-3-
ومهما يكن من امر فانه يتحتم على ان اكون محتاطا * : ذلك ان الشارع يعج بخلائق متعددة المشارب فهذه جحافل من الفلاحين تكر زاحفة كالمووج المتلاطم وهذه اسراب من السفهاء تمر متفرجة وعليها كل مظاهر المجون وهؤلاء أشخاص ارتدوا اسملا بالية يجوبون الشارع جيئة وذهابا لا يعرف المرء من أين أتوا ولا ترتاح نفسه اليهم . فتحت الدكان رغم قلة ما فيه من بضاعة . وأردت بذلك ان يقرأ لى كل حساب وان يكون وجودى هناك معترفا به من الناس جميعا . وكان فى ظنى ان أتعرف الى جيرانى لكننى لم أشهد منهم تسرعا الى مقابلة عملى بالمثل ولا الى انكاره . فموقفهم كان موقف احتراز ، وكنت اقول فى نفسى " ان هم لم يقبلونى فى جمعهم فانهم خيروا تجربتى . فسيأتون الى من تلقاء انفسهم وخصوصا اذا ازدهرت تجارتى ازدهار لا أظنهم يتصورونه الآن " .
انه سياتى 4 سياتى فى يوم من الايام . اما من ناحية عيشى فان المسكن والماكل - ذكرت بخير - ذلك انها فتحت لى منزلها كنت ادرس هذا الشارع الذى لا يشبه ففى اول الامر لفت نظرى الفلاحون وهم يا ٠٠٠.١
اما من ناحية عيشى فان المسكن والماكل قد ضمنتهما لى عمتى " عمارية " - ذكرت بخير - ذلك انها فتحت لى منزلها كأحد ابنائها بعد وفاة والدى كنت ادرس هذا الشارع الذى لا يشبه الشوارع الاخرى فى مدينتنا
ففى اول الامر لفت نظرى الفلاحون وهم يجيئون ويذهبون . فهؤلاء الاجلاف الذين صهرت الشمس جلودهم كانوا يتنقلون ببطء محملين باثقال تنوء تحتها البهائم . وكانوا يتوالون على الدكاكين فى خشية قد يحسبها المرء متصنعة لو لم يلمحها فيهم جميعا . وكان التجار لايسنكفون من السخرية بهم ومن المزاح على حسابهم على مسمع منهم ومراى وكان الفلاحون لا يخرجون أبدا من زماتتهم .
اما نساؤهم السافرات فكن يظهرن فى مظهر قريب من الانس وكن لا يسكن عن مزاح التجار بل يرددن الكيل بالمثل ويمررن بهدوء وانظار أولئك البرجوازيين مسلطة عليهن بدون اهتمام كبير . وكن يلبسن ملاءات حمراء أو صفراء محلاة برسوم فى صورة أزهار ويغطين رؤوسهن بشالات عقدت تحت ذقون نهن . وكان الرجال والنساء لا يترددون اذا هم غلبهم التعب فى التخلص من اثقالهم والجلوس على عتبة الدكاكين فينطلق النقاش حادا طويلا بينهم وبين التجار .
وكنت افكر فى المستقبل وعقلى يزخر برامج وآراء . ولم اكن لاندفع لاجل المصلحة فقط بل الذى يستفزنى اكثر من كل شئ هو أن أعرف كيف سيكون هذا المستقبل . وكنت طلقت بلا رجعة طريقتى القديمة فى التفكير فلم اطق ان يبقى تابعا لى ذلك الشخص القديم ذلك الآخر الذى كنته
وكنت أرى المستقبل زاخرا بالامال العريضة لكن المهم هو تعمير الدكان بالبضاعة فبحثت عمن يقرضنى ولم اجد في المدينة من لا يوصى صاحبه بذلك ان لم يكن بكامل القدر فعلى الاقل بالقليل منه لكن لم يجسر ولو واحد منهم على قرضى شيئا من المال وحتى اصحاب التجارات الضخمة فانهم لم يرضوا بتسليمى البضاعة بدون مقابل اذ لم اجد من يضمن فى . وكانت النتيجة بعد تنظيف الدكان اننى لم انجز شيئا مما قررته واجبرت على الانتظار وتأخر الموعد الذى ساندفع فيه فى عالم التجارة .
فى تلك الفترة بالضبط عرفت شخصا غريب الاطوار ظننت انى لمحته سابقا فى صحبة ابى وعلى كل فان وجهه لم يكن غريبا بالنسبة لى غير انى لم اكن لاعرف اسمه .
اتانى مرة ثم رجع اخرى . وكان فى اول امره يظهر عليه التردد فلا يتحدث الا بصعوبة وان هو تحدث فكانه يكلم نفسه . ثم بعد ذلك بقليل زال عنه ذلك التضايق الذي كان يكبله
ففى كل مرة يزورنى فيها يتحدث بحماس وغزارة . ولم اكن لا تعجب من ذلك فهل لك ان تتصور مثلا ما قاله لى فى احدى زياراته ؟
- انك قد تحملت مشاق عظيمة الى اليوم الذى اخذت فيه على عاتقك هذه التجارة . . تقول كيف امكن لى التعرف الى ذلك ؟ وكنت اترقب منك هذا السؤال . نعم . كنت تعيش فى يأس لامزيد عليه . ثم ان شعورك بتفوقك كان لا يسهل عليك الاشياء . حقيقة انى اود ان لا يتدخل المرء فى شؤون غيره . اما أهل بلدنا فانهم لايفهمون شيئا من ذلك . واعترف ان فى هذا ما يجعلك جد متضايق
وكانت ابتسامة رقيقة تغضن وجها خططته تجاعيد عديدة . وكانت عيناه وفيهما خضرة خالطتها صفرة ينبثق منهما نظر ذو بريق حاد لا يستقر على شئ .
وتابع قائلا : ايه ! قلت : اننى اود ان يحترم الناس ما يقوم به غيرهم من أعمال . هذه هى الحقيقة ، لكن فى بلادنا يكاد يكون الامر مستحيلا .
وكنت قدرت سن صاحبى بخمس وخمسين سنة اذ هو قد فارقه الشباب الا قليلا . لكن يظهر اننى قد اخطات التقدير . فهل هو اكبر مما ذكرت ؟
ثم اردف قائلا
" ان حياتك اليوم تظهر للذين عرفوك من قبل غريبة الاطوار . فأنت تعامل الناس بحزم وتظن أن لك قدرة خاصة على الاشياء و . . . انك حقيقة لا تقل صرامة نحو نفسك . وكنت شعرت بأن النجاة فى ذلك . ففى الوقت الذى فتحت فيه الدكان شاع الخبر بأنك ستضطر الى التخلى عنه بعد ثمانية ايام فلم يتحقق من ذلك شئ . وانى على حق ان انا شمت فيك المثابرة والنشاط الدائم المتواصل ، انك خيبت ظن هؤلاء وانى اشكرك على كل هذا . وان لا يخفى على ما يلزمك من جهد لتكون حالتك فى مستوى لا بأس به . وانى
على يقين انك مستعد استعدادا تاما للقيام بهذا المجهود . لكن تقول ما هو مأتى هذا الاحتراز الذى تجده فى الناس حولك ؟ انك ربما لا ترى فى ذلك الا حماقات .
وكنت انصت اليه وهو يتحدث . وكان طويل القامة يلبس طربوشا مال حتى قرب من عينه اليمنى . وقد مد من خديه خطان عميقان فى وجه بين الملامح ناتى العظام وقد غطى جسمه كله " برنس " أسود قد مال لونه الى الخضرة من فرط ما ناله من الايام وكان فى حديثه يقوم بحركات مضطربة يميل بجسمه ذات اليمين وذات الشمال ويهز راسه هزا رفيقا . وفى آن واحد يحرك ذيول برنسه فكانه جارح من الجوارح يخفق بجناحيه ليطير
كان يتحدث هكذا ساعات طويلة وليس من العسير على المرء ان يعرف من نظرته ان رأسه كان يغلى غليانا كبيرا وكان لى فراغ من الوقت يسمح لى بان اسمع الى حديثه الذي ينسينى حالتي التى أجبرت عليها جبرا فكنت انصت بدون ان انبس بكلمة . وقد كنت قلت اننى لم اكن لاسحر الناس ببيانى وسهولة لفظى ولذلك فانه لم يخطر ببالى قط ان أجيبه عما يقول .
قال لى فى يوم آخر :
ان الرجل منا فى هذا البلد يريد ان تكون اعماله على مرأى ومشهد من الناس . فان تحدث عن نفسه فانه يورد شهادة هذا او ذاك وان هو عدم الشهود فانه يشهد الله على نفسه . فهو يتمنى ان يكون قلبه كتابا مفتوحا للجميع . وهو يحدثك بشجاعة عما يقوم به من اعمال وعما يراه من رأى .
على انه يجب ان لا تغتر بكل هذا : ذلك انه يبقى منغلقا من دون ان يشعر .
ولا تترقب منه ان يبوح لك بما فى نفسه : اذ هو غير قادر على ذلك . ولا تنتظر ايضا ان تخونه حركة او عبارة . وسكت بينما بقى جسمه ينتفض انتفاضا . ومضى بفكر مقلبا نظره في كل شئ كأنه يقدر دكانى بكل ما فيه التقدير الحق
- انني لست اعرف لماذا ، فنحن لانقرا حسابا لما يختلج هنا : هذا غريب ؟
واشار الى صدره وربت عليه برفق ثم صدرت منه ضحكة قصيرة اسكتها بسرعة وأحسست فجأة كأن شيئا ثقيلا نزل على قلبى ، فلم اعد افهم ما بدور حولى : كان يقلب فى نظره بعينين غريبتين . ولم تكن هذه نظرته فى
العادة اذ لمحت فيها شيئا من القلق . ثم ابتسم ابتسامة خاطفة ظهرت لى ساخرة ورجع الى هيئته الاعتيادية .
كنت على حق حين زعمت انه غريب الاطوار . فما قولك فى رجل يحدثك هذا الحديث انه لم يكن غريب الاطوار فقط بل هو اكثر من ذلك . هو محير
وبقيت هذه الكلمات تطاردنى طويلا وتحدث فى نفسى هيجانا أخرس . فقد كان لها القوة الكافية فى ان تلقى فى روعى قلقا لا احسبنى قادرا على وصفه . . كان صاحبى ثرثارا عجيب الاطوار حتى اننى انصت اليه رغم أنفى ورغم هذا الصوت المرتعش الذى تنبعث منه نبحات غضوبة هى ضحكته .
وكنت اسائل نفسى عن غرضه من كل هذا واحاول ان انفذ الى نواياه ولكننى لم انجح فى ذلك . فكان أهوى فى سيل عارم . . وربما لم يكن هناك اى شئ يستحق الفهم ورغم ذلك فقد كنت مغلوبا على امرى ، لا أقدر على اى شىء غير الانصات . نعم كنت مغلوبا على امرى . وكان الوقت الذى بقضيه بجانبى يمر بسرعة مهولة .
وقد يحدث له فى بعض الاحيان أن يلزم الصمت . ولكنه يحير بالى اكثر مما لو أنه اندفع فى كلامه الاخرق . اذ كنت لا اعرف ما يدور بخلده . وقد تدوم هذه الحالة الصباح كله ، فيتنهد من حين لآخر ولا يزيد على ذلك شيئا ثم ينهض قائما فى آخر الامر ويذهب كما اتى بدون ان يتلفظ بكلمة السلام .
وكم من مرة احاول ان اشرح له حالى . لكن نظرته الجامدة ، الخاوية تدلنى على عظم المشقة التى يجدها المرء فى استمالة قلب مثل هذا القلب . فأعدل عن ذلك . لكن عريى رغم تستره يبقى واضحا بينا . وهذا كل ما كنت اصبو اليه : أن يكون فقرى ظاهرا من دون ان يثير العطف . وبهذه الصفة أبقى حرا فى ان اقرر مد يدى للاعانة ام لا . فكان من المتحتم على ان احتفظ بحريتي حتى ولو كتب على ان اكون محل عطف الناس
وفجأة اخذت زياراته تقل بعد ان ازعجنى شهورا طويلة . ثم ظهر ثلاث أو أربع مرات وهجر دكانى بدون رجعة . والغريب هو اننى تحسرت فيما بعد لفراقه ! فلماذا لم يرجع ؟ ولماذا لم اعد اسمع له ذكرا ؟ فهل كان يؤمل منى شيئا ثم خبب ظنه ذلك الانتظار الطويل ؟ مثل هذه الاسئلة تجول بخاطرى لكننى لا اجد لها جوابا .
وانى اذكر ما قاله لى فى آخر زيارة له :
- نحن عاجزون تماما عن أن نقوم بعمل ما بمفردنا . فيجب ان يدفعنا اليه اجنبى عنا وان يحضنا عليه . ثم انه تجب المراقبة طول تلك المدة والا فياخيبة المسعى ! ثم من بعد ذلك فلنعجب ان نسبنا الناس الى الطيش والخفة .
وضحك ضحكة قصيرة متقطعة : واتجه نظره الى ركن من الدكان . فكان فى منتهى القسوة حتى ان منظره يبعث على الخوف .
ولم اكن لاشك فى انها هى آخر مرة اسمع فيها صوته المغمور .ثم تحرك فى عنف ونظر الى فى صمت وقد أذهلنى ما فى عينيه من حزن ولم افطن الى الحكم القاسى الذى اشتملت عليه تلك الكلمات . فلم احملها فى ذلك الوقت اى معنى خاص اللهم الا انها حدة فى القول بالغة المرارة . فلم اتفطن الى انه يعرض بى وانه يعرف باطنى أكثر مما أعرف وأنه ترك - قبل أن يختفى - هذه الخواطر كالرهن او انه وجهها الى كالانذار .
وكان لى الوقت الكافى بعد ذلك فى التفكير فى كل ذلك .
ومضى ولم اعد أراه البتة .
وتقاطر على دكان الحاج الزبائن من نساء محتجبات ورجال يعلو وجوههم البشر واطفال صغار فمنهم من يشترى الفحم ومنهم من يشترى الخضر او اللبن . وكانوا كلهم يلقون نظرة على " جمال " ويمدون الدراهم ثم يذهبون فى صمت . ولم يعد يتفطن هذا الشاب الى هؤلاء الناس لكثرة الداخلين والخارجين . ثم قال للحاج :
- اننى تعب . فهل اواصل ؟
- واصل من فضلك فان الليل لم يهجم بعد
ونظر " جمال " الى الحاج بعينين عجيبتين وقد تغضن طرفا فمه ثم قال : - الا اضجرك ؟
- قص على قص .
واستولت على الشارع حركة متزايدة عند قرب المغرب . ذلك ان الناس يسرعون فى الرجوع الى منازلهم .
واخذ جمال يضحك فى احتشام ثم قال :
- يجب ان لا تفرط فى الفرص فانها لا تعود !
ثم سكت واخذ ينظر الى المارة فى ابتسامة مرة وقال :
- ان ذكريات كادت تمحى هاجت فى نفسى ووصلت بى الى هذا الحد . وكانت كل كلمة يتفوه بها تظهر كانها منبعثة من قلبه .
وهجم الظلام . وقلت الحركة فى الشارع وفى الساحة واظلم الدكان . فلم بشعل الحاج المصباح . وكان منتصبا ، لا تصدر منه اى حركة فى ذلك النور الضئيل الذى يرسله الشارع . ثم قال جمال :
- انى نسيت التجارة منذ زمن بعيد . وان حدث لى ان تذكرت ذلك فانى اتعجب كيف اننى ظننت يوما ما ان نجاحى يكون فى التجارة . لذا فانى لا اتذكر ذلك الا قليلا . فكيف انخلع كل ذلك منى ؟ الحقيقة انى لا اقيم وزنا لذلك مهما كانت الاسباب . . فكم تظهر لى الان التجارة والنجاح المادى امر ين لا شأن لهما ! ان شيئا آخر يشغل بالى : انى بدات انظر الى الحياة بوعى هو وعى الحياة . . . فالوقت الضائع ليس له اى خطر . وانى أرى نفسي - وقد دفعتنى حرية تقضى على جميع المشاكل التى تتناهشنى - اعلى بكثير من الذين يلوموننى او يحتقروننى فلم اعد ضحية للمجتمع ولا لتقاليده وان تحتم على ان امد يدى متسولا فانى افعل ذلك من دون ان اقرأ حسابا لا للناس ولا لاقوالهم . اني بذلك اصير سائلا لاننى لم اقدر ان اكون اميرا او شاعرا والفرق بين هذا وذاك قليل .
- نعم لم افهم ذلك الا حين .
وكان الرجلان الواحد قبالة الآخر ينظران الى الليل وكأنه البحيرة السوداء لف الدكان كله ويحيط به فى تستر وتكتم . وكان جمال يرى صديقه الودود بذوب ثم يتمطط ثم تتلاشى ، واحس بغتة برغبة فى السكوت ولكن عينيه لم تفارقا الحاج مترقا بعض التعالق ، وبعد قليل قالجمال : " من فضلك قل كلمة واحدة " .
وكان صوته يرن عاليا والحاج جالس لا ينبس بكلمة وكانت " جبته " الرمادية الداكنة التى تلف قامته وتغطى سراويله الفضفاضة تعجل بتلاشيه فى الظلام . غير ان جمال فهم ما فى نظرته من معان واحس بشئ غريب يخنقه فمد يده الى الحاج وقال : وداعا ، لكن الحاج لم يتحرك . فهل تظاهر بأنه لم يسمعه ؟ همس الشاب قائلا : " يجب ان اذهب الآن " واقترب من الحاج فوجده يبتسم وكانت ابتسامته بالغة فى السخرية حتى ان جمال احس بوخزة فى قلبه . فقال متلعثما : " سامحنى "
وضعف صوته واخذ يفكر فى معنى نظرة صاحبه لكنه وقد فقد كل سيطرة على نفسه فر من الدكان هاربا .
انتهى

