
تفحص مقاعد سيارة النقل . لم يعد هناك غير السائق والعون المكلف بالتذاكر وامرأة عجوز وشخصان جالسان أمامه لم يتبين سحنتيهما . ثم ألقى نظرة عابرة على الطريق . . أحس بالخزي . كان يود لو نزل منذ مدة انه لا يعرف المكان الذي يوجد فيه الآن . توقفت العربة ونزلت العجوز ، الشخصان الآخران . وانكمش هو فى مكانه متحفزا . . قد تحدث أشياء .. أيكون هذا الامر طبيعيا ؟ وسمع صوتا فاترا يسأل : - هل تقصد المحطة الاخيرة ؟
حاول أن يجيب ، ثم عدل عن ذلك وتلملم اكثر فى المقعد ليقفز كالسهم قاصدا باب العربة .
كانت الساعة حوالى الخامسة مساء . . ومازال يتذكر جيدا أنه ذاهب ليدفع فاتورة الماء . . وان شبابيك تذاكر الشركة تغلق فى السادسة . كان عليه ان يسرع . . ولكن كم تبعد الشركة . . عن المكان الذي غادر فيه العربة ؟ ربع ساعة أو نصف ! انه يعرف انه ليس بعيدا جدا ، ولا يمكن أن يكون قد نزل فى اقصى المدينة من الشرق أو من الغرب . . ورغم ذلك . . أسرع الخطو وكان وهو يندفع فى الطريق يحث نفسه كأنما يسوق دابة .
" كانت مثلما يتصور المرأة تماما . لكنها تتجاوزه بعشر سنوات على الاقل ، ليست هذه العقبة ، امرأة في الاربعين . المهم لديه أن لها من الجمال ما يفي بحاجة عشر سنوات اخرى . الاشياء مرتبطة ببعضها . . الذين يعملون فى المغازات لا يحتاجون الا لعشر ساعات في اليوم ثم يذهبون . . عمال البلدية فى نهج رمادة مكثوا عشرة أيام لتسريح البالوعات ثم اختفوا . . ولقد انتظر هو قرابة العشرة شهور للحصول على عمل حتى انضم الى هيئة الوثيق . . وعشرة أعوام . . عشرة أعوام كاملة . تصوروا . . وهو ينام كل ليلة بجانبها ويضاجعها ! "
حين بلغ باب الشركة تذكر انه لا يملك مالا . ولكي يعثر على أحد يقرضه مبلغ الماء . لا بد له أن يقطع المسافة بين الشركة ومبنى المسرح . . ولما اقترب من درجات المسرح . . كان الوقت قد فات . . وبدأ الموظفون ينصبون على محطات العربات ، ويسدون الشوارع .
الوقت متأخر . . هكذا تبدأ المسائل تتضخم . وتتخذ أحجاما مريعة.. درجات المسرح مهترئة . . وواجهات المبانى يكسوها وسخ وغبار . انزوى فى مكانه . . شعر بالشاحنات تفتح طريقا فى نفسه وتدوس قلبه ورئتية. غدا يأتون لقطع الماء غدا صباحا . . وسيضطر الى حمل سطل والتردد على الجيران . انه لا يحتاج الى اكثر من سطل فى اليوم الواحد ، وفي العمارة أكثر من عشرة سكان . ولكن متى يحمل السطل . ويصعد الدرج ويدق كل الابواب ؟ انها فرصة على أية حال . . فهو لم يمعن النظر فى نساء اجواره . . وسيمد بصره فى وجوه الفتيات والزوجات سيتعرف عليهن . لم يعيش منعزلا بين أكثر من عشر عائلات ؟ انها فكرة .
نظر مليا فى راس جعدانه . . وكان جعدانة ينظر في صفحة المكتب . كان جعدانة رجلا قابلا للاحتكاك . . بالامكان التحادث ، وحتى تناول كأس
شاي معه . . ففي رأسه الاصلع تختبئ أشياء كثيرة يمكن أن تفيدك ويمكن أن تصلك بآفاق كبيرة . جعدانه بالامكان الاحتكاك به.
جعدانه هل قمت بحصتك العسكرية ؟ انتبه جعدانه وغرس فيه نظرا متحفزا. - عمرى ستة وأربعون سنة . . أتظنني مطالبا بالجندية ؟ - لكنك تبدو شابا . . هذا لا يهم . . انك تتحدث وكأنك على أبواب الرحيل - عندما تسعل امرأتي . . أتوق إلى الرحيل. - وهل تسعل امرأتك ؟ - أم هاني . . انها زوجة رائعة . . وهى تسعل كلما لم استطع ابتياع الدواء لها .
- وهل هي تسعل ؟ . هل هي فى حاجة الى دواء مستمر ؟ - انها امرأة . - انك موظف . . عفوا موثق . . آه . . هل يعتبرون الموثق موظفا ؟ - الموثق موظف . . أجل . . أجل . . لا . . والله لا أعرف ذلك بالضبط. الم تسألهم انت ؟ - من ؟ - الذين توسطوا لك فى الدخول.
- اني لا اعرفهم . . لم يكن ذلك ممكنا . . ان والدى هو الذي توسط لى عند وسيط . ثم اننى لم أر من الضرورة ان أسأل انك موثق هنا يا جعدانة منذ سنوات . . الم يطلعوك على شئ ؟ انهم يعطونك مرتبا ! - أجل انهم يعطوني مرتبا . اعطيه بدورى لام هاني . . بعد ان أخصم منه ثمن السقائر . . - ولكنك موظف .
- ربما . . لست أدرى . أعلم أنى موثق . . أشعر دائما بالخوف كلما أردت أن أسأل.
- الم تسألك أم هاني - ماذا تفعل . . وفي أى صنف انت ؟ - قلت لها انى موثق - وماذا أجابتك ؟ - قالت . . رائع أن تكون " موظف " اختلطت عليها الكلمتان . . ولم أصلح أنا هذا الاختلاط . - كان عليك أن تسأل ؟
- أفكر فى أن أتخلى عن التوثيق . . ان ماسحي الاحذية لهم دخل أرفع منى . . أم هاني تقول لى ان ماسح الاحذية وبائع الفواكه ، والحمالين والسماسرة . لهم دخل محترم وينفقون أموالا طائلة على زوجاتهم . وأنا موثق ولا أستطيع ان اوفر لها دواء لمقاومة السعال .
- انه الانفتاح يا جعدانه . الا تحس بالانفتاح ؟ - آه . . الى درجة أن سطح المنزل قد أصبحت فيه ثقوب كثيرة ، وتشققت الابواب . . وانبطح السرير . وتقشر اسفلت البيوت . . وأنا قد انفتحت . . أرأيت سروالى ؟ - سروالك.! هل لسروالك دخل ؟
- انه منفتح . . أرأيت سروالا منفتحا أكثر من هذا ؟ . انه منفتح فضفاض وكثير الثقوب . أحيانا أريد أن أرتقه . فأقول ماذا يا جعدانة سيتهمونك. سيقولون هذا ضد الانفتاح وسيدخلونك السجن . وماذا تفعل أم هاني لوحدها . - انها أمور تحدث . - أجل تحدث - تحدث . أخاف أن تبتلعني الهاوية.
رن جرس الهاتف ، فارتمى عليه جعدانه . . ولكن أحدا لم يجب فى الطرف الآخر . . لم يكن يسمع الا جعلانة يردد آلو . . آلو . . آلو . . آلو. . وسقطت السماعة . . وسقط الصمت . ثم بعد فترة.
- هل أن أم هاني تسعل كثيرا ؟ - تسعل كثيرا كثيرا . . . - ولماذا تسعل أم هاني ؟ - انها مريضة . عندها فتحة فى مكان ما ؟ - أراحك الله من هذه الفتحة يا أم هاني.
كان بين المسرح والمقهى الذى يجلس فيه عادة بعض مئات من الامتار .. هناك دائما شئ يدفعه الى مواجهة النادل . . الى التفرس فى ملامحه . . والي متابعة خطواته البطيئة لابد من النظر اليه . . انه رجل طيب ومكدود .. يضع القهوة على المنضدة بشكل رتيب . . كأنه يضع قميصا متسخا على جسده ينظر اليها بازدراء . . وينظر اليك شرزا . . ولكن بتعب شديد لا يوجه اليك الا كلمة مقتضبة . . ثم يدير وجهه . . وعندما يمر بين الصفوف .. ينظر اليك ببطء شديد . . ويستل بصره منك . . كم هو فظيع ! انها سكين حادة تستل من الوجه . . من الرأس . . من وسط الدماغ ، لا يلبس الا أشياء قديمة انه هو . . هو النادل الحزين . . المتنقل ببرود . . كان أسمر نحيل الجسد ..طويل القامة . . يصوب اليك بصره من فوق . . ليس لديك أية وسيلة لتحاشى ذلك اللهيب المسلط من عينية . . لهيب بارد محرق. عندما تحاول أن تقابل نظره المتعالى بنظرك أنت . . تحس كأن فيك شيئا يتجمد . . نظرك لا يمكن ان يصل الى مستوى شبر . . سرعان ما يتوقف . ينسحق تحت ذلك اللهيب . وكان النادل يأخذ الهبات المالية الصغيرة يأخذها وهو غاضب لا يقول أبدا . . " شكرا " ثم يردف حركة التقاط الهبة بنظرة ازدراء . يذهب الى المقهى ليرى النادل . ان ملامحه تشبه فى بعض النواحى جعدانه . . وجعدانه هو الذي اعطاه عنوان المقهى . . وقال له : " هناك تستطيع ان تتناول قهوة بكل ارتياح . . فالنادل رجل طيب وغريب . . انه أحد الاجوار الذين أعرفهم جيدا . "
قطع المسافة بين المسرح والمقهى . . ودفع الباب وارتمي على أحد المقاعد . - يتبع -

