قصة
الحذاء الأسود الغليظ يهتز وينحط على الرصيف الباكى . ، . . فى هذه الليلة المظلمة أخذت قطة تموء تحت شجرة عبثت بها الرياح والأمطار فناحت وتمايلت فى كل اتجاه . والجو المثقل بالرطوبة لا يدع الناس فى استراحة واطمئنان ، . . والمقهى القابع فى آخر الشارع المحتل صدر الساحة المواجهة لك تساقطت على نوافذه وأبوابه سهام مائية حتى غار وراءها ولم تعد ترى منه إلا هيكلا ضبابيا يعيد إليك مرأى المقهى المحترق فى يوم مطير ، يوم أن بقيت تلك الفتاة التى عرفت عليها حديثا تنتظرك فيه الى أن أصابته النيران فانهدم وتقوضت أركانه ولم يبق فى كل ذلك المبنى شىء يهمك سوى شبح الفتاة المشوهة ، المحترقة انتظارا . . .
عندما لاصقت الشجرة النائحة ووجهت بصرك الى القطة لباكية ، شاهدت قطيطة صغيرة جدا ، قد ابتل وبرها وهى ترتعش من البرد ، فاندفعت يداك من جيب معطفك الدافئين وانحنيت عليها تحملها الى ركن فى الشارع ، لكنه لم يعجبك ، فطوفت تبحث عن مكان مناسب لهذه الصغيرة ، واستقر رأيك على أن تضعها وهى ما انفكت تموء أمام أحد الأبواب الكبيرة فوق العتبة حيث لا يصلها الغيث النافع .
ورجع الحذاء الى حركته الاولى يهتز وينحط بينما تعبث شفتاك بسيفارة كريهة الرائحة وكميتها الدخانية ثقيلة على صدرك وقلبك الزافر فى هذا البرد المتهتك .
" إذا أردت أن لا أحس بالبرد فاننى أجرى أو أسرع الخطى " . هكذا قال أخوك الصغير .
كبرنا واصبحنا نأخذ المعرفة ممن هم دوننا ، يا رؤوسنا ، يا رؤوس السلاحف . وحثثت خطواتك فتحرك الدم أكثر داخل جسمك وأحسست بالدفء فعلا .
يا زمن الغرائب ، أصبحنا نطبق ما يقوله الصغار ونجده مصيبا ! . يا رؤوس السلاحف البطيئة الفهم يا رؤوسنا . .
لكن نواح الشجرة ما زال يصلك حتى بعد أن ابتعدت عنها ، ولا تفتأ الريح تعبث بها ، والمطر تنزل ، أحيانا شديدة وحينا خفيفة ، . وحتى المطر يعبث ، فبعد أن كان الجو صاحيا فى المساء أصبح مع مجئ الليل عواصف وأمطارا ، . . عبث . . كل ما يوجد يعبث ، الريح تعبث بالشجرة فتعبث الشجرة نائحة ، وينزل المطر كما اتفق له دون سابق إنذار ، والقطة تموء تحت الشجرة أو فوق عتبة باب وضعتها أنت هناك لتكون فى مأمن من عبث الرياح لكنها تموء وتردد ألحانا لا تدرى ماذا تسميها . والشارع بعد أن كان خاليا إلا منك ومن صوت لطبيعة بدت لك فيه على حين غفلة تلك الملتحفة ملاءة بيضاء تعرض جسمها عليك وأنت متشغل عن كل شئ وعنها هى بالذات . ونبذتك " يا صعلوك الليل والشوارع ، يا غبيا لا يقومه الارشاد " .
يداك مدسوستان فى جيبى معطفك الدافئين والحذاء يخبط على آخر مكان من رصيف هذا الشارع ، وملت الى اليسار واتخذت جهة أخرى فى شارع آخر ، لكن شيئا ما داخلك إزاء الملتحفة بملاءة بيضاء ، وتباطأت خطواتك كأنك تريد أن تقول شيئا . لا يمكن أن أستمر فى سيرى وأشياء أريد أن أقولها ولم أقلها ، يجب أن أقول كلمتى ، وخاصة لهذه البيضاء في هذه الليلة الظلماء العاصفة . إلا أن شيئا لم يحدث ، ورجعت الى سيرك الحثيث مع التثبت فى وضع حذائك على مكان لا يجعلك تزل فتسقط ، ويتتهشم رأسك وتخرج عيناك وتنشطر احدى ركبتيك ، - أو لا يحصل شئ من ذلك وإنما تتكسر ساعتك الدقيقة التى تعتمدها فى ضبط أوقاتك ، وقد لا يحدث شئ من ذلك كله فتبتل ملابسك فقط ، ثم تقوم وتستقيم على الطريق كما كنت . .
وأنت تواصل خطوك الثابت اعترضك رجل بدين يعتصر خصر امرأة ولما شاهدت المرأة شاربك الغليظ الاسود استدرجت صاحبها نحوك وأرادت أن تستحوذ على مكان فى قلبك ، لكنك سلحفاة غبية دائبة فى السير تسعى نحو ما لا يدركه غيرها وقد لا تدرك هى أيضا الى أى هدف تسعى . ولما باءت محاولة المرأة بالفشل زودتك بنظرة احتقار مشفوعة بملامح تفيد الاشمئزاز والانكار والسخط ، والبدين فى عوالم أخرى لا يفقه لغة العيون وشبق الانثى بين خيوط ضوئية قليلة منبعثة من بعيد ، يحس بالراحة وهو يعتصر جسما لا يبادله نفس الشعور ، يا رؤوس السلاحف ، يا غشاوة البلادة الجائمة على الأذهان . . . والادعاء بالمعرفة والفهم ولا شئ فى الواقع غير العبث . وأنت
تمشى والليل ينتحر وآلاف الحركات تقام أمامك وتصطخب حولك وفى دماغك فى موكب الظلام المعربد ، يا ألعوبة الأفكار والزمن فى ليل عابث لا يفتأ ينتحر .
عندما أعطيت الورقة النقدية الى بائعة الزهور أخذت تشعل سيفارة فى انتظار أن ترد اليك بقية الفلوس .،. ولما انتهى الوقوف أخذت باقتك ودراهمك . وشرعت يداك تشتغلان ؛ إحداهما ممسكة بالزهور ، والاخرى تدخنك .،، وقام الحذاء الاسود الغليظ يهتز وينحط على الرصيف فى حركة وئيدة ، حفيفة الوقع على البلاط المخضل ، وفى أنفك رائحة الورود وعبير البائعه الشذى ، و خلف أذنيك همسات ليلية رقيقة تبعث الدفء فى هذا الظلام الموحش .
" بضعة زهور ، شئ ضئيل . . لم لا تقضى الليلة عندى فى أحضان الزهور ؟ . . "
ولكنك سرت تنفخ الدخان كثيفا يفلق الظلام ، غير عابئ بشئ إلا برذاذ المطر الذى بدأ يعاود نوبته من جديد وأخذ يفتت لك اللفافة ، . . وهمس بعيد خلفى أذنيك " يا قاطع الليل والشوارع ، . . يا أصم ... يا من بأنفه زكام لا يشتم الزهور . . "
ولكنك سلحفاة دائبة فى سعيها ، ماضية مضى الليل نحو النهاية ، ونهايتك متى ؟ وغايتك أين ؟ ! ...
وتماديت فى السير دون توقف ، والمطر ينزل على رأسك والأرض ، فيشق دماغك و يسيل على حافتى الطريق الخالية ، المظلمة .،. وبلغت مكانا لم تعد فيه شوارع ولا مبان ولا طريق . مكان خلاء ، كله طريق ، وكله ليس طريقا ، فراغ ٠٠،٠ وأنت ماض فى مسيرتك والحذاء الأسود الغليظ غاص فى الوحل فثقل وزنه ، والمطر ينصب من كل جهة ، لكنك لم تقف ، وإن كنت قد تعثرت فى المشى ، وبقيت تسير . . . ولماذا أتوقف أو أتراجع ؟ ! . . لن يكون من ذلك شئ الا إذا ابتعدت الفراشة عن النور والنار ، أو إذا كف الديك عن الصياح عند الفجر .
وبلغك صوت ديك بعيد تحمله اليك آخر أنفاس الليل ، لكنك سلحفاة ساعية ، تدب دبيبا .
قال الشرطى للمرأة الملتحفة بمملاءة بيضاء : - ترين هذه المرأة . قالت الملتحفة بالبياض :
- نعم . أرى . . ما لها مضغوط عليها ؟ قال الشرطى :
- وضعت صغيرا الليلة ، وقذفت به فى الشارع ، وأرادت الفرار من جريمتها .
- وماذا تريدون منى ؟ - هل رأيت هذا الصغير ؟ - لا . لم أره . - هل شاهدت من كان يحمله ؟ هنا تراجعت المرأة البيضاء الى الوراء وأسندت ظهرها الى الحائط ووضعت رجلا على رجل حتى أصبحت فى جلسة لا يغيب معناها عن الشرطى الذى وجب قلبه وبرقت عيناه .
قالت المرأة البيضاء بعد أن نفخت : - اعترضنى صعلوك يهرول ، ورأيت بين يديه صغيرا يئن . قال الشرطى : - أمتحققة مما تقولين ؟ - كوجود أمامك . - ولماذا لم توقفى هذا الرجل ؟ - ظننت أنه يحمل ابنه . لكن عندما فاتنى قليلا عرفت أن الحكاية لها حكاية .
وأرسل الشرطى جماعة للبحث عن الرجل . واعترضت المرأة الضارة المتضررة : - ما ذنب الرجل حتى يوقف ؟ ! . . والمطر ما انفك ينزل وأنت ما انفككت تمشى ، والليل يستفيق على بحة ديك بعيد والقضية تتطور وتلاحقك ، يا صعلوك الليل والشوارع . . يا من يحمل زهورا مزقت وريقاتها المطر ولم يبق لك منها إلا تيجان مبتلة .
قال البدين للشرطى : - أبدا لم نر أحدا ولم نسمع شيئا . وعقبت صاحبته : - غير رجل اعترضنا وهو يخطو بسرعة .
ردد البدين : - ربما . . قد يكون مهزولا وغير ذى بال ، لذلك لم يسترع انتباهى . وتحول الشرطى عنهما وقال فى اتجاه معين :
- وأنت يا سيدة ؟ ٠٠ أجابت : - منذ ساعة تقريبا ابتاع منى رجل باقة زهور ، ٠٠ لاحظت أن معطفه كان منتفخا وكان مسرع الخطو . . ربما كان يحمل شيئا بين جنبيه .
كلام كثير تقوله هذه المرأة ، وهى لا تعلم أن بين جنبيك جسما ناحلا ، وأن ليس بأنفك زكام يسد عليك الروائح المتأرجة ، يا ألعوبة الصمت والتفكير فى ليل هازل لا يفتا ينتحر . لكنك سلاحفاة دائبة السعى . والحذاء الأسود الغليظ بدأ يفارق الوحل ويطأ أرضا صلبة مبتلة ، ويدك تحضن أعواد أزهار ليس فيها غير تيجان صلعاء ، وتسير سيرا حثيثا فى أرض خلاء ليس وراءك غير آثار أقدامك التى رسمت طريقا موحدة كآثار خنزير مكتنز الشحوم ، وليس أمامك غير جدار خرب يضم داخله غرفة قديمة متداعية . ومفتاح كبير فى جيبك يده خشبية . يا تاريخا يتراقص فى ذهنك ويتكهرب وتختلط فيه الصور سريعة خاطفة كخطواتك المتلهفة .
وتقف أمام الباب الخشبى المشقق وهو يقطر ماء ، وغراؤه الأزرق البالى تساقط مع المياه فلم يبق بالباب سوى خطوط زرقاء تتخللها أخشاب امتصت الماء فانتفخت ولانت .،.. وقفت أمام هذا الباب ، وأخرجت المفتاح الكبير ذا اليد الخشبية ودسسته فى الثقب الفسيح وأدرته دورتين الى يسارك ثم دفعت الخشب فانفتح الباب وولجت الغرفة .
قال الجماعة الذين ذهبوا للبحث عن الرجل الحامل الطفل ، للشرطى : - لم نعثر له على أثر .
وتمتم الشرطى ببرود وهو ينظر فى لهف الى الملتحفة بمملاءة بيضاء : - والعمل ؟ ! .. فرفعت هذه رأسها ضاحكة وقالت : - أنا أعرف فى أى طريق اعترضنى ، فان أردتم أن أدلكم على الشارع ، فانى أفعل ٠٠ وصاحت صاحبة البدين : - وأنا أذكر فى أى مكان بالضبط اعترضنى .
ووافقها البدين على أنه هو كذلك يذكر المكان بالضبط . . فابتسمت صاحبته . وتدخلت بائعة الزهور .
لقد راقبته الى آخر مكان غاب فيه عن عينى . واعترضت المرأة المتضررة : - لم كل هذا ، لقد صرحت لكم بأننى لم أقذف طفلا على الرصيف . لكن الشرطى ألزمها السكوت بنظرة حادة منه . ثم قام الجماعة والشرطى والملتحفة بالبياض والبدين وصاحبته وبائعة الزهور والمرأة المتضررة الضارة ، قاموا كلهم يقتفون آثارك ، ومروا يهرولون ويصفرون إلى أن بلغوا الشجرة النائحة وتخطوها غير مكترثين بصفيرها ، إلا أن المرأة الجانية صوبت نظرها تحتها تتفحصها وتمهلت فى مشيها وأرادت أن تدور حولها وعيناها لم تفارقا الأعشاب المبتلة التى تحيط بالشجرة ، وجذبها الشرطى يرجعها الى صفه فأذعنت سائرة معه . . . وتأوه البدين من البرد وبدا عليه أنه مل السير ، ثم هتف :
- ألا يمكن لنا أن نعود نحن ؟ قال الشرطى باقتضاب : - لا . أنتم محجوزون الى حين حصولنا على نتيجة واضحة . وطأطأ البدين رأسه مستنكرا وناظرا الى صاحبته يراقب ملامحها ، فلما لاحظ أنها ماضية مع الجماعة دون أن تكون قلقة ، هدأ وانضم الى الصف أكثر .
كلهم يسيرون فى ليل بدأ يستفيق وفى برد نفاذ ، بلغوا منعطف الطريق وساروا على اليسار ، ومروا بدكان الزهور المقفل ، ومضوا فى اتجاه مقابل الى أن بلغوا الأرض الخالية ، وضغط الشرطى على زر النور بيده ، فتبين لهم بالقرب منهم آثار أقدامك فأخذوا يتبعونها وأرجلهم تغوص فى الوحل . كلهم متلهف الى غاية مسعاهم ، وكلهم يلتف فى تلابيبه أو يلتصق بالجسم الذى اختاره ليكون مدفأة له ، فالملتحفة بالبياض تميل بمنكبيها نحو الشرطى وهذا يتعثر عليها ، والبدين يضيق الحصار بيده على نصف صاحبته ، وبعض الباحثين يبحث عن طريق نحو عبير بائعة الورد ، أو نحو المتهمة الساكنة .،.. وصوت ديك من بعيد يغزو أسماعهم ، والنهار بدأ يتنفس ويلفظ الليل الجائم عليه ... ساروا طويلا ليطأوا الأرض الصلبة ، وزحفوا فوقها مدة حتى لاح لهم جدار خرب ، و آثار سررك تقودهم فى ذلك الاتجاه ، فضاعفوا من سرعتهم .،...
وعندما كنت خارجا من الغرفة القديمة وأخذت تدير المفتاح الكبير ذا اليد
الخشبية دورتين الى اليمين وقف وراءك الشرطى وجماعته ، وتقدم إليك بكل عنف مزمجرا :
- قف يا مجرم . . لا تغلق الباب . واستدرت نحو هذا الصوت فرأيت شرطيا يصرخ فى وجهك ووراءه جمع من الناس ، رجالا ونساء ، . . وتذكرت بعض الهياكل التى مررت بها هذه الليلة ، بائعة الزهور خاصة ، هى بالضبط ، . . والبدين والمرأة التى بجانبه ، قد يكونان هما اللذان اعترضاك .،.. والملتحفة بالبياض هى اشبه بتلك التى عرضت عليك جسمها . . ووجوه أخرى لا عهد لك بها . ما الذى أتى بهم الى هنا ؟ من الذى جمعهم ؟ . وهذا الشرطى الثائر ، ماذا يريد ؟ . . أأصبح الناس جادين الى هذه الدرجة ، أم هى دائما نفس الخرافة ؟ العبث ، ولا شئ غيره ، والادعاء بالفهم والمعرفة ولا شئ وراء ذلك !.. يجوز ، . . ربما أصبحت الدنيا تجد . والناس الذين يقضون الليل فى بيوتهم أصبحوا يطوفون فى الشوارع ويدققون اعمالهم ويراقبون الآخرين ويستقصون أعمالهم .,.. يا زمن الغرائب ، يا رؤوس السلاحف ، . . أصبحتم تعون واقعكم وتعانونه . لكن من الذى جمع كل هؤلاء وأتى بهم الى هنا ؟ ! . .
وقلت للشرطى فى استخفاف : - خيركم من بدأ صاحبه بالتحية .. لكنه تقدم نحوك أكثر وصاح : - افتح الباب ولا تضلنا ، دع عنك التلطف فهو سلاح الضعفاء . لغة جديدة لم أسمعها قبل ، الجد والحزم والحكمة .
وواصلت فى برود : - صباح الخير . - افتح الباب وإلا هشمته وكسرت دماغك . المسألة تطورت إذن ، أصبح فيها عنف . ثم وقفت أمام الباب مع مد منكبيك الى اليمين واليسار حتى كدت تخبئ الباب وراءك ، وقلت فى جد :
- ولماذا أفتح الباب ؟ - افتح الباب . ما من باب يفتح إلا وخلفه أشياء تسر الناظرين أو تسوءهم ، كل يطرق الأبواب ، وكل يريد نيل ما وراء الأبواب ، إلا هذا ، فماذا سيجدون فى هذا الخراب ؟
ورجع الشرطى يتكلم من جديد فى صوت هادئ خشن ينبئ بالغضب :
- افتح الباب : - لماذا ؟ ماذا يوجد وراء الباب ؟ - أين الوليد ؟ عم يتحدث هذا ! أليس به مس ! - أى وليد ؟ - افتح الباب وستعلم . - أعلم ماذا ؟ - الوليد الذى حملته من الشارع الى هنا . - لم أر وليدا البتة . - متى جئت الى هنا ؟ - الليلة . - إذن ، افتح الباب - لنترو شيئا ما فى القضية ، . . من هذا الوليد الذى تتحدث عنه ؟ - وضعته فتاة فى الشارع تحت شجرة فى هذه الليلة القرة وفرت هاربة مسرورة لأنها أخفت سيئتها .
- وأين ذهب هذا الوليد ؟ - نسألك أنت عنه . - أنا ؟ ! ولماذا أكون أنا المسؤول عن هذا الوليد - لا أدرى . - هل سألتم أناسا آخرين عن مصيره ؟ - لا . - إذن لماذا أخص أنا بهذه التهمة ؟ - لاجتماع كل الأدلة ضدك . - مثلا ؟ ! - مثلا ، لأنك كنت أنت الوحيد الذي يسير فى الشارع فى ذلك الوقت . - ومن يثبت هذا ؟ - هؤلاء .
وأشار الشرطى الى من معه .
- إذن لم أكن وحدى فى الشارع . وبلغ غضب الشرطى أشده فاندفع نحوك كالسهم وأزاحك عن مكانك وخلع الباب الى أن ارتجت أركان الغرفة الخربة ودخل الحجرة وتبعه الآخرون . ، . . بقيت تنظر إليهم مشدوها ثم تحركت نحوهم داخلا .
لم يكن بالغرفة سوى نافذة واحدة ، ولم تكن تحتوى على شئ ، وفى ركنها الأخير توجد أعواد زهور صلعاء مبعثرة فوق قبر مترب .
التفت نحوك الشرطى قائلا لك وهو يشير الى القبر : - ما هذا ؟ - قبر . - لمن ؟ - لأمى . - ماذا جئت تفعل هنا ؟
- أزورها وأقضى حذوها حصة كلما أحسست بالضيق . وارتسم على ملامح الملتحفة بالبياض شئ من الدهش والحنان عليك ، . . وتقاسمت الآلام وجه بائعة الزهور .
وبعد فترة وجوم ، رجع الشرطى الى استنطاقك : - وأين وضعت الوليد ؟ - ألا يكفى من التهكم . قلت لك لم أر وليدا ولم أحمل معى شيئا سوى بضعة زهور لم يبق منها إلا أعواد أنت تراها على قبر أمى .
- إذن من الذى حمل الصغير ؟ واستدرت نحو الجمع الذى ملأ الغرفة وقلت للشرطى : - وهؤلاء الجماعة شهود ضدى ؟ - الذين اعترضوك فقط . أما الرجال الباقون فهم أعوانى . . وأما هذه المرأة فهى الجانية .
واندفعت تقول للشرطى - الأولى إذن أن نسأل الجانبية أين وضعته . وتقدمت نحو المرأة . - أين وضعت الوليد ، أرجوك قولى بصراحة ، أين ؟ وأجابتك بصوت ضاحك مرتبك : - لم أضع وليدا . . وأنا لست امرأة . أنا ما زلت فتاة .
- كيف ؟ ووجهت بصرك نحو الشرطى وأسرعت تقول : - أتسمع ؟ - نعم . - ما رأيك ؟ - لا أدرى الآن . - من الذى أخبرك بالقضية ؟ - طفل جاءنى يجرى وقال لى بأن فتاة ما زالت تمشى فى الشارع قد وضعت طفلا صغيرا على الأرض قرب شجرة .
- والفتاة ، ما رأيها فى زعم الطفل ؟ أجابت الفتاة :
- لقد خرجت فعلا من المنزل ، وقذفت قطيطة تحت شجرة كسرة بعيدة عن المنزل مسافة حتى لا يبلغنا مواء القطة المزعج ، وعندما كنا آتين الآن الى هنا حاولت أن أجد هذه القطة تحت الشجرة ، فلم أعثر عليها .
واندفعت أنت تقول للجماعة بعد تفكير قليل :
- لقد عثرت على قطر تموء تحت شجرة فحملتها من مكانها ووضعتها فوق عتبة باب كبير .
ويصيب القوم صمت طويل ، ثم يخرجون الواحد بعد الآخر ، وتتبعهم أنت بعد أن تغلق باب الغرفة القديمة . ، . . ويعود الحذاء الاسود الغليظ الملطخ بالوحل يهتز وينحط على الأرض ، وبداخلك قلب منتفخ لا يطيق دخان السفاير الرديئة ، ويداك مدسوستان في جيبى معطفك الدافئين والبرد ينفذ إليك .
- " إذا أردت أن لا أحس بالبرد فاننى أعدو أو أسرع الخطى " هكذا قال أخوك الصغير .
وجعلت تسرع خطوك وتخب من حين لآخر ، وأحسست بالحرارة تسرى فى عظامك . . . كبرنا وأصبحنا نأخذ الحكمة ممن هم دوننا يا رؤوس السلاحف يا رؤوسنا . والحذاء الأسود الغليظ يهتز وينحط على الرصيف فى فجر يوم مثلج ، وانت متجه الى المكان الذى خرجت منه ، يا صعلوك الليل والشوارع يا سلحفاة لا يدميها السير ولا يضجرها الاستمرار .
13 ماى 1970

